47/06/22
الدرس (مائتان واثنان وثمانون): البرهان الصحيح على المقدّمة الموصلة
الموضوع: الدرس (مائتان واثنان وثمانون): البرهان الصحيح على المقدّمة الموصلة
[تمهيد المقام الثاني: إقامة البرهان الصحيح]
المقام الثاني: إقامة البرهان الصحيح على المقدّمة الموصلة، وقد اتّضح هذا البرهان بما ذكرناه أخيرًا في إبطال الإيراد السادس لصاحب الكفاية رحمه الله. فقد ذكرنا وجوه البرهنة على بطلان المقدّمة الموصلة، فهذه الإيرادات الستّة إنّما هي براهين قد ذُكرت لإبطال وجوب خصوص المقدّمة الموصلة، فكان مفادها إنّ ملاك الوجوب لا يختصّ بخصوص المقدّمة الموصلة، بل هو مطلق.
وناقشنا هذه الإيرادات والبراهين الستّة، واتّضح من خلال مناقشة الإيراد السادس أنّ الغرض الحقيقي من الواجب الغيري إنّما هو وجود الواجب النفسي، وإلّا لزم الخُلف أو التسلسل على التفصيل المتقدّم.
وما ذكرناه في مناقشة الإيراد السادس في الحقيقة ليس دفعًا فقط للإيراد السادس، بل هو برهان على إيجاب خصوص المقدّمة الموصلة. فالواجب الغيري ليس هو مطلق المقدّمة، بل هو خصوص المقدّمة الموصلة.
[سرّ البرهان الصحيح على اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة]
والسرّ في ذلك: إنّ الغرض من الواجب الغيري إن كان هو وجود الواجب النفسي أو ما ينتهي إلى وجود الواجب النفسي، فهذا ضيقٌ لا يترتّب على مطلق المقدّمة، بل يترتّب على خصوص المقدّمة الموصلة.
وبعد أن اتّضح أنّ ملاك الواجب الغيري هو إيجاد الواجب النفسي، أي توقّف الواجب النفسي على الواجب الغيري، وبالتالي يتّضح أنّ الواجب النفسي وذو المقدّمة يتوقّف على خصوص المقدّمة الموصلة إلى ذي المقدّمة، لا مطلق المقدّمة.
[البحث التصوّري: صياغة مفهوم المقدّمة الموصلة]
لكن لا بدّ من صياغة صيغة معقولة للمقدّمة الموصلة، فماذا يُؤخذ في الواجب الغيري حتّى تصير المقدّمة موصلة؟ وهذا بحث تصوّري لما تمّ عليه البرهان، وقد ذكرت عدة تصورات لتصور اختصاص الوجوب الغيري بخصوص المقدّمة الموصلة. أصحّها وأتمّها هو خصوص التصوّر الرابع.
ولنذكر تصوّرات وجوب خصوص المقدّمة الموصلة تباعًا كما يلي:
[التصوّر الأوّل: التقييد بما يترتّب عليه الواجب النفسي (قيد الترتّب)]
التصوّر الأوّل: أن يتقيّد الواجب الغيري بما يترتّب عليه الواجب النفسي، فتُقيّد المقدّمة بما يترتّب عليه ذو المقدّمة فيلحظ قيد الترتّب.
وهذا التصوير وهذه الصياغة هي التي لحظت في نظر الأعلام، وأشكلوا عليها بإشكال الدور والتسلسل. فقالوا: الواجب النفسي كالصلاة يترتّب على الوضوء الذي هو واجب غيري، وهذا الوضوء لا يُراد به مطلق الوضوء، بل خصوص الوضوء الموصل إلى الصلاة. إذًا هذا الوضوء أيضًا يترتّب على الصلاة، صارت الصلاة تترتّب على الصلاة. هذا كان إشكال الدور.
وردّ بأنّ الواجب الغيري ليس هو مطلق المقدّمة، بل الواجب الغيري هو خصوص مقدّمة الواجب النفسي، فيُقال هكذا: الصلاة واجب نفسي، والوضوء الموصل واجب غيري لتوقّف الواجب النفسي عليه وهو الصلاة، لكن توقّف الوضوء الموصل على الصلاة لا يُثبت الوجوب الغيري للصلاة حتّى تقول: اجتمع وجوبان ومثلان على الصلاة، وجوب نفسي ووجوب غيري.
لأنّ الصلاة وإن كانت مقدّمة للوضوء الموصل، لكن الصلاة مقدّمة للواجب الغيري الذي هو الوضوء الموصل، ومقدّمة الواجب الغيري لا يصدق عليها أنّها واجب غيري، إذ أنّ الواجب الغيري إنّما يكون مقدّمة للواجب النفسي، هذا الكلام كلّه تقدّم.
[جواب الدور وتحرير محلّ الإشكال]
إذًا، بناءً على الصيغة الأولى الترتّب صارت الصلاة تترتّب على الوضوء الموصل، والوضوء الموصل يترتّب على الصلاة، فيلزم إشكال الدور.
ثمّ أجبنا بأنّ الواجب الغيري ليس هو مطلق المقدّمة المتوقّف عليها، بل خصوص المقدّمة التي يتوقّف عليها الواجب النفسي، فالواجب النفسي يصدق على الصلاة التي هي واجب نفسي، وما يصدق على الصلاة أنّها واجب غيري لتوقّف الوضوء الموصل عليها ولترتّب الوضوء الموصل عليها، لأنّ الواجب الغيري هو الذي يتوقّف عليه الواجب النفسي، وأمّا توقّف الواجب الغيري على مقدّمة لا يُصيّر هذه المقدّمة واجبًا غيريًّا.
[المناقشة النهائية للتصوّر الأوّل]
إذًا، هذا التصوير الأوّل، تقييد الواجب الغيري بما يترتّب عليه الواجب النفسي، هذا تصوير غير صحيح، لا لإشكال الدور والتسلسل إذ أجبنا عليهما، بل لنكتة أخرى: وهي أنّ ملاك الوجوب الغيري هو المقدّميّة، لكن ليس مطلق المقدّميّة، بل ملاك الوجوب الغيري هو مقدّميّة خصوص الواجب النفسي.
فما لا يقع في طريق الواجب النفسي ليس واجبًا غيريًّا، ولا معنى لانبساط الوجوب الغيري عليه.
وهنا نقول: إنّ قيد الترتّب أمر منتزعٌ عن وجود الواجب النفسي، فقيد الترتّب ليس واقعاً في طريق تحقّق الواجب النفسي، وبالتالي أخذ قيد الترتّب في الواجب الغيري معناه انبساط الوجوب الغيري على قيد الترتّب، وهذا غير معقول.
فإنّ الوجوب الغيري يعني الوجوب لأجل الغير، أي أنّ الوجوب الغيري هو عبارة عن خصوص الوجوب لأجل الواجب النفسي، فكيف ينبسط على ما لا يتوقّف عليه الغير؟
[الخلاصة في التصوّر الأوّل]
الخلاصة والزبدة: ليس كلّ مقدّمة هي واجب غيري، الواجب الغيري هو خصوص ما يحقّق الواجب النفسي، يعني خصوص الوضوء الذي يوصل إلى الصلاة ويحقّق الصلاة، هذا الوضوء الموصل يُقال له واجب غيري. لكن إذا جئت بشيء لا يوصل إلى الصلاة فهذا لا ينطبق عليه ملاك الواجب الغيري.
ولنطبّق هذه الكبرى الكلّيّة على الصيغة الأولى الجزئيّة، فيُقال: الواجب الغيري ما يترتّب عليه الصلاة. نقول: عنوان الترتّب هذا قيدٌ انتزاعي، يعني رأينا وضوء، وترتّب عليه الصلاة، فالترتّب ليس هو الموجِد للصلاة، الترتّب مفهوم ذهني انتزعه العقل والذهن من تحقّق الصلاة بعد الوضوء.
إذًا هذا القيد، الترتّب، لم يحقّق الصلاة ولم يوجد الصلاة، فلا ينطبق عليه ضابط وملاك الواجب الغيري، لأنّ الواجب الغيري ليس مطلق المقدّمة، بل خصوص المقدّمة الموجِدة للواجب النفسي.
