47/06/10
الدرس (274): اشتراط وجوب المقدمة بقصد التوصل بها إلى ذيها
الموضوع: الدرس (274): اشتراط وجوب المقدمة بقصد التوصل بها إلى ذيها
[مقدمة في نسبة القول إلى الشيخ الأعظم الأنصاري]
الاحتمال الثالث: ما ينسب إلى الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري على ما في تقرير بحثه[1] ، وعادةً ما يقال: ما ينسب إلى الشيخ الأنصاري، لأن هناك تشكيك في نسبة هذه التقريرات إلى الشيخ الأعظم الأنصاري، فبالمقارنة بين ما كتبه الشيخ بقلمه وهو "فرائد الأصول" المسمى بالرسائل، إذ يتضمن ثلاث رسائل كل منها فريد من نوعه: رسالة في القطع، ورسالة في الظن، ورسالة في الشك، أي القسم الثاني من الأصول. وأما القسم الأول (مباحث الألفاظ) فلم يكتب فيه الشيخ الأنصاري، بل كتب الكلانتري رحمه الله، وطُبع هذا التقرير تحت عنوان "مطارح الأنظار". ونظراً للتفاوت الكبير بين المطالب الموجودة في "مطارح الأنظار" القسم الأول وبين مطالب القسم الثاني (الرسائل)، عادة ما يقال: ما ينسب إلى الشيخ الأنصاري، إذ لم يكتبه بقلمه. ويقولون أيضاً: مكاسب الشيخ خير من رسائله، أي أن ما كتبه الشيخ الأنصاري في المكاسب وخصوصاً كتاب البيع أعمق بكثير مما ذكره في فرائد الأصول.
[مكانة الشيخ الأعظم وآثاره العلمية]
عموماً، الآن يقولون: ثلاثة ليس لها نهاية: مكاسب، رسائل، كفاية. وفي علم الأصول بالنسبة إلى القسم الأول (مباحث الألفاظ) يُعتمد كثيراً على كتاب "هداية المسترشدين في شرح معالم الدين" للشيخ محمد تقي الأصفهاني، أخ الشيخ محمد حسين الأصفهاني صاحب كتاب "الفصول الغروية"، والذي أعطى أخاه كتابه للتعليق عليه فأرجعه إليه، فلما فتح كتاب "الفصول" لم يجد أي تعليقة، فقال: يا أخي أين التعليق؟ قال: انظر إلى عنوان الكتاب، وإذا به "الفضول في علم الأصول"! قال: هذه النقطة نسفت الكتاب بأكمله!.
الآن، أكثر الأبحاث في القسم الأول تعتمد على "هداية المسترشدين"، وفي القسم الثاني على "فرