« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/11/08

بسم الله الرحمن الرحيم

8 ذي القعدة 1447
26 أبريل 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مئتان وستّة وتسعون): الثمرة الأصولية في وجوب المقدّمة بين التعارض والتزاحم واختلاف المباني

 

التحقيق: ثبوت ثمرة أصولية على بعض الأقوال في وجوب المقدمة.

كان الكلام في الثمرة الأصولية التي قد تترتب على أصل بحث المقدمة، أي أصل بحث ملازمة «إذا وجب شيء وجبت مقدمته»، فهل هذا البحث فيه ثمرة أصولية أو لا؟

الجواب: توجد ثمرة أصولية على بعض الأقوال والمسالك دون المسالك الأخرى. فعلى بعض المسالك يوجد تعارض، وعلى بعض المباني يوجد تزاحم، وعلى مبانٍ أخرى لا يوجد لا تعارض ولا تزاحم. إذًا النتيجة من تعارض أو تزاحم أو عدمهما تتبع القول بالمبنى في بحث مقدمة الواجب: هل هي واجبة أو لا؟ إذًا توجد ثمرة أصولية.

توضيح ذلك: إن المقدمة على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: مقدمة مباحة بطبعها وبتمام أفرادها.

القسم الثاني: مقدمة محرمة بطبعها بقطع النظر عن مقدميتها.

القسم الثالث: مقدمة بحسب طبعها بعض أفرادها حلال وبعضها الآخر حرام.

فهذه أقسام ثلاثة نتحدث عنها تباعًا.

القسم الأول: إذا كانت المقدمة مباحة بطبعها وبتمام أفرادها، فلا يتصور في هذا القسم ثمرة على القول بوجوب المقدمة؛ لأنه من الواضح أنه لا يوجد تزاحم ولا تعارض.

القسم الثاني: إذا كانت المقدمة محرمة بطبعها كالغصب بقطع النظر عن كونها مقدمة للواجب كالإنقاذ، فهي من قبيل توقف إنقاذ الغريق الواجب على اجتياز الأرض المغصوبة وهو محرم. فهنا يوجد دليلان: دليل «لا تغصب» وهو نهي يوجب الحرمة، ودليل «أنقذ الغريق» وهو أمر يقتضي الوجوب. وكلٌ من الدليلين يدل على ثبوت الجعل على القادر، والقادر إما شخص غير مشغول أو شخص مشغول بواجب مساوٍ لهذا الواجب. وهنا توجد ثلاثة مبانٍ وتختلف النتيجة وفقًا للمبنى المختار. فما هي هذه المباني الثلاثة؟

المبنى الأول: أن نبني على عدم وجوب المقدمة رأسًا وننكر أصل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته. فهنا لا يوجد تعارض بين «أنقذ» وبين «لا تغصب»؛ لأنه لا يترشح وجوب من وجوب الإنقاذ إلى وجوب اجتياز الأرض المغصوبة حتى يحصل تعارض بين «اجتز» و«لا تجتز».

إذًا على المبنى الأول لا يوجد تعارض بل يوجد تزاحم وضيق خناق في قدرة المكلف؛ لأن المكلف إما ينقذ وإما يغصب، إما يشتغل بإزالة النجاسة عن المسجد أو يشتغل بالصلاة، ولا يمكن في آن واحد أن يصلي ويزيل النجاسة. فهنا يوجد تنافي في عالم الامتثال وهذا ملاك باب التزاحم.

إذًا بناءً على المبنى الأول لا يوجد تعارض بل يوجد تزاحم؛ لأن الجعل في كل منهما لا ينافي الجعل الآخر. جعل وجوب الإنقاذ لا ينافي جعل حرمة الغصب، بل كل منهما يطلب امتثاله مع وجود القدرة. وبما أن المكلف لا يمكنه امتثالهما معًا حينئذ يجري قانون التزاحم بتقديم الأهم على المهم. فإذا كان الأهم هو ذو المقدمة وهو الإنقاذ قُدِّم على حرمة الغصب، وإذا كان الأهم هو الغصب قُدِّم على الإنقاذ. ومن الواضح أن إنقاذ النفس المحترمة أهم من الغصب، فيُقدَّم ذو المقدمة على المقدمة وهي الاجتياز.

إذًا لاحظوا الآن: بناءً على المبنى الأول يثبت… ما هو المبنى الأول؟ إنكار أصل وجوب المقدمة، إنكار مبنى الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته. هنا يحصل تزاحم ولا يحصل تعارض.

المبنى الثاني: أن نبني على وجوب المقدمة ونبني على وجوب خصوص المقدمة الموصلة لا مطلق المقدمة. فهنا أيضًا مثل المبنى الأول يوجد تزاحم ولا يوجد تعارض بين الدليلين، وذلك لأن دليل «لا تغصب» ينشئ حرمة على القادر غير المبتلى بواجب مساوٍ أو أهم. فإذا كان الإنقاذ مساوٍ للاجتياز أو أهم من حرمة الاجتياز، فهذا معناه أن دليل «لا تغصب» ينشئ حرمة على من لا ينقذ الغريق، وأما الذي يجتاز الأرض المغصوبة لإنقاذ الغريق فلا حرمة في حقه. إذًا هنا بناءً على المبنى الثاني، القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، لا يوجد تعارض بين «أنقذ» و«لا تغصب»، بل الدليلان متزاحمان، فيجري قانون التزاحم فيُقدَّم الأهم ملاكًا.

المبنى الثالث: أن نبني على وجوب مطلق المقدمة ونلتزم باستحالة اختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة. فحينئذ سوف يتحقق التعارض لا التزاحم. فهنا يتحقق تعارض بين «لا تغصب» و«أنقذ الغريق»؛ لأن دليل «أنقذ» يستتبع وجوبًا متعلقًا بمطلق المقدمة، أي بمطلق الغصب، يعني يجوز لك أن تجتاز الأرض المغصوبة مطلقًا سواء أنقذت الغريق أو لم تنقذ الغريق. فبناءً على وجوب مطلق المقدمة ينشأ وجوب لمطلق الاجتياز والغصب، وهذا يتعارض مع خطاب «لا تغصب» الذي ينشئ حرمة مطلقة.

إذًا دليل «أنقذ» يثبت وجوبًا متعلقًا بمطلق المقدمة، أي بمطلق الغصب الجامع بين الموصل إلى الإنقاذ وغير الموصل إلى الإنقاذ، وهذا ينافي حرمة الغصب ولو على تقدير عدم الإنقاذ. إذًا يحصل تعارض بين الحرمة والوجوب وتسري المعارضة إلى دليليهما، وحينئذ يجب أن نتعامل مع الدليلين معاملة المتعارضين إذا لم يكن عندنا علم من الخارج.

إذًا إلى هنا لاحظوا: إلى هنا النتيجة اختلفت باختلاف المباني والمسالك في مبحث وجوب المقدمة. يلا لاحظ معي:

القسم الأول: المقدمة المباحة: لا تعارض ولا تزاحم.

القسم الثاني: المحرمة بطبعها: توجد ثلاثة مبانٍ:

     المبنى الأول: إنكار أصل الملازمة: يوجد تزاحم ولا يوجد تعارض.

     المبنى الثاني: وجوب خصوص المقدمة الموصلة: يوجد تزاحم ولا يوجد تعارض.

     المبنى الثالث: وجوب مطلق المقدمة: يوجد تعارض ولا تزاحم.

إذًا توجد ثمرة أصولية باختلاف المبنى المتخذ في بحث مقدمة الواجب.

هذا تمام الكلام في القسم الأول والقسم الثاني، واتضح اختلاف الثمرة.

وأما القسم الثالث: وهو ما إذا كانت المقدمة لها فردان: أحدهما محرم بطبعه والآخر محلل بطبعه. وهنا توجد ثلاثة مبانٍ أيضًا، وتختلف النتيجة باختلاف المبنى. ولنذكر المباني التي تتضمن مسالك واحتمالات وصور على النحو التالي:

المبنى الأول: أن نبني على عدم وجوب المقدمة. فهنا لا يوجد تعارض ولا يوجد تزاحم، توجد فقط حرمة ولا يوجد وجوب حتى يحصل تعارض أو تزاحم. إذًا على المبنى الأول: لا تعارض ولا تزاحم.

