« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/07/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (286): الإشكال الرابع على التصوّر الرابع لوجوب المقدّمة الموصلة

الموضوع: الدرس (286): الإشكال الرابع على التصوّر الرابع لوجوب المقدّمة الموصلة

 

[تمهيد الإشكال الرابع]

أن يُقال: إنّ الإرادة لا يمكن أن يُجعَل عليها الوجوب الغيريّ، وإن كانت الإرادة جزءًا من المقدّمة؛ لأنّ خصوص الإرادة فيها نكتة تُميّزها عن باقي المقدّمات، وعن باقي أجزاء المقدّمة.

[بيان نكتة تميّز الإرادة عن سائر المقدّمات]

هذه النكتة هي: أنّ الأمر بذي المقدّمة كالصلاة معناه إيجاد الباعث والمحرِّك نحو الصلاة. فلو حلّلنا الأمر بالصلاة والصوم والحجّ، فهذا يعني أنّه دعوة بالمباشرة نحو إرادة الصلاة، وإرادة الحجّ، وإرادة الصوم؛ لأنّ الأمر بالصلاة والصوم والحجّ والزكاة مرجعه إلى الباعثيّة والتحريك والدفع نحو الصلاة والصوم والحجّ والزكاة والخُمس. ومعنى هذه الباعثيّة والمحرّكيّة هي إيجاد الداعي في نفس المكلَّف نحو الصلاة، وإيجاد الداعي معناه إيجاد الإرادة.

[تحليل معنى الأمر النفسيّ وارتباطه بالإرادة]

فكلّ تكليف نفسيّ بشيء يُحرِّك في الواقع مباشرةً نحو إرادة ذلك الشيء والفعل.

إذًا، الأمر بالصلاة يعني المحرّكيّة والباعثيّة والدفع إلى الصلاة، والمحرّكيّة والبعث نحو الصلاة يعني إرادة الصلاة.

إذًا، الأمر النفسيّ بالصلاة يعني إرادة الصلاة، فخصوص الإرادة التي هي من جملة المقدّمات أو جزء المقدّمة، خصوص هذه الإرادة تُعلَم من الأمر النفسيّ، بخلاف باقي أجزاء المقدّمة، بخلاف الوضوء وغيره من المقدّمات عدا الإرادة. فإنّ الوضوء وغيره يحتاج إلى أمرٍ آخر غير الأمر بالصلاة.

فخلاصة الإشكال الرابع: أنّ الإرادة لا يمكن أن يُجعَل عليها الوجوب الغيريّ، حتى لو كانت مقدّمة؛ لأنّ الإرادة مطلوبةٌ بحكم الأمر النفسيّ، فلا تحتاج إلى الأمر بها بأمر آخر، بخلاف بقيّة المقدّمات عدا الإرادة، فإنّها تحتاج إلى أمر آخر غير الأمر النفسيّ.

وجواب الإشكال الرابع اتّضح ممّا مضى، فإنّ الوجوب الغيريّ ليس وجوبًا مجعولًا بداعي المحرّكيّة والباعثيّة، حتى يُقال: لم يبقَ مجال للمحرّكيّة والباعثيّة، إذ أنّ الإرادة تمّ التحريك نحوها، والبعث نحو الإرادة قد تمّ بنفس الأمر النفسيّ.

بل الإرادة وغيرها من المقدّمات لا توجد لها محرّكيّة مستقلّة ولا باعثيّة مستقلّة، بل إنّ المحرِّك نحو الإرادة وباقي المقدّمات إنّما هو نفس المحرِّك النفسانيّ، يعني نفس الأمر النفسيّ بالصلاة هو الذي يُحرِّك نحو الإرادة وباقي المقدّمات.

[دفع احتمال وجود باعثيّة مستقلّة للأمر الغيريّ]

بل لو التزمنا بأنّ الأمر بالإرادة له محرّكيّة مستقلّة وباعثيّة مستقلّة، فلو التزمنا بأنّ الأمر بالإرادة والمقدّمات مجعولاً بداعي المحرّكيّة والباعثيّة، لأشكل الأمر في المقدّمات أيضًا، ولا ينحصر الإشكال بخصوص مقدّمة الإرادة. لا ينحصر الإشكال بالإرادة، بل يعمّ الإشكال الإرادة وبقيّة المقدّمات؛ لأنّ الأمر النفسيّ بالفعل، وإن لم يكن محرِّكًا نحو المقدّمات مباشرةً، لكنّ الأمر النفسيّ بالصلاة والحجّ محرِّكٌ نحو المقدّمات تسبيبًا، فالحجّ سبب لوجوب السفر، والصلاة سبب لوجوب الوضوء، والوجوب الغيريّ لا يوجد له أيّ تحريك جديد، وليس له تأكيد للمحرّكيّة السابقة. إذًا الإشكال الرابع ليس بتامّ.

[مقدمة للإشكال الخامس]

الإشكال الخامس والأخير على التصوّر الرابع وسيتّضح أنّه ليس بتامّ، فتكون النتيجة إنّ التصوّر الرابع لوجوب خصوص المقدّمة الموصِلة تامّ لا غبار عليه.

ومفاد الإشكال الخامس: أنّ إيجاب الإرادة معناه إيجاد المحرِّك نحو الإرادة، وإيجاد المحرِّك نحو الإرادة معناه إيجاد الإرادة للإرادة.

فكما أنّ الوجوب النفسيّ المتعلِّق بأصل الصلاة يقتضي إرادة الصلاة، كذلك الوجوب الغيريّ المتعلِّق بإرادة الصلاة يقتضي إرادة إرادة الصلاة، مع أنّ إرادة إرادة الصلاة ليس لها أيّ مقدّميّة نحو الصلاة. فليس كلّ من يُصلّي يُريد، أي يُريد ثمّ يُريد ثمّ يُصلّي، بل أكثر المصلّين عادةً يُريدون الصلاة ابتداءً، لا أنّهم يُريدون إرادة الصلاة.

[دفع الإشكال الخامس بمبنى عدم محرّكيّة الوجوب الغيريّ]

وهذا الكلام وهذا الإشكال بغضّ النظر عن المناقشة السابقة التي تمّ الحديث عنها، من أنّ الوجوب الغيريّ ليست له محرّكيّة، وأنت تقول: إرادة إرادة، الإرادة هذا بديل الباعثيّة والمحرّكيّة، والوجوب الغيريّ لا محرّكيّة له، فلا يتمّ كلام إرادة إرادة الصلاة.

فهذه المناقشة القديمة، وهي أنّ الوجوب الغيريّ ليست له محرّكيّة، وإنّما هو وجوب قهريّ، فلا يرد هذا الإشكال الخامس.

[تعميم الجواب على سائر المقدّمات]

فهذا الكلام بنفسه يجري في سائر المقدّمات، يجري في الإرادة وفي غير الإرادة. فإنّ الأمر بنصب السلّم معناه إيجاد إرادة نصب السلّم، مع أنّه كثيرًا ما يتحقّق نصب السلّم من دون إرادة.

إذًا الإشكال الخامس ليس بتامّ، للمناقشة السابقة من أنّ الوجوب الغيريّ تبعيّ وقهريّ للوجوب النفسيّ، وليس للوجوب الغيريّ محرّكيّة وإرادة مستقلّة.

[حلّ بديل للإشكال الخامس: الفرق بين التحصيل والحصول]

لكن يمكن حلّ الإشكال وحلّ المطلب بالنسبة إلى الإشكال الخامس، فيُقال: إنّ إرادة الإرادة أو إرادة نصب السلّم إرادة للتحصيل الشرعيّ، لا الحصول التكوينيّ، فإرادة الإرادة مقدّمة للتحصيل، لا للحصول، فقد يتّفق أنّ المقصود يوجد صدفة بلا إرادة، فحصول الواجب النفسيّ لا يتوقّف على إرادته فضلًا عن إرادة إرادته.

[أمثلة توضيحيّة على الفرق بين التحصيل والحصول]

مثلًا: هو عليه جنابة ويُريد يصلّي، وجاء واحد ورماه ورمسه في الماء، وعند تقارن دخوله للماء والارتماس نوى الغسل، فهنا لم يرد الغسل، وحصل الغسل قهرًا.

ففرقٌ بين التحصيل وبين الحصول: التحصيل أمر تشريعيّ بتحصيل الغرض والمطلوب، والحصول تحقُّق الشيء خارجًا وتكوينًا.

[توضيح الفرق من خلال مثال الصعود على السطح]

مثال ذلك: لو أراد الصعود على السطح ونصب السلّم، وأمره المولى بنصب السلّم، فهنا أراد الصعود بنصب السلّم، هنا توجد إرادة، يعني تحصيل الصعود، تحصيل الصعود بالأمر التشريعيّ من المولى. وحينما صعد على السطح تمّ الحصول، يعني حصل الصعود.

وأحيانًا يا أخي يا أخي لم يقصد الصعود على السطح، فجاء بطلٌ وأمسك به ورماه على السطح، أو جاءت رياح عاتية أو فيضان وألقى به على السطح، فهنا قد تحقّق التواجد على السطح، يعني الحصول قد تحقّق تكوينًا، وإن لم يتحقّق التحصيل.

[بيان أثر الفرق في مقام التشريع]

التحصيل مسؤوليّة المولى، المولى المشرع لا يقول: أنا أنتظر لعلّه صدفةً يصعد على السطح، لعلّه صدفةً يُصلّي، لعلّه صدفةً يتوضّأ ويُصلّي. المشرِّع لا يكتفي بالحصول والصدفة، بل يأمر بالتحصيل.

إذًا لاحظ حلّ المشكلة: إنّ إرادة الإرادة مقدّمة للتحصيل الشرعيّ القانونيّ، وليست إرادة الإرادة مقدّمة للحصول التكوينيّ.

[تأكيد الفرق بين التحصيل الشرعيّ والحصول التكوينيّ]

فإنّ تحقُّق الشيء تكوينًا يخضع لعالم الأسباب والمسبّبات، ولا دخل للإرادة فيه فضلًا عن إرادة الإرادة.

إذًا قد يتّفق أنّ المقصود يوجد صدفةً بلا إرادة، فحصول الواجب النفسيّ لا يتوقّف على إرادته فضلًا عن إرادة إرادته، هذا حصول الواجب النفسيّ.

لكن تحصيل الواجب النفسيّ يتوقّف على إرادته، فتحصيل الواجب النفسيّ من قِبَل المولى يكون طريقه منحصرًا بقدح الإرادة في نفس العبد عن طريق الأمر، لا أن يجلس المولى في بيته ويقول: لعلّه يتحقّق نصب السلّم صدفةً، فهذا كأنّه خلط بين التحصيل الذي يكون بالإرادة التشريعيّة للمولى، وبين الحصول الذي يكون بالإرادة التكوينيّة، وانتظار الصدفة خلف التحصيل، فلو لم يُكلِّف المولى العبد بإرادة شيءٍ، فهذا يعني أنّه لم يُحصِّل ذلك الشيء.

إذًا، الإرادة شرط في التحصيل التشريعيّ، وليست شرطًا في الحصول والتحقُّق التكوينيّ.

[النتيجة النهائيّة]

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه أنّ الحقّ هو كون الوجوب مخصوصًا بخصوص المقدّمة الموصِلة، وقد أقمنا البرهان على وجوب خصوص المقدّمة الموصِلة، وصوّرنا وجوب المقدّمة الموصلة بعدّة تصويرات، واتّضح أنّ التصوّر الصحيح هو خصوص التصوّر الرابع.

[النتائج التفصيليّة للمقامين]

ففي المقام الثاني أثبتنا أنّ التصوّر الرابع هو التصوّر الصحيح، فهو يُثبت وجوب خصوص المقدّمة الموصِلة.

وأمّا في المقام الأوّل فقد تعرّضنا إلى عدّة إشكالات على وجوب خصوص المقدّمة الموصِلة، واتّضح أنّ هذه الإشكالات الستة ـ الخامس والسادس لصاحب الكفاية ـ ليست تامّة.

إذًا المقتضي موجود والمانع مفقود: المقتضي هو خصوص التصوّر الرابع من المقام الثاني، والمانع مفقود، إذ ذُكرت ستّة موانع وستّة إشكالات في المقام الأوّل، ودفعناها بأجمعها، واتّضح أنّها ليست تامّة.

[خاتمة الدرس وتقييم مبنى صاحب الفصول]

إذًا ما ذهب إليه صاحب الفصول، الشيخ محمّد حسين بن رحيم الأصفهاني الغرويّ في كتابه الفصول الغرويّة، تامّ لا غبار عليه، ففي بحث مقدّمة الواجب لا يجب مطلق المقدّمة حتّى لو لم توصل إلى ذي المقدّمة، إنّما يجب خصوص المقدّمة الموصِلة واقعًا، فالواجب هو واقع المقدّمة الموصِلة.

لكن هل استدلّ صاحب الفصول على دعواه بمثل هذا التصوّر؟

فمبنى صاحب الفصول ودعواه صحيحٌ، لكنّ الأدلّة التي جاء بها قابلة للمناقشة.

وقد نقل عن صاحب الفصول عدّة وجوه لإثبات القول بوجوب خصوص المقدّمة الموصِلة، لكنّ هذه الوجوه قابلة للمناقشة، وبطلان الوجوه التي جاء بها صاحب الفصول لا يعني بطلان مبناه.

النتيجة النهائيّة: مبنى صاحب الفصول تامّ، فنلتزم بوجوب خصوص المقدّمة الموصِلة، لكنّ الأدلّة التي جاء بها قابلة للمناقشة.

أدلّة صاحب الفصول على وجوب خصوص المقدّمة الموصِلة يأتي عليها الكلام.

 

logo