« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/06/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائتان وثمانون): الجواب الحلّيّ على إشكال صاحب الكفاية الذي ناقش به صاحب الفصول

الموضوع: الدرس (مائتان وثمانون): الجواب الحلّيّ على إشكال صاحب الكفاية الذي ناقش به صاحب الفصول

 

[تمهيد الدرس: موقع الإشكال وموضوعه]

إشكال صاحب الكفاية يمثّل الإيراد الخامس على وجوب المقدّمة الموصلة التي ذهب إليها صاحب الفصول رحمه الله.

[تقرير الإشكال إجمالًا]

مفاد الإشكال: لو أتى المكلّف بالمقدّمة كالوضوء ولم يأتِ بذي المقدّمة كالصلاة، فهل يسقط الوجوب الغيري بالمقدّمة أو لا؟ أمران لا ثالث لهما.

الفرض الأوّل: أن يسقط الأمر الغيري بالمقدّمة.

الفرض الثاني: أن لا يسقط الأمر الغيري بالمقدّمة.

[وجه الإلزام عند القول بعدم السقوط]

فإن قلنا بعدم سقوط الأمر الغيري لزم تحصيل الحاصل، إذ أنّه جاء بالمقدّمة فكيف يبقى الأمر الغيري بالمقدّمة؟ هذا تحصيل للحاصل.

وإن قلنا بالفرض الأوّل وهو سقوط الأمر الغيري نسأل: ما الذي أوجب سقوط الأمر الغيري؟

توجد أربعة أسباب:

السبب الأوّل: الامتثال.

السبب الثاني: العصيان.

السبب الثالث: تغيّر الموضوع.

السبب الرابع: نفترض تحقّق الغرض في فرد معيّن إمّا محرَّم أو غير مقدور.

والاحتمالات الثلاثة الأخيرة غير موجودة، فلا يوجد عصيان ولا يوجد تغيّر للموضوع ولا ينحصر الغرض في خصوص فرد محرَّم أو غير مقدور، فيتعيّن أنّ الأمر قد سقط بالامتثال.

وهذا يُثبت أنّ الواجب هو مطلق المقدّمة وليس خصوص المقدّمة الموصلة إلى ذي المقدّمة، فتكون النتيجة: إنّ الواجب هو مطلق الوضوء وليس خصوص الوضوء الذي أوصل إلى الصلاة، لأنّنا التزمنا في هذا الإيراد الخامس بأنّه إذا توضّأ فإنّ الأمر الغيري بالوضوء قد سقط، والذي أوجب سقوطه هو الامتثال. إذاً الواجب الغيري هو مطلق المقدّمة وليس خصوص المقدّمة الموصلة. هذا مفاد الإيراد الخامس وهو لصاحب الكفاية رحمه الله.

[موقف الجواب: اختيار الفرض الثاني (عدم السقوط)]

والجواب: إنّنا نختار الفرض الثاني أي عدم السقوط، ولا نختار السقوط حتّى يُقال: إنّ الأمر الغيري قد سقط بالامتثال، بل نختار أنّ الأمر الغيري لا يسقط بالإتيان بالوضوء والمقدّمة من دون الوصول إلى ذي المقدّمة، ولا يلزم تحصيل الحاصل.

[تقسيم الجواب إلى نوعين: نقضيّ وحلّيّ]

ويُجاب على إشكال تحصيل الحاصل بجوابٍ نقضي وبجواب حِلّي.

الجواب النقضي: تمّ الحديث عنه في الدرس السابق، إمّا جواب نقضي خاصّ بمباني صاحب الكفاية كالنقض عليه في مبحث الإجزاء والنقض عليه في مبحث التعبّدي والتوصّلي، وإمّا نقضٌ عامّ يشمل مبنى صاحب الكفاية ومباني الأعلام وهو النقض بالأوامر الضمنية.

اليوم إن شاء الله نتحدّث عن الجواب الحِلّي، أي نحلّ الإيراد والإشكال الذي طرحه صاحب الكفاية إذ قال: لو قلنا بعدم سقوط الأمر الغيري لَزِم تحصيل الحاصل.

والجواب الحِلّي يقول: لا يوجد تحصيلٌ للحاصل. وإذا حللنا مشكلة تحصيل الحاصل في المقام فإنّ الجواب المختار يصلح أيضاً في مورد النقض العامّ أي الأوامر الضمنية.

الجواب الحِلّي يوجد جوابان:

الجواب الأوّل: بدويّ.

الجواب الثاني: تحقيقي تدقيقي.

