47/11/03
3 ذي القعدة 1447
21 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائتان وخمسة وتسعون): ثمرة وجوب المقدمة
الجهة السادسة: البحث في ثمرة مقدمة الواجب، وقد انتهى الكلام حول ثمرة المقدمة الموصلة. والمقصود بالبحث في الجهة السادسة هو ثمرة أصل البحث لا ما يتفرع عليه، أي ثمرة البحث عن وجود ملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته، لا البحث فيما يتفرع على بحث المقدمية من عناوين كبحث الشرط المتأخر وبحث الواجب التوصلي، فهذان البحثان يُطرحان تحت عنوان وجوب المقدمة. وبحثنا هنا عن ثمرة أصل المقدمة، أي أصل وجود ملازمة بين إيجاب الشيء وإيجاب مقدمته.
والثمرة التي قد تُتصوَّر يمكن افتراضها على نحوين:
النحو الأول: الثمرة في أصل جعل المولى. مثال ذلك: حجية خبر واحد التي قد يثبت وجوب صلاة الجمعة أو وجوب صلاة العيدين أو وجوب قراءة السورة في الصلاة، فهنا خبر الواحد قد أثبت أصل الجعل، أي أصل جعل الوجوب لصلاة الجمعة أو العيدين أو السورة في الصلاة، فخبر زرارة[1] ثمرته إثبات أصل الجعل الكلي.
النحو الثاني: أن يكون أصل الجعل الكلي مفروغًا عنه، وإنما الكلام في إثبات موضوع أو متعلَّق ذلك الجعل الكلي، فهل هذا الجعل ينطبق على هذا المورد أو لا؟ مثال ذلك: لو افترضنا أصل ثبوت حرمة أخذ الأجرة على الواجبات، فيكون هنا أصل الجعل الكلي مسلَّمًا وهو أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الواجبات، وهذا قد ثبت بخبر زرارة مثلًا، فهذا من النحو الأول.
لكن وقع الكلام في أن أخذ الأجرة على قراءة القرآن أو رفع الأذان أو الصلاة الواجبة، هل هو مصداق من مصاديق أخذ الأجرة على الواجبات أو لا؟ فهنا ثمرة في إثبات موضوع أو متعلَّق للحكم الكلي. مثلًا: أريد أن أصلي صلاة الصبح وآخذ أجرة، هذا واضح أنه مصداق لأخذ الأجرة على الواجبات. لكن هل تجوز أخذ الأجرة على رفع الأذان أو قراءة القرآن؟ هذا البحث في التطبيق، ليس البحث في أصل الجعل، أصل جعل الحرمة على أخذ الأجرة على الواجبات، وإنما الكلام في تطبيق من تطبيقاتها، يعني بحث في الصغريات.
إذًا النحو الأول: ثمرة في الكبرى، أصل الجعل. النحو الثاني: ثمرة في الصغرى، هل هذا مصداق من مصاديق أخذ الأجرة على الواجبات فيحرم أو لا؟
إذا اتضح الأمر الأول بالنسبة إلى الكبرى والأمر الثاني بالنسبة إلى الصغرى، نقول: إن بحث الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته لا بد أن تكون هذه الثمرة من النحو الأول، أي جعل الحكم الكلي، لا من النحو الثاني، أي تطبيق جعل الحكم الكلي.
فهل توجد ثمرة لبحث مقدمة الواجب وأصل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته بحيث تكون هذه الثمرة من قبيل النحو الأول، أي جعل الحكم الكلي، ولا تكون من قبيل النحو الثاني، أي تطبيق جعل الحكم الكلي؟
قد يُقال: لا توجد ثمرة لبحث أصل الملازمة؛ لأن الثمرة لا تخلو من أحد أمرين وكلاهما ليس مقبول.
الأمر الأول: أن يُقال: إن ثمرة بحث وجود ملازمة بين وجوب شيء كالصلاة ووجوب مقدمته كالوضوء هي التوصل إلى الوجوب الغيري للوضوء أو نصب السلم للصعود إلى الطابق العلوي، وهذه ثمرة أصولية تدخل في النحو الأول، أي إثبات أصل جعل الوجوب؛ لأنه يُستكشف بالملازمة أصل جعل الوجوب الغيري. وهذا ما يُستفاد من عبارة المحقق الخراساني في كفاية الأصول[2] .
فقد يُقال وفقًا لكلام المحقق الخراساني: أنه توجد ثمرة من النحو الأول، وهي إثبات أصل جعل الوجوب الغيري، أصل جعل الوجوب الغيري للوضوء والغسل والتيمم، وهذا حكم كلي.
لكن اعتُرض عليه بأن الثمرة المتوقعة من المسألة الأصولية وإن كان هو إثبات جعل وحكم كلي من قبل المولى، ولكن ليس كل جعل وحكم هو المطلوب، بل المطلوب خصوص الحكم الذي يكون موضوعًا للثواب والعقاب وقابلًا للتنجيز والتعذير، فهذا هو المهم عند الفقيه، دخول التكليف في الذمة أو خروج التكليف من الذمة. والحال إن الوجوب الغيري للوضوء لا يُقرِّب ولا يُبعِّد، فلا يوجد ثواب عليه بنفسه ولا يوجد عقاب على تركه، فلا شأن للفقيه به.
إذًا لا توجد ثمرة للمسألة الأصولية في مقدمة الواجب؛ لأن «مقدمة الواجب واجبة» وأصل الملازمة إنما تثبت الوجوب الغيري، والوجوب الغيري لا ثواب على فعله ولا عقاب على تركه. فإذًا «مقدمة الواجب واجبة» وإن أثبتت الوجوب، وإن أثبتت أصل الجعل الكلي، لكنها لا تثبت أصل الجعل الكلي الذي يريده الفقيه وهو الجعل الذي يكون منجِّزًا أو معذِّرًا.
إذًا «مقدمة الواجب واجبة» ليس لها ثمرة عملية في علم الأصول؛ لأنها تثبت جعلًا كليًا لا ثواب عليه ولا عقاب على تركه. واضح إن شاء الله.
الأمر الثاني: أن نقول: إن وجوب المقدمة الغيري لا يثبت أصل الجعل الكلي على غرار النحو الأول، بل يثبت تطبيقًا من تطبيقات الجعل الكلي على غرار النحو الثاني. فـ «مقدمة الواجب واجبة» نستخرج منها تطبيقات كما هو الحال في استخراج تطبيقات لحرمة أخذ الأجرة على الواجبات، فبواسطة الملازمة يتم تشخيص ومعرفة أن المجعول بالوجوب الغيري ما هو؟ وهذه ثمرة ليست مختصة بعلم الأصول، بل يمكن أن تُتصوَّر في أي بحث إنساني، فهو يشمل جميع مفردات المعرفة البشرية، فهو أجنبي عن الثمرة الأصولية. ومن هنا يُقال بأنه لا ثمرة لهذا البحث.
مثال ذلك: إذا جاء زيد في الواقع صحّ الإخبار بمجيئه، وإذا لم يجئ زيد في الواقع حرم الإخبار عن مجيئه؛ لأنه من صغريات حرمة الكذب. فهذا أمر بشري وإنساني: زيد وعبيد، إما اليوم جاء للدرس أو ما جاء، توجد ملازمة بين مجيئه وصحة الإخبار عن مجيئه، وتوجد ملازمة بين عدم مجيئه وحرمة الإخبار عن مجيئه. هذه الملازمة لا تختص بالفقه والأصول، هذا أمر عام بشري وإنساني.
وبالتالي لاحظ النتيجة النهائية: إن قلت: إن ثمرة البحث في مقدمة الواجب من النحو الأول، يعني يثبت أصل الجعل، قلنا: إنه ليس بمنجِّز ولا معذِّر ولا ثواب عليه ولا عقاب. وإن قلتَ: إنه من النحو الثاني، أي تطبيق للجعل الكلي، قلنا: هذا التطبيق لا يختص بخصوص علم الأصول، بل يعم جميع المعرفة الإنسانية والبشرية. وبهذا يُقال: لا توجد ثمرة لأصل بحث الملازمة.
الصحيح: وجود ثمرة لبحث الملازمة.
بيان ذلك: يوجد مبنيان:
المبنى الأول: قبول بحث الملازمة، إذا وجب شيء وجبت مقدمته.
المبنى الثاني: رفض الملازمة، لا توجد ملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته.
فإذا التزمنا بالمبنى الأول وهو وجوب الشيء ووجوب مقدمته، فهنا توجد أقوال ومباني ومسالك متعددة. فعلى بعض المباني توجد ثمرة، وعلى مبانٍ أخرى لا توجد ثمرة. وبعبارة علمية: على بعض المباني يحصل تعارض بين الخطابين، وعلى مبانٍ أخرى لا يحصل تعارض بين الخطابين.
وزبدة المخض قبل أن نفصِّل: لا بد أصل الفكرة تكون واضحة؛ لأن التفصيل عميق ودقيق، إذا دخلنا فيه قد يغرق كثيرون. لكن الخلاصة والزبدة هي هذه: أنه عندنا مسالك ومباني متعددة، أصحاب هذه المباني المتعددة لو كانوا يلتزمون بمبنى وجوب المقدمة «إذا وجب شيء وجبت مقدمته»، المبنى الأول مثلًا «ألف»: على مبناه والتزامه بوجوب المقدمة يحصل تعارض. صاحب المبنى الثاني على مبناه والتزامه بوجوب المقدمة ما يحصل تعارض.
وبالتالي سنتطرق إلى مبانٍ متعددة ومسالك مختلفة، وهذه المباني لو قبلوا بالملازمة تكون النتيجة شيء، ولو لم يقبلوا الملازمة تكون النتيجة شيء آخر.
يعني الآن ذكرنا مبنى أصل وجوب المقدمة، ومبنى وجوب خصوص المقدمة الموصلة، ومبنى وجوب مطلق المقدمة موصلة أو غير موصلة، وسنذكر جملة من المباني والمسالك الأصولية.
بناءً على المسلك الأول: إذا التزمنا بوجوب مطلق المقدمة تكون النتيجة شيء. وإذا التزمنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة تكون النتيجة شيئًا آخر. وإذا أنكرنا وجوب المقدمة، لا الموصلة ولا غير الموصلة، تكون النتيجة شيئًا آخر أيضًا.
فهذا يُثبت أن مبنى وجوب المقدمة له ثمرة. لو لم يكن لمبنى وجوب المقدمة ثمرة لما اختلفت النتيجة، نتيجة الأخذ بمسلك من مسالك وجوب المقدمة. إذًا مبنى وجوب المقدمة له ثمرة أصولية سنتطرق إليها بالتفصيل إن شاء الله في الدرس القادم.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.