المبنى الثاني: إذا قلنا بوجوب المقدمة وقلنا إن الوجوب ثابت لخصوص الحصة المباحة ولا يشمل الحصة المحرمة كما عليه المشهور، فالمشهور يقول إن جامع الوجوب يشمل خصوص الأفراد المباحة ولا يشمل الأفراد المحرمة لعدم وجود مقتضٍ لترشيح الوجوب الغيري على المقدمة والأفراد المحرمة بطبعها. فحينئذ لا يوجد تعارض أيضًا؛ لأن الوجوب قد اختص بخصوص الأفراد المباحة ولا يشمل الأفراد المحرمة. إذًا لا يوجد تعارض.

إذًا على المبنى الأول: لا تعارض، على المبنى الثاني: لا تعارض.

المبنى الثالث: للسيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله[1] ، فهو يرى أن الوجوب الغيري يشمل الأفراد المباحة والمحرمة معًا.

والسر في ذلك: أن مقتضى الوجوب الغيري نسبته إلى الفرد المباح والمحرم على حد واحد؛ لأنه ملاك الشوق الغيري هو التوقف، توقف ذي المقدمة على المقدمة، وهذا التوقف موجودٌ في كلتا المقدمتين المباحة والمحرمة على حد سواء. فمقتضى القاعدة تعلق الوجوب الغيري بالجامع بين المحرم والمباح، فيدخل الباب في باب اجتماع الأمر والنهي بالمعنى الأعم من الاجتماع. واضح إن شاء الله المبنى الثالث.

المبنى الثالث: الوجوب الغيري يشمل الفرد المباح والمحرم معًا، خلافًا للمشهور الذين قالوا بأن الوجوب الغيري يختص بخصوص الأفراد المباحة ولا يشمل الأفراد المحرمة. فإذا ما يصير تعارض بين الوجوب والحرمة. لكن على مبنى السيد الخوئي وهو المبنى الثالث صار اجتماع للأمر والنهي.

وهنا مسالك:

المسلك الأول: أن نلتزم بأن الوجوب الغيري متعلق بعنوان المقدمة، فالوجوب يترشح على العنوان لا المعنون، فالعنوان حيثية تقييدية، فيكون المقام من باب تعدد العنوان، أي يوجد عنوانان: عنوان للوجوب وعنوان للحرمة، فيندرج تحت بحث باب اجتماع الأمر والنهي؛ لأن عنوان الواجب غير عنوان الحرام.

مثال ذلك: «أنقذ الغريق» و«لا تغصب». هنا «لا تغصب» له فردان: فرد محرم إذا لم يبتلَ بمزاحمٍ آخر، وفرد محلل من أجل ماذا؟ إنقاذ الغريق. فهنا يصير الحرمة لعنوان الغصب، والوجوب وجوب الاجتياز لعنوان لا الغصب لعنوان الاجتياز للإنقاذ.

إذًا الاجتياز، أي اجتياز الأرض المغصوبة لإنقاذ الغريق، فيها عنوانان: الحرمة تعلقت بعنوان «لا تغصب»، «لا تتصرف في الأرض المغصوبة»، والوجوب تعلق بعنوان الاجتياز لا عنوان الغصب، الاجتياز لإنقاذ غريق. فهنا مبنيان في علم الأصول:

     المبنى الأول: جواز الاجتماع، يجوز اجتماع الأمر والنهي. وبناءً على مبنى جواز الاجتماع بين الأمر والنهي لا يوجد تعارض، يمكن اجتماعهما.

     المبنى الثاني: عدم جواز الاجتماع. هنا أيضًا لا تعارض نظرًا لاختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة. فهنا لم يجتمع الأمر والنهي والوجوب والتحريم؛ لأن الوجوب اختص بخصوص الاجتياز الموصل إلى الإنقاذ، والتحريم هو حرمة الغصب الذي لا يوصل. إذًا لا يوجد تعارض.