الجواب الحِلّي الأوّل البدويّ: أن يُقال: إنّ الأمر لم يتعلّق بالتكبيرة ذاتها، بل الأمر تعلّق بالتكبيرة المقيّدة بانضمام باقي أجزاء الصلاة، أي أنّ المطلوب ليس تكبيرة الإحرام لوحدها بل التكبيرة المقيّدة بانضمام الركوع والسجود والقيام والذِّكر والتسبيح وغير ذلك من أجزاء الصلاة، فمتعلّق الأمر لم يحصل حينما جاء بالتكبيرة فقط وقطع الصلاة.

وما حصل من المكلّف الذي صلّى وحينما وصل إلى الركوع قطع صلاته، ما حصل منه أنّه جاء بالتكبيرة فقط، والتكبيرة فقط ليست متعلّقاً للأمر بالصلاة.

وهكذا نقول في مورد بحثنا: إنّ الواجب الغيري قد تعلّق بمتعلّقٍ وهو المقدّمة زائد الموصلة إلى الصلاة، فلو جاء بالمقدّمة ولم توصل إلى الصلاة فهو لم يأتِ بمتعلّق الأمر.

فمن توضّأ لكن لم يُصلِّ، هنا جاء بالوضوء لكنّه لم يجئ بمتعلّق الأمر الغيري، إذ أنّ الأمر الغيري تعلّق بخصوص الوضوء المقيّد بإيصاله إلى الصلاة. إذاً من توضّأ من دون صلاة، هنا متعلّق الأمر لم يحصل، وما حصل إنّما هو الوضوء ولم يأتِ بمتعلّق الأمر الغيري.

إذاً، المقدّمة ليست هي ذات الوضوء فقط، بل الأمر قد تعلّق بالوضوء المقيّد بترتّب الصلاة عليه، أو فَقُل: الأمر الغيري تعلّق بمجموع المقدّمات الموصلة إلى ذي المقدّمة.

خلاصة: ذات الوضوء ليس متعلّقاً للأمر، وما هو متعلّق للأمر وهو الوضوء الموصل لم يحصل بعد، فلا يلزم تحصيل الحاصل.

أُعيد وأُكرّر الجواب الحِلّي البدويّ بشكل مختصر:

إشكال صاحب الكفاية: هو لزوم تحصيل الحاصل.

والجواب: من توضّأ ولم يُصلِّ يبقى عليه الأمر الغيري بالوضوء فعليّاً ولا يلزم تحصيل الحاصل، لأنّ ما جاء به هو الوضوء وليس متعلّق الواجب الغيري، ومتعلّق الواجب الغيري هو ليس مطلق الوضوء بل خصوص الوضوء المقيّد بالإيصال إلى الصلاة، فما جاء به ليس متعلّق الأمر الغيري، وما أُمِر به ليس هو الذي جاء به، فلا يلزم تحصيل الحاصل. إن شاء الله واضح الجواب.

[نقد الجواب الحِلّيّ البدويّ: لزوم التسلسل]

هذا الجواب بحسب ظاهره قد يبدو صحيحاً وقد يُرى سليماً في بادئ الأمر، لكنّه لا يثبت أمام التحليل والتدقيق العقلي، فإنّ الأمر الضمني بالتكبير المقيّد بانضمام غير التكبير من أجزاء الصلاة ينحلّ إلى أمرين:

الأوّل: أمر ضمني بذات التكبير.

الثاني: أمر ضمني بتقيّد التكبير بانضمام سائر أجزاء الصلاة.

فينقل الكلام إلى الأمر بذات التكبير، والأمر بذات التكبير ليس متعلّقاً بالمقيّد أي التكبير المقيّد، وإلّا لو قلنا إنّ الأمر بالتكبير هو الأمر بالتكبير المقيّد بانضمام سائر أجزاء الصلاة، يأتي تحليل هذه المفردة مجدّداً، الأمر بالتكبير منضمّاً إلى ضمّ الركوع والسجود ينحلّ إلى أمرين:

الأمر الأوّل: الأمر بذات التكبير.

الأمر الثاني: أمر ضمني بتقييد التكبير بغيره من الركوع والسجود.

وبالتالي يلزم التسلسل إلى ما لا نهاية، فلا بدّ من الانتهاء إلى أمر بذات التكبير فقط من دون ضمّ تقييد ذلك التكبير بقيدٍ آخر.

أُعيد وأُكرّر إشكال لزوم التسلسل على ما أفيد في الجواب الحِلّي البدويّ:

الجواب الحِلّي ماذا قال؟ قال: ما أتى به ليس هو المأمور به، ما أتى به ذات الوضوء، والمأمور به الوضوء المقيّد بالإيصال إلى الصلاة. وهكذا بالنسبة إلى تكبيرة الإحرام: ما جاء به تكبيرة الإحرام فقط، والمأمور به تكبيرة الإحرام المقيّدة بغيرها.

فيكون الجواب هكذا: أنّ ما جاء به وهو تكبيرة الإحرام فقط ليس هو المطلوب ليس هو الواجب الغيري، والواجب الغيري وهو تكبيرة الإحرام المقيّدة بالركوع لم يأتِ به.

هنا يأتي إشكال لزوم التسلسل، نقول: إن قلتَ إنّ الأمر الغيري والواجب الغيري تعلّق بالحصّة المقيّدة وهي خصوص الحصّة الموصلة، يعني الوضوء الموصل إلى الصلاة، تكبيرة الإحرام المقيّدة بالركوع، نسأل منك هذا المتعلّق «تكبيرة الإحرام المقيّدة بالإتيان بالركوع» تنحلّ إلى أمرين ضمنيّين:

الأمر الأوّل: تكبيرة الإحرام فقط.

الأمر الثاني: تقييد تكبيرة الإحرام بالإتيان بالركوع.

فلا بدّ أن تنتهي إلى أن يكون الأمر الأول هو تكبيرة الإحرام فقط، ولا تقل: تكبيرة الإحرام المقيّدة بالركوع، لأنّك إذا قيّدتها بالركوع وغيره يلزم التسلسل.

تقول: وهذا الأمر الضمني الأوّل «تكبيرة الإحرام» ينحلّ إلى أمرين ضمنيّين: تكبيرة إحرام وتقييدها بالركوع، ثمّ نأتي إلى هذا الأمر الأوّل الذي حلّلناه وهو الأمر بتكبيرة الإحرام، إن قلتَ: أنّه مقيّد أيضاً بالركوع ينحلّ إلى... ويلزم التسلسل إلى ما لا نهاية.

إذاً، الجواب الحِلّي الأوّل ليس بتامّ.

[الجواب الحِلّيّ الثاني: التحقيقيّ التدقيقيّ]

الجواب الحِلّي الثاني تامّ لا غبار عليه، وخلاصته: إنّ إشكال تحصيل الحاصل إنّما يتمّ في خصوص الأوامر الاستقلالية ولا يشمل الأوامر الغيرية، لأنّ الأوامر الاستقلالية لها محرّكية ودافعية مستقلّة بخلاف الأوامر الغيرية والأوامر الضمنية، فليس لها محرّكية ودافعية مستقلّة. هذا لبّ فذلَكة الجواب الحِلّي التدقيقي.

[تفصيل الجواب التحقيقي: مثال تطبيقي في الصلاة]

التفصيل:

الآن نضرب مثالاً على واجب استقلالي ينحلّ داخله أوامر ضمنية: الأمر بالصلاة هذا واجب استقلالي، وفي ضمن الصلاة أمر بأجزائها كتكبيرة الإحرام والركوع والسجود والقيام والذِّكر والتسبيح والقراءة، فهذه واجباتٌ ضمنية.

ولزوم تحصيل الحاصل لا يشمل الأوامر الضمنية، لأنّ التكبيرة لوحدها والركوع لوحده ليست له محركية ودافعية وباعثية مستقلّة، بخلاف الأمر بمركّب الصلاة له محرّكية وباعثية مستقلّة. هذا لبّ الفكرة.

[التفصيل العقلي: وحدة المحرّكية في الأوامر الضمنية]

الآن الجواب التفصيلي نقول: لا يلزم تحصيل الحاصل، لأنّ الأمر إذا كان ضمنيّاً فتحصيله أيضاً ضمني، أي كما أنّ الأمر الضمني كتكبيرة الإحرام يكون في ضمن الأمر النفسي الاستقلالي كالصلاة، كذلك محصلية ومحرّكية الأمر الضمني تكون في ضمن محصلية ومحرّكية الأمر الاستقلالي.

إذاً توجد هناك محرّكيةٌ واحدة لا محرّكيتان، يعني محرّكية الصلاة فقط ولا محرّكية للوضوء، محرّكية للواجب النفسي فقط وهو الحجّ وهو الصلاة، ولا توجد محرّكية للواجب الغيري بالاستقلال كالوضوء والسفر، أي أنّ محرّكية السفر تبعٌ للحج ومحرّكية الوضوء تبعٌ لمحرّكية وباعثية الأمر بالصلاة.

إذاً كما أنّ الأمر الضمني بالتكبيرة والركوع يكون ضمن الأمر الاستقلالي بالصلاة، كذلك محرّكية الأمر الضمني بالركوع والسجود وتكبيرة الإحرام يكون ضمن محرّكية الأمر الاستقلالي بالصلاة.

إذاً، هناك أمرٌ واحد ومحرّك واحد هو خصوص محرّكية الأمر النفسي.

هذا المحرّك الواحد، الأمر بالصلاة، الأمر بالحجّ، ينحلّ إلى أوامر عديدة وتحصيلات عديدة، يصير أمر بالركوع والسجود في الصلاة وأمر بالطواف والسعي والوقوف بعرفة في الحجّ، لكن التحصيل الحقيقي لا يتحقّق إلّا بتحصيل المركّب.

يعني لو واحد طاف ما يصدق عليه أنّه حجّ، ذهب ووقف بعرفة فقط أو بمزدلفة ما يصدق عليه أنّه حجّ، سجد فقط أو ركع فقط أو كبّر تكبيرة الإحرام فقط ما يصدق عليه أنّه صلّى.

فالتحصيلُ الحقيقي يعني الذي يُسقط الأمر هو الإتيان بالمركّب، لا الإتيان بالأجزاء الضمنية بشكل مستقلّ.

إذا تمّ هذا، يتمّ بعده الجواب بشكل واضح.

هذا شخص توضّأ ما صلّى. هنا حينما توضّأ لم يحصل المركّب، أصلاً دافعية ومحرّكية الوضوء تكمن في الإتيان بالصلاة، إذا لم يأتِ بالصلاة لم يأتِ بالشيء الذي من شأنه أن يُحرِّك، فيبقى الأمر على ما هو عليه.

إذاً التحصيل الحقيقي يحصل بتحصيل المركّب، ومن الواضح أنّ الإتيان بالمقدّمة من دون إيصالها إلى ذي المقدّمة والإتيان بالوضوء من دون الإتيان بالصلاة، هذا ليس تحصيلاً للحاصل، لأنّ المركّب لم يحصل.

فتحصيل الحاصل، إشكال تحصيل الحاصل، يصدق على الواجبات المستقلّة الاستقلالية لا الواجبات الضمنية.

إذاً تحصيل الحاصل إنّما يُطبَّق على التحصيل المستقلّ، أمّا الأمر الضمني فلو طُبِّق عليه الإشكال مع فرزه عن باقي الأوامر الضمنية كان هذا خُلف كونه ضمنيّاً.

[تطبيق القاعدة على محلّ البحث]

أُعيد الجواب وأُكرّر باختصار:

صاحب الكفاية يقول: إذا توضّأتَ ولم تُصلِّ، وقلت إنّ الأمر الغيري بالوضوء باقٍ ولم يسقط، يلزم تحصيل الحاصل.

الجواب: إشكال تحصيل الحاصل إنّما يكون للأوامر الاستقلالية ولا يشمل الأوامر الضمنية، فإشكالك يا صاحب الكفاية خارجٌ تخصّصاً عن مورد بحثنا، إذ أنّ مورد بحثنا الإتيان بالوضوء، والوضوء ليس هو تمام المقدّمة بل الوضوء جزء المقدّمة والجزء الآخر الوصول إلى الصلاة.

فإذاً الإتيان بالوضوء فقط من دون الوصول إلى الصلاة هذا أمرٌ ضمني وليس أمر استقلاليّ، فيكون خارجاً عن مورد إشكال لزوم تحصيل الحاصل، إشكال تحصيل الحاصل ناظر إلى الأوامر المستقلّة ولا يشمل الأوامر الضمنية، وعلى مبنى أنّ الواجب هو المقدّمة الموصلة، يكون الإتيان بالمقدّمة من دون الإيصال إتيانٌ بأمر ضمني لا بأمرٍ استقلاليّ، فهذا خارج عن موطن بحثنا.

[تمييز مورد البحث عن موارد النقض على صاحب الكفاية]

وهذا هو الفرق بين محلّ الكلام «وجوب المقدّمة» وبين موردي النقض على صاحب الكفاية، إذ نقضنا عليه في بحث الإجزاء وفي بحث التعبّدي والتوصّلي، فهناك في بحث التعبّدي والتوصّلي وبحث الإجزاء كانت الأوامر استقلالية، فيكون الإشكال وارداً على صاحب الكفاية، لكن في بحثنا في بحث المقدّمة تكون الأوامر ضمنية فلا يرد الإشكال.

[الخاتمة: نتيجة البحث]

فهذا البيان يجري في الأوامر الغيرية بناءً على مسلك أنّ الواجب ليس هو مطلق المقدّمة بل الواجب خصوص المقدّمة الموصلة.

هذا تمام الكلام في الإيراد الخامس لصاحب الكفاية، واتّضح أنّه ليس بتامّ.

الإيراد السادس والأخير أيضاً لصاحب الكفاية، وهو عميق وفيه بحث معمّق.

يأتي عليه الكلام.

logo