إذًا الصيغة الأولى، صيغة الترتّب، ما تترتّب عليه الصلاة، ما يترتّب عليه الواجب النفسي، هذه الصيغة قيد الترتّب ليست صحيحة، لا لإشكال الدور والتسلسل فقد أجبنا عنهما في الإيرادات الستّة الماضية، بل لعدم انطباق ملاك الوجوب الغيري الذي ذكرناه ونقّحناه في جواب الإيراد السادس.
هذا تمام الكلام في إبطال التصوّر الأوّل.
[التصوّر الثاني: التقييد بعنوان التوصّل إلى الواجب النفسي]
التصوّر الثاني: أن يُقال إنّ المأخوذ في الواجب الغيري ليس هو عنوان ترتّب الواجب النفسي كما في التصوّر الأوّل، بل التصوّر الثاني يرى أنّ المأخوذ في الواجب الغيري هو التوصّل إلى الواجب النفسي.
إذًا عندنا عنوانان: عنوان بديل وعنوان مُبدَل. العنوان البديل في التصوّر الثاني هو التوصّل إلى الصلاة، التوصّل إلى الواجب النفسي. والعنوان المُبدَل هو التصوّر الأوّل، الترتّب، ترتّب الصلاة عليه. فنبدل قيد ما تترتّب عليه الصلاة، بقيد الموصل إلى الصلاة، والتوصّل إلى الصلاة.
[بيان الفرق بين الترتّب والتوصّل]
بيان ذلك: حينما يتحقّق ذو المقدّمة كالصلاة والحجّ، يتحقّق عندنا عنوانان منتزعان:
العنوان الأوّل: ترتّب الصلاة على الوضوء وترتّب الحجّ على السفر. هذا العنوان المُبدَل، عنوان ترتّب الواجب النفسي على المقدّمة، وهذا العنوان في طول وجود ذي المقدّمة، ففي طول وجود الحجّ يحصل عنوان ترتّب الحجّ على السفر، وفي طول وفرع وجود الصلاة يتحقّق عنوان ترتّب الصلاة على الوضوء. هذا العنوان الأوّل.
العنوان الثاني: التوصّل إلى الصلاة، وهو عنوان ينتزع من الوضوء في عرض ترتّب الصلاة. يعني: يا أخي! يا حبيبي! إما تبدأ من المقدّمة أو من ذي المقدّمة؟ إذا بدأت من المقدّمة، الوضوء والسفر، يصير عنوان التوصّل: الوضوء الموصل للصلاة، السفر الموصل للحجّ، هذا إن بدأت من المقدّمة. وإن بدأت من ذي المقدّمة صار عنوان الترتّب، تقول: الصلاة يترتّب عليها وجود الوضوء، الحجّ يترتّب عليه وجود السفر.
إذًا إن بدأت بالمقدّمة جاء عنوان التوصّل، إن بدأت بذي المقدّمة جاء عنوان الترتّب.
[التحليل الفلسفي لعلاقة المقدّمة بذيها]
وهنا أبدلنا عنوان الترتّب الموجود في التصوّر الأوّل إذا بدأنا بذي المقدّمة، أبدلناه بعنوان التوصّل حينما نبدأ بالمقدّمة وبالوضوء. إلى هنا واضح؟.
هذه المقدّمة، هذا الوضوء، هذا السفر له معلولان: معلولٌ خارجي ومعلولٌ انتزاعي. المعلول الخارجي للسفر تحقّق الحجّ، والمعلول الخارجي للوضوء تحقّق الصلاة. والمعلول الانتزاعي للوضوء هو التوصّل إلى الصلاة، والمعلول الانتزاعي للسفر هو التوصّل إلى الحجّ.
إذًا المقدّمة كالوضوء أو السفر لها معلولان: معلولٌ خارجي وهو الصلاة، ومعلولٌ انتزاعي وهو التوصّل إلى الصلاة والموصليّة والعليّة ونحو ذلك من العناوين التي تُنتزع من الوضوء وتكون في عرض الصلاة.
[بيان وجه التقييد في التصوّر الثاني]
فالمقدّمة تَقيّدٌ في هذا التصوير بهذا العنوان الذي هو في عرض ترتّب الصلاة، بدلًا عن تقييد المقدّمة بترتّب الصلاة. وهذا هو التبديل الذي صنعه المحقّق الأصفهاني في "نهاية الدراية" في تفسير المقدّمة الموصلة لكي يدفع إشكالات الدور والتسلسل[1] .
إلى هنا وضّحنا: عندنا عنوان مُبدَل وهو الترتّب في التصوّر الأوّل، وعندنا عنوان بدل وبديل وهو عنوان التوصّل. واتّضح أنّ التوصّل ليس أمرًا خارجيًّا وليس معلولًا خارجيًّا، بل هو معلول انتزاعي من الوضوء وفي عرض الصلاة، يعني ملازم للصلاة.
يعني إذا توضّأ وصلّى ننتزع قيد التوصّل، وأنّ هذا الوضوء أوصل إلى الصلاة، وهكذا لو سافر وحجّ فإنّ هذا الحجّ الخارجي في عرضه عنوان منتزَع وهو تحقّق التوصّل، هذا السفر أوصل إلى الحجّ. إلى هنا واضح؟.
[مناقشة التصوّر الثاني: عدم انطباق ملاك الوجوب الغيري على قيد التوصّل]
ويُناقَش التصوّر الثاني أنّ هذا العنوان وهو عنوان التوصّل، قيد التوصّل، لا ينطبق عليه ملاك الواجب الغيري، إذ أنّ ملاك الواجب الغيري هو خصوص المقدّمة التي أوجدت الواجب النفسي، وقيد التوصّل مفهوم انتزاعي ليس موجِدًا للصلاة.
فتقييد المقدّمة، الوضوء، بقيد الانتزاعي وهو التوصّل، ليس واقعًا في طريق تحقيق الصلاة، غاية ما يُفرَض أنّ قيد التوصّل ملازم للصلاة وفي عرض الصلاة، فلا ينبسط الوجوب الغيري على قيد التوصّل بهذا المعنى لو تعقّلناه، فلا يُعقَل انبساط الوجوب الغيري على قيد التوصّل.
[النتيجة في التصوّر الثاني]
إذًا أنتما سيان البدل وهو التوصّل إلى الصلاة، والمُبدَل وهو الترتّب، ترتّب الصلاة عليه، إذ أن الضابطة لا تنطبق عليهما، أي ضابطة الوجوب الغيري.
ملاك الوجوب الغيري هو ما أوصل وما حقّق الواجب النفسي، وقيد الترتّب في الصيغة الأولى لا يحقّق الواجب النفسي ولا يحقّق الصلاة والحجّ، وقيد التوصّل في التصوّر الثاني لا يحقّق الصلاة ولا يحقّق الحجّ.
نعم، قيد التوصّل ملازم لوجود الصلاة خارجًا ولوجود الحجّ خارجًا، ومن قال إنّ ضابطة الواجب الغيري تنطبق على الملازم للواجب النفسي؟ هذا غير صحيح، لو التزمنا بذلك لزم ترشّح الوجوب الغيري على كلّ ما يلازم الواجب النفسي، مع أنّه لا يترشّح الوجوب الغيري إلّا على خصوص ما كان في طريق الواجب النفسي فقط وفقط، ولا يشمل الملازم للواجب النفسي.
[الخلاصة النهائية للتصوّر الثاني]
نختصر: [سؤال:] ما هو الملاك والضابط في انبساط الوجوب الغيري على المقدّمة؟
الجواب: المقدّمة التي تكون في طريق الواجب النفسي، يعني تحقّق الواجب النفسي.
قيد الترتّب ليس محقّقًا للواجب النفسي. قيد التوصّل ليس محقّقًا للواجب النفسي. نعم، قيد التوصّل ملازم لتحقق الواجب النفسي، وضابط الوجوب الغيري لا يصدق على ملازم الواجب النفسي، بل ينطبق على خصوص ما كان في طريق الواجب النفسي. هذا تمام الكلام في التصوّر الثاني.
التصوّر الثالث: الحصّة التوأم للمحقّق العراقي.
يأتي عليها الكلام.