إلى هنا لاحظ معي النتيجة: بناءً على المبنى الثالث للسيد الخوئي توجد مسالك، وبناءً على المسلك الأول وهو أن الوجوب أو التحريم يتعلق بالعنوان، هنا لا يوجد تعارض سواء قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي أو عدم جواز اجتماع الأمر والنهي. النتيجة: لا يوجد تعارض على المسلك الأول من المبنى الثالث. واضح إلى هنا؟

المسلك الثاني للمبنى الثالث: أن نلتزم بأن عنوان المقدمة حيثية تعليلية وليس حيثية تقييدية، فالوجوب الغيري لا يتعلق بعنوان المقدمة بل بواقع المقدمة. فالوجوب ينصب على واقع نصب السلم، والوجوب ينصب على واقع المشي إلى الشاطئ.

هذا فرق بين المسلك الأول والمسلك الثاني. المسلك الأول يقول: الوجوب ينصب على المقدمة، المقدمة حيثية تقييدية. المسلك الثاني يقول: الوجوب لا ينصب على عنوان المقدمة، العنوان ليس قيدًا، العنوان حيثية تعليلية حيثية مشيرة إلى الواقع الذي انصب عليه الواجب.

هنا يوجد احتمالان في المسلك الثاني من المبنى الثالث، يوجد احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يكون الدليل لفظيًا، فالدليل الدال على الوجوب هو عبارة عن دلالة التزامية لفظية. فحينئذ يحصل تعارض بين الخطابين، بين خطاب «اجتز» و«لا تجتز»؛ لأن الحرمة ليست على عنوان الغصب وعنوان الاجتياز، الحرمة والوجوب على الواقع، يعني واقع المشي إلى الشاطئ، واقع المشي إلى الشاطئ حرام بعنوان الغصب وواجب بعنوان أنه مقدمة للإنقاذ.

إذًا إذا كان الدليل الدال هو دليل لفظي فحينئذ يحصل تعارض بين الخطابين، بين خطاب «لا تغصب» وبين خطاب «أنقذ الغريق». هذا الاحتمال الأول.

الاحتمال الثاني: أن يكون الدليل الدال على الوجوب ليس لفظيًا بل بالدلالة العقلية الالتزامية لدليل الوجوب. وهنا توجد صورتان:

الصورة الأولى لهذا الاحتمال الثاني للمسلك الثاني من المبنى الثالث، الصورة الأولى: أن تكون الحرمة متعلقة بنفس عنوان الغصب، فتدخل المسألة في باب اجتماع الأمر والنهي.

الصورة الثانية: أن تكون الحرمة متعلقة بنفس العنوان، فحينئذ يتعين القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي. والفرق بين الصورتين أنه في الصورة الأولى يوجد تعدد في العنوان، عنوان الواجب غير عنوان الحرام. لكن في الصورة الثانية العنوان واحد، عنوان الحرام هو نفس عنوان الواجب، فيمتنع اجتماع الأمر والنهي على عنوان واحد. فكيف نجمع بينهما؟ الجمع بأن نقول إن الوجوب يختص بخصوص الحصة الموصلة، والتحريم يختص بالحصة غير الموصلة.

النتيجة النهائية: لاحظوا، بناءً على هذا المبنى الثالث بمسلكيه، وهذا المسلك الأول والمسلك الثاني فيهما احتمالات وصور، النتائج اختلفت: أحيانًا تعارض، أحيانًا لا يوجد تعارض. إذًا توجد ثمرة أصولية. ولعل هذا هو المراد من الثمرة المنسوبة إلى الوحيد البهبهاني من دخول المقام في مسألة اجتماع الأمر والنهي. فقد ذكر صاحب الكفاية هذا الكلام للوحيد البهبهاني وأشكل عليه بثلاثة إشكالات[2] . فإذا اتضح المراد في نهاية بحثنا هذا المبنى الثالث يتضح أن المسألة لها علاقة بمسألة اجتماع الأمر والنهي، والله العالم.

هذا تمام الكلام في الجهة السادسة.

الجهة السابعة: حكم الشك وجوب المقدمة أو تأسيس الأصل عند الشك في وجوب المقدمة، يأتي عليه الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] . محاضرات في أصول الفقه للسيد محمد إسحاق الفياض، ج2، ص431.
[2] . كفاية الأصول للمحقق الخراساني، ج1، ص139-192.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo