47/08/26
26 شعبان 1447
15 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائتان وأربعة وتسعون): الوجه الثالث ما نسب إلى الشيخ الأعظم في تقريرات بحثه
فبعد أن ذكر صاحب الكفاية رحمه الله ما يراه من ثمرة في خصوص وجوب المقدمة الموصلة، فتح مناقشة ثالثة مع أستاذه الشيخ الأنصاري، وقد نقلها عن تقريرات الشيخ الأنصاري، وصار بصدد دفعها[1] . ويمكن بيان كلام الآخوند الخراساني، الذي هو مشوش هنا، لكن يمكن توضيحه ببيانين ذكرهما الشهيد الصدر[2] .
البيان الأول: إن نقيض كل شيء هو رفعه، فنقيض الفعل هو رفعه، ونقيض الترك هو رفعه. فالفعل ليس هو النقيض لما هو الواجب، لا على القول بوجوب مطلق المقدمة، ولا على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، فالنقيض هو الرفع. وحينئذ، بناءً على القول بوجوب مطلق المقدمة، يكون الواجب هو مطلق الترك، ويكون نقيضه هو رفع الترك. وأما بناءً على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، يكون الواجب هو ترك الموصل، أي ترك الصلاة الموصل إلى الإنقاذ أو الموصل إلى الإزالة، ويكون نقيض الترك الموصل هو رفع الترك الموصل، لا الفعل.
إذا لاحظ معي جيدًا: بناءً على وجوب المقدمة الموصلة، الواجب، -لأنه صار تزاحم بين وجوب إزالة النجاسة عن المسجد فورًا وبين وجوب الصلاة- يصير الواجب الأهم هو إزالة النجاسة. وهذا الواجب له مقدمة، وهو ترك الصلاة. يعني ترك الصلاة مطلقًا بناءً على وجوب مطلق المقدمة، وترك الصلاة الموصل إلى الإزالة بناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة.
إذاً لاحظ معي جيداً: الواجب هو الإزالة، ونقيض الواجب ليس هو فعل الصلاة، بل الترك.
يلا لاحظ دقق جيداً: الواجب الأهم هو الإزالة، وله مقدمة، وهي ترك الصلاة. إما على القول بوجوب مطلق المقدمة فالواجب ترك الصلاة مطلقًا، وإما بناءً على وجوب المقدمة الموصلة فالواجب هو ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة.
إذًا، بناءً على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، يكون الواجب هو الترك الموصل، يعني ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، ويكون نقيض الترك الموصل هو رفع الترك الموصل، لا الفعل، يعني رفع ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، وليس نفس فعل الصلاة. نعم، قد يُقال: إن فعل الصلاة ملازم لرفع ترك الموصل، يعني فعل الصلاة لما يصلي، هذا ليس هو النقيض، بل هو ملازم للنقيض.
أعيد وأكرر: الواجب الإزالة، له مقدمة، وهو ترك الشيء الموصل إلى الإزالة. ما هو نقيضه؟ نقيضه: رفع الترك. هذا رفع الترك ليس هو الفعل، يلازمه الفعل، يلازمه فعل الصلاة. إذًا الفعل يكون حرام من باب أنه ملازم مع نقيض الواجب، لا أن نفس الفعل هو نقيض الواجب.
فحرمة الفعل، بناءً على القول بوجوب مطلق المقدمة، ليست باعتباره نقيضًا، بل لأنه ملازم للنقيض. وهذا بعينه يتم بناءً على القول الآخر، وهو وجوب المقدمة الموصلة، فيُقال: الواجب هو الترك الموصل، والنقيض المحرم هو رفع الترك الموصل. ورفع الترك الموصل المتعلق بالحرمة له حصتان، لأن الترك الموصل عبارة عن المجموع المركب من الترك والإيصال، فرفعه يعني رفع المجموع، ورفع المجموع إما برفع الجزء الأول، أو برفع الجزء الثاني.
إذًا، هنا حصتان: رفع ذات الترك الذي هو الجزء الأول، ورفع حيثية الإيصال التي هي الجزء الثاني. وكلتاهما تحرم، لأن الحرمة انحلالية. وإحدى هاتين الحصتين ملازمة مع الفعل، وهي حصة رفع الترك الموصل الناشئ من رفع ذات الترك. إذا أصبح الفعل - فعل الصلاة - ملازمًا مع الحرام، فهو حرام.
إذًا مفاد هذا البيان أن الفعل، وهو الصلاة في المثال، يحرم لأنه ملازم الحرام، لا لأنه بنفسه حرام. وبناءً على هذا القول، لا يوجد فارق بين القول بوجوب مطلق المقدمة وبين القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، فلا تتم الثمرة التي ذكرها الآخوند صاحب الكفاية بالنسبة إلى وجود فارق بين القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، وأن هذه الثمرة لا تثبت بناءً على القول بوجوب مطلق المقدمة.
قد يُقال: إن هذا البيان والتقريب لا يرد على صاحب الكفاية، لأنه يُستفاد من كلام صاحب الكفاية[3] أنه بناءً على القول بالمقدمة الموصلة لا يكون الفعل ملازمًا مع النقيض أصلًا، بل الفعل أمر مقارن قد يتفق وقد لا يتفق، فلا ملازمة بين نقيض الواجب والفعل، لإمكان التفكيك بين نقيض الواجب والفعل. هذا بناءً على مبنى وكلام صاحب الكفاية من أنه لا ملازمة بينهما.
لكن كلام صاحب الكفاية لا يرد على ما نُسب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري، إذ أن كلام صاحب الكفاية ناظر إلى جامع النقيض، فهو ناظر إلى الجامع، بخلاف كلام الشيخ الأنصاري، فإنه ناظر إلى الحصة. وبناءً على الحصة، توجد ملازمة بين الفعل والحرام، إذ توجد ملازمة الفعل مع الحرام، ليس بمعنى ملازمة الفعل مع جامع رفع الترك الموصل - لأن الجامع هو مراد الآخوند الخراساني - بل مراد الشيخ الأنصاري هو: توجد ملازمة بين الفعل مع حصة من حصص رفع الترك الموصل الذي هو النقيض.
الخلاصة: هذا البيان الأول يُستفاد منه أن النقيض للشيء هو تركه، وأن الفعل ليس هو النقيض، بل الفعل ملازم للنقيض الذي هو الترك. هذا البيان يرد عليه إشكال، وهو إننا لا نسلِّم بأن لازم الحرام حرام. فإن سلَّمنا بأن لازم الحرام حرام، تمَّ البيان الأول. فإذا أثبتنا الملازمة وقلنا بأن ملازم الحرام حرام، ثبتت الحرمة بناءً على القولين: بناءً على القول بوجوب المقدمة مطلقًا، وبناءً على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة. وإن أنكرنا الملازمة وقلنا إن ملازم الحرام ليس بحرام، ولم تثبت الحرمة للملازم، فحينئذ أيضًا لا تثبت الحرمة بناءً على القولين: بناءً على القول بوجوب مطلق المقدمة، وبناءً على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة.
إذًا، أنت مسبية على أي حال، يعني الثمرة التي ذكرها صاحب الكفاية وذكر قال: هذه الثمرة، إن قلنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة تثبت، وإن قلنا بوجوب مطلق المقدمة لا تثبت. بناءً على البيان الثاني[4] : إن سلَّمنا أن لازم الحرام حرام، ثبتت الحرمة على القولين. وإن أنكرنا حرمة ملازم الحرام وقلنا بأن ملازم الحرام ليس بحرام، لم تثبت الحرمة على كلا القولين. إذًا لا يوجد فارق ولا توجد ثمرة بين القول بوجوب مطلق المقدمة وبين القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة.
إذًا البيان الأول، سواء قلنا بحرمة اللازم أو لم نقل، فإنه ينفي الثمرة التي ذكرها صاحب الكفاية. واضح إلى هنا؟
البيان الثاني لكلام الشيخ الأنصاري: أن يُقال إن نقيض كل شيء هو رفعه، كما تقدم في البيان الأول، ويُدَّعى أنه إذا كان الواجب مطلق المقدمة، فيحرم رفع مطلق الترك، والفعل ليس هو النقيض، بل الفعل هو مصداق النقيض.
ففي البيان الأول ذكرنا أن الفعل ملازم للنقيض، وفي البيان الثاني ننكر أن يكون الفعل ملازمًا للنقيض، بل مصداق النقيض.
يلا لاحظ معي التطبيق: وهذا البيان الثاني هو الأوجه. ما هو الواجب الأهم؟ هو إزالة النجاسة عن المسجد. ما هي مقدمته؟ ترك الصلاة. ترك الصلاة مقدمة إلى ماذا؟ إلى الإزالة. إذًا عندنا واجب وهو الإزالة، وعندنا نقيضها وهو رفع الإزالة، لأن النقيض كل شيء هو ماذا؟ رفعه.
زين، يلا لاحظ معي: الواجب الأهم هو الإزالة، له مقدمة. ما هي مقدمته؟ ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، هذا بناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة. وأما بناءً على وجوب مطلق المقدمة، يكون مقدمة الإزالة الواجبة هو ترك الصلاة مطلقًا، أوصل أو لم يوصل. إلى الآن واضح؟
لاحظ معي المثال: الواجب الأهم الإزالة، له مقدمة، إما ترك مطلق الصلاة، وإما ترك خصوص الصلاة الموصل إلى الإزالة. جيد. هذا الواجب، وهو ترك الصلاة، له نقيض. ما هو نقيضه؟ رفع الترك، إما رفع الترك مطلقًا، وإما رفع الترك خصوص الصلاة الموصلة إلى الإزالة.
إلى هنا واضح؟ هذا رفع الترك، رفع ترك الصلاة، له مصداق ما هو مصداقه؟ الإتيان بنفس الصلاة.
فهنا في البيان الثاني يُدَّعى أن فعل الصلاة مصداق للنقيض، لا أنه ملازم للنقيض. فإذا النقيض حرام، يكون المصداق حرامًا.
أعيد وأكرر: الإزالة واجبة، ومقدمة الواجب واجبة، ومقدمة الإزالة إما ترك الصلاة مطلقًا، وإما ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة. ونقيض هذا الواجب، وهو ترك الصلاة: رفع الترك، رفع ترك الصلاة. ومصداق رفع ترك الصلاة: الإتيان بالصلاة.
فإذا وجب ترك الصلاة، حرم نقيضه وهو رفع ترك الصلاة. ومصداق رفع الترك هو الإتيان بالفعل وبالصلاة.
إذًا بناءً على البيان الثاني، يكون الفعل ليس هو النقيض، الفعل مصداق النقيض.
فالفارق بين البيان الأول والثاني: أن البيان الأول يرى أن الفعل ملازم للنقيض، وأن البيان الثاني يرى أن الفعل مصداق للنقيض. وكل منهما يشترك مع الآخر في أن الفعل ليس هو النقيض، وأن النقيض هو رفع الترك.
إذًا يشترك البيان الأول مع البيان الثاني في أن الفعل ليس هو النقيض. يختلفان في أن البيان الأول يرى أن الفعل ملازم للنقيض، وأن البيان الثاني يرى أن الفعل مصداق للنقيض.
إذاً البيان الأول يدَّعي أن الفعل ملازم للنقيض، بينما البيان الثاني يرى أن الفعل مصداق للنقيض، ولا إشكال في أن الحرمة تسري من المفهوم إلى مصداقه، فيكون فعل الصلاة حرامًا لأنه مصداق للنقيض، وهذا أمر تام وصحيح حتى لو أنكرنا السراية إلى الملازم.
إذًا بناءً على القول بالمقدمة الموصلة، فالوجوب يتعلق بالترك الموصل، والحرام هو نقيضه، أي رفعه. ورفعه له مصداقان: أحدهما الفعل، والثاني هو الترك المجرد، يعني من دون أي فعل. ومن الواضح أن الجامع إذا حرم، حرمت كل مصاديقه، لأن الحرمة انحلالية.
فعلى كلا القولين، الفعل ليس هو النقيض، بل الفعل هو مصداق النقيض.
لكن صاحب الكفاية رحمه الله حاول الإجابة بالتفصيل، فقال: الفعل مصداق للنقيض بناءً على القول بوجوب مطلق المقدمة، لكن الفعل ليس مصداقًا للنقيض بناءً على القول بالمقدمة الموصلة. فأقرَّ بالمصداقية بناءً على وجوب مطلق المقدمة، وأنكر المصداقية وأن الفعل مصداق للنقيض بناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة.
لكن هذا التفصيل ليس بتام. والسر في ذلك: صحة الحمل في كل منهما بلحاظ الحمل الشائع الصناعي، يعني بلحاظ المصداق، بلحاظ المصداق يصح الحمل. فنكتة دعوى المصداقية واحدة في كلا القولين: القول بوجوب مطلق المقدمة، والقول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة.
فالحمل صحيح هنا، فيُقال: هذا الفعل وهو الصلاة رفع للترك، وهذا الفعل أي الصلاة رفع للترك الموصل. فصار هذا الفعل، الصلاة، مصداقًا للرفعين: مصداق لرفع الترك، ومصداق لرفع الترك الموصل. فإذا كانت صحة حمل عنوان على مصداق بالحمل الشائع يدل على المصداقية، فالفعل مصداق على كلا القولين.
إذا صح الحمل، يعني المصداقية متحققة في كلا الحملين. إن لم يكن الحمل صحيحًا أو لم يكن دليلًا، فهو أيضًا لا يكون مصداقًا على كلا القولين.
إذًا، إذا صح الحمل الشائع الصناعي، يعني بلحاظ المصداق، تقول هكذا: هذا الفعل وهو الصلاة مصداق لرفع الترك، ومصداق لرفع الترك الموصل. إذًا هذا الفعل أصبح مصداقًا للحرام بناءً على كلا القولين، يصير مصداقًا.
إذًا البيان الثاني تام. إذا تمَّ البيان الثاني، الثمرة التي ذكرها صاحب الكفاية في وجود ميزة وثمرة بالنسبة إلى القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، وأنها لا تثبت بناءً على القول بوجوب مطلق المقدمة، هذه الثمرة ليست تامة.
إذًا كلام صاحب الكفاية في بيان الثمرة المترتبة على وجوب خصوص المقدمة الموصلة ليس بتام، نظرًا للبيان الثاني من الجواب والوجه الثالث للشيخ الأعظم الأنصاري.
هذا الكلام في الجهة الخامسة.
الجهة السادسة: ثمرة وجوب المقدمة، يأتي عليها الكلام بعد تعطيل شهر رمضان، إن بقينا أحياء. وصلى الله على محمد وآله الأخيار.