« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/06/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائتان وثمانية وسبعون): الإيراد الثاني على صاحب الفصول في مبنى المقدّمة الموصلة: دعوى اجتماع المثلين

الموضوع: الدرس (مائتان وثمانية وسبعون): الإيراد الثاني على صاحب الفصول في مبنى المقدّمة الموصلة: دعوى اجتماع المثلين

 

[تمهيد الإيراد الثاني: لزوم اجتماع المثلين]

فمفاد الإيراد الثاني أنّ دعوى صاحب الفصول بالقول بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة يلزم منه اجتماع المثلين، وهو مستحيل.

[بيان وجه الإشكال: اجتماع وجوبين على ذي المقدّمة]

بيان ذلك: إنّ ذا المقدّمة كالصلاة سوف يجتمع عليه وجوبان: وجوب نفسيّ ووجوب غيريّ.

- أمّا الوجوب النفسيّ فباعتبار وجود الملاك النفسيّ في الصلاة وذي المقدّمة.

- وأمّا الوجوب الغيريّ فباعتبار أنّ الوجوب الغيريّ وهو الوضوء الموصل إلى الصلاة يتوقّف على الصلاة، فالصلاة إذًا واجبٌ غيريّ، فيلزم اجتماع المثلين: اجتماع الوجوب النفسيّ والوجوب الغيريّ على ذي المقدّمة.

[إعادة تقرير الإشكال بصياغة تفصيلية]

أعيد وأكرّر الإشكال لكي نجيب عليه:

الإيراد الثاني: لزوم المثلين على ذي المقدّمة كالصلاة، فالصلاة واجبة بالوجوب النفسيّ نظرًا لتحقّق ملاك وضابط الوجوب النفسيّ في الصلاة، كما أنّ الصلاة ينطبق عليها عنوان الوجوب الغيريّ، لأنّ الصلاة واجبٌ نفسيّ وله مقدّمة، ومقدّمته الوضوء الموصل إلى الصلاة، هذا الوضوء الموصل إلى الصلاة واجبٌ غيريّ ويتوقّف على مقدّمة وهي الصلاة، لأنّه لم يجب مطلق الوضوء بل وجب خصوص الوضوء الموصل إلى الصلاة، إذًا هو يتوقّف على الصلاة، فتكون الصلاة واجبة بالوجوب الغيريّ نظرًا لتوقّف الوجوب الغيريّ عليها. إذًا اجتمع مثلان: وجوبان: وجوب نفسيّ ووجوب غيريّ.

إذًا يلزم من القول بالمقدّمة الموصلة اجتماع المثلين، أي اجتماع الوجوبين على ذي المقدّمة، لأنّه بناءً على القول بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة يكون ذو المقدّمة قيدًا في المقدّمة الموصلة، فيترشّح على ذي المقدّمة الوجوب الغيريّ، فيجتمع في ذي المقدّمة كالصلاة وجوبان وهما: الوجوب النفسيّ والوجوب الغيريّ.

[الجواب الأوّل: نفي أخذ قيد الإيصال في المقدّمة]

والجواب: أوّلًا وثانيًا وثالثًا.

أوّلًا: هذا الإيراد يتمّ بناءً على أخذ قيد التوصيل في المقدّمة الموصلة، لكنّ القول بالمقدّمة الموصلة لا ينحصر معناه في أخذ قيد التوصيل قيدًا في وجوب المقدّمة، بل له معنى آخر كما تقدّم، وهو أنّ الواجب الغيريّ عبارة عن العلّة التامّة للواجب.

فإذا فسّرنا وجوب المقدّمة الموصلة بمعنى أنّ المقدّمة الموصلة هي العلّة التامّة للواجب النفسيّ وهو الصلاة، حينئذ لم نأخذ قيد التوصيل في المقدّمة، وهذا الإشكال من لزوم المثلين مبنيّ على أخذ قيد التوصيل في المقدّمة. واضح الجواب أو غير واضح؟

[تفسير صاحب الفصول: بين التقييد والعلّية التامّة]

ما هو معنى قول صاحب الفصول: تجب خصوص المقدّمة الموصلة؟ يوجد تفسيران:

التفسير الأوّل: المراد به المقدّمة التي قُيّدت بأنّها موصلة. بناءً على هذا التفسير الأوّل يتمّ الإيراد الثاني.

التفسير الثاني: ليس المراد بالمقدّمة الموصلة المقدّمة التي قُيّدت بقيد الإيصال، بل المراد المقدّمة التي تشكّل علّة تامّة لتحقّق الواجب النفسيّ وذي المقدّمة. بناءً على هذا التفسير الثاني لا يوجد تقييد بقيد الإيصال، فلا يأتي محذور الدور ولا يأتي محذور التسلسل، ولا يأتي محذور لزوم اجتماع المثلين.

[الجواب الثاني: تحديد ملاك الوجوب الغيري]

وثانيًا: تقدّم في جواب الإيراد الأوّل أنّ الوجوب الغيريّ له ملاك وهو توقّف الوجوب النفسيّ عليه، فالوضوء الموصل يتّسم بأنّه واجبٌ غيريّ نظرًا لتوقّف الصلاة عليه.

بينما هذا الوجوب الغيريّ وهو الوضوء الموصل يتوقّف على قيد الإيصال، وبالتالي يتوقّف على الصلاة.

فنحن نسلّم أنّ الصلاةَ تُشكّل مقدّمةً للوجوب الغيريّ وهو الوضوء الموصل، لكننا لا نسلّم أنّ الصلاة تجبُ بالوجوب الغيريّ، لأنّ ما توقّف على الصلاة ليس الواجب النفسيّ، بل الذي توقّف على الصلاة هو الواجب الغيريّ وهو الوضوء الموصل.

وملاكُ الواجب الغيريّ ليس مجرّد التوقّف على المقدّمة، بل ملاكه التوقّف على المقدّمة إذا كان المتوقّفُ عليه هو الواجب النفسيّ.

إذًا، لا يترشّح الوجوب الغيريّ من الوضوء الموصل إلى الصلاة، فلا يصدق على الصلاة أنّها واجبةٌ بالوجوب الغيريّ، لأنّ الصلاة وإن كانت مقدّمةً للوجوب الغيريّ، لكنّ ما توقّف على الصلاة ليس الواجب النفسيّ، بل الواجب الغيريّ في المثال وهو الوضوء الموصل. واضح الجواب الثاني أو لا؟

هذه أجوبة سيّالة، سوف تتكرّر. هذان الجوابان الصحيحان على الإيراد الثاني.

[الجواب الثالث: التعدّد والتأكّد في الوجوب (عن السيد الخوئي)]

[وثالثا]

وهناك جوابٌ ثالث موجودٌ في كلمات السيد الخوئيّ رحمه الله[1] .

ومفاد الجواب: هو الالتزام بالتعدّد ثمّ التأكّد والاشتداد في الوجوب بالشوق، باعتبار أنّ اجتماع الملاكين النفسيّ والغيريّ يقتضي الاشتداد والتأكّد والغلظة، فنسلّم بأنّ الصلاة قد وجبت بالوجوب النفسيّ أوّلًا لأنّها ذو المقدّمة، ونسلّم أيضًا بأنّ الصلاة قد وجبت بالوجوب الغيريّ لأنّها مقدّمة للوضوء الموصل.

إذًا اجتمع شوقان: شوقٌ نفسيّ وشوقٌ غيريّ، اجتمعت إرادتان، اجتمع ملاكان، فيتأكّد الشوق ويشتدّ الملاك ويغلظ.

[المناقشة في الجواب الثالث: رفض فكرة التأكيد هنا]

المناقشة في الجواب الثالث

لكنّ تطبيق فكرة التأكيد والاشتداد على موطن بحثنا ليس بتامّ، لأنّ تأكّد الوجوب والشوق كأصله، فثبت العرش ثمّ النقش.

وفي موطن بحثنا يوجد ملاك واحد ومحلّ فارد، وهو خصوص الشوق النفسيّ، الإرادة النفسيّة، الملاك النفسيّ. لا أنه يوجد ملاكان: ملاك نفسيّ وملاك غيريّ ويتّحدان، بل يوجدُ شوقٌ واحد وإرادةٌ واحدة وملاكٌ واحد كامنٌ في خصوص الواجب النفسيّ دون الواجب الغيريّ.

إذًا، إنّما يتأكّد الوجوب والشوق في خصوص الوجوبين المنتهيين إلى شوقين وإرادتين، لا إلى الوجوبين المنتهيين إلى ملاك واحد وشوق واحد وهو خصوص الملاك النفسيّ، إذ أنّ الملاك الواحد لا يُعقل أن يزيد نفسه ويؤكّد نفسه، وهذا واضحٌ بالوجدان ولا يحتاجُ إلى برهان.

[النتيجة النهائية في الإيراد الثاني]

النتيجة النهائية: الإيراد الثاني على صاحب الفصول ليس بتامّ، نظرًا لتماميّة المناقشة الأولى والثانية دون الثالثة.

[بداية الإيراد الثالث: لزوم الدور]

الإيراد الثالث: لزوم الدور، وقد قُرّب الدور بأحد تقريبين:

[التقريب الأوّل: الدور بلحاظ عالم الوجود]

التقريب الأوّل: بلحاظ عالم الوجود، لأنّ الواجب النفسيّ كالصلاة يتوقّف على المقدّمة الموصلة كالوضوء الموصل إلى الصلاة، والمقدّمة الموصلة إلى الصلاة تتوقّف على الصلاة، فيلزم الدور، أي توقّف الشيء على نفسه.

الواجب النفسيّ يتوقّف على المقدّمة الموصلة، والمقدّمة الموصلة تتوقّف على الواجب النفسيّ. الصلاة تتوقّف على الوضوء الموصل للصلاة، والوضوء الموصل للصلاة متوقّفٌ على الصلاة، فيتوقّف وجود الشيء على نفسه، تتوقّف الصلاة على الصلاة، والواجب النفسيّ على الواجب النفسيّ.

[الجواب عن التقريب الأوّل للدور]

والجواب: إنّ المتوقّف غير المتوقّف عليه، إنّ الموقوف عليه في الواجب النفسيّ إنّما هو ذات المقدّمة، وأمّا حيثيّة الإيصال فهي ليست مقدّمة، وإنّما هي محدّدة ومقيّدة للواجب الغيريّ وموجبة لاختصاص الوجوب بالحصة الموصلة من المقدّمة فقط، والذي يتوقّف على الواجب النفسيّ إنّما هو خصوص هذه الحيثيّة، أي حيثيّة «الإيصال بما هي موصلة»، فالموقوف غير الموقوف عليه.

مثال ذلك: الصلاة تتوقّف على الوضوء الموصل، فالذي تتوقّف عليه الصلاة هو الوضوء، وأمّا الإيصال فهو ليس مقدّمة، وإنّما قيدٌ أُخذ في المقدّمة.

أعيد وأكرّر: ذو المقدّمة هو الصلاة، والمقدّمة هي الوضوء، وحيثيّةُ الإيصال وقيد الإيصال ليس مقدّمةً بل أُخذ كقيدٍ في المقدّمة، وهذا القيد وهو الإيصال هو الذي يتوقّف على الصلاة، وليس الوضوء.

إذًا لا يلزم الدور: توقّف الشيء على نفسه.

صار: الصلاة تتوقّف على الوضوء، ولا تقل: الوضوء يتوقّف على الصلاة، صار هكذا: الصلاة تتوقّف على الوضوء، وقيد الإيصال يتوقّف على الصلاة، فلا يلزم الدور.

أعيد وأكرّر: ذو المقدّمة كالصلاة يتوقّف على المقدّمة الموصلة كالوضوء، وقيد الإيصال ليس مقدّمةً للصلاة، إنّما هو قيدٌ وحيثيّةٌ ولحاظٌ أُخذ في المقدّمة، وهذا اللحاظ هو الذي يتوقّف على الصلاة.

إذًا لا يوجد دور. صار ذو المقدّمة يتوقّف على المقدّمة، وقيد الإيصال المأخوذ في المقدّمة يتوقّف على ذي المقدّمة، ولا تقل: «والمقدّمة تتوقّف على ذي المقدّمة». واضح إن شاء الله الجواب؟

[التقريب الثاني: الدور بلحاظ عالم الوجوب]

التقريب الثاني: لإشكال الدور بلحاظ عالم الوجوب.

فيُدّعى أنّ الوجوب الغيريّ كالوضوء يتوقّف على الوجوب النفسيّ كالصلاة بحكم التبعيّة، فإذا صار الوجوب النفسي مقدّمة المقدّمة الموصلة حيث توقّف وجوبه على وجوبها، فقد دار وأصبح دور.

إذًا الوجوب الغيريّ كالوضوء الموصل يتوقّف على الوجوب النفسيّ كالصلاة، وإذا صارت الصلاة التي هي وجوب نفسيّ مقدّمة للمقدّمة، الصلاة مقدّمة للوضوء الموصل إلى الصلاة، فصار إذًا وجوب الصلاة يتوقّف على وجوب الوضوء الموصل، ووجوب الوضوء الموصل يتوقّف على وجوب الصلاة.

فالفارق بين التقريبين الأوّل والثاني: أنّ الأوّل لزوم الدور بلحاظ الوجود، وتوقّف وجود الشيء، والتقريب الثاني هو استلزام الدور بلحاظ عالم الوجوب.

[الجواب عن التقريب الثاني: تعدّد المولّدين للوجوب]

وأُجيب: إنّ الوجوب الذي يتولّد منه وجوب المقدّمة هو الوجوب النفسيّ لذي المقدّمة، والوجوب الذي يتولّد من وجوب المقدّمة هو الوجوب الغيريّ لذي المقدّمة، فلا دور.

لاحظ كيف انحلّ إشكال الدور:

الوجوب النفسيّ كالصلاة، يولّد الوجوب الغيريّ: الوضوء الموصل للصلاة، ووجوب الوضوء الموصل للصلاة يولّد ماذا؟ يولّد وجوب الصلاة، يتوقّف على وجوب الصلاة، لأنّ الوضوء لا يوصل إلّا إلى ماذا؟ إلى الصلاة.

صار عندنا وجوبان مولّدان: وجوب نفسيّ ووجوب غيريّ.

الصلاة التي هي واجبٌ نفسيّ ولّدت الوجوب الغيريّ وهو الوضوء الموصل إلى الصلاة، فهنا المولّد الأوّل هو الوجوب النفسيّ.

والمولّد الثاني: هذا الوجوب الغيريّ، الوضوء الموصل إلى الصلاة، ولّدَ وجوب الصلاة، لأنّه لم يوصل إلّا مع وجود الصلاة، يجب إيجاد الصلاة، فالمولّد الثاني هو الوجوب الغيريّ: الوضوء الموصل للصلاة.

إذًا، عندنا مولّدان وليس مولّد واحد، فيكون الجواب هكذا: الوجوب الذي يتولّد منه وجوب المقدّمة هو الوجوب النفسيّ لذي المقدّمة، والوجوب الذي يتولّد من وجوب المقدّمة هو الوجوب الغيريّ لذي المقدّمة.

أكرّره باختصار ثمّ نجيب الجواب الدقيق:

الواجب النفسيّ الصلاة، يولّد واجب غيري وهو الوضوء، والواجب الغيريّ الوضوء، يولّد وجوب الصلاة. هذا وجوب الصلاة الثاني، هذا وجوب غيريّ وليس وجوب نفسي.

أعيد وأكرّر: وجوب الصلاة واجب نفسيّ يولّد المقدّمة: الوضوء الموصل، والوضوء الموصل يوجب مقدّمته، ما هي مقدّمته؟ الصلاة. هذه مقدّمته التي هي الصلاة ليست هي الواجب النفسيّ، بل هي واجب غيريّ.

[المناقشة النهائية والجواب الراجح]

المناقشة: لكنّ هذا الجواب قد يبتلى بإشكالان، والصحيح أن يُجاب بالجوابين المتقدّمين:

أوّلًا: ليس المراد بوجوب المقدّمة الموصلة هي المقدّمة التي أُخذ فيها قيد الإيصال، حتى يلزم الدور أو التسلسل، بل المراد بالمقدّمة الموصلة ما شكّلت علّة تامّة لتحقيق ذي المقدّمة.

والجواب الثاني: ملاكُ الوجوب الغيريّ لا يتحقّق، لأنّ الواجب الغيريّ هو ما توقّف عليه الواجب النفسيّ، فالصلاة يصدق عليها عنوان الواجب النفسيّ، ولا يصدق على الصلاة عنوان الواجب الغيريّ. فنحن نسلّم أنّ الصلاة يتوقّف عليها الوضوء الموصل، فالصلاة مقدّمة إلى الوضوء الموصل، لكنّ هذه الصلاة لا يصدق عليها ضابط الوجوب الغيريّ، لأنّ الذي توقّف عليها الوجوب الغيريّ وهو الوضوء الموصل، ولم يتوقّف عليها الوجوب النفسيّ، إذ أنّ الصلاة هي نفس الواجب النفسيّ، والواجب النفسيّ لا يتوقّف على نفسه.

إذًا الجوابان الأوّل والثاني اللذين وردا في التقريب السابق يأتيان هنا.

[خاتمة المقام: تقييم الإيرادات الثلاثة]

إذًا إلى هنا ثلاثة إيرادات على صاحب الفصول ليست تامّة.

الإيراد الرابع للمحقّق العراقيّ.

يأتي عليه الكلام.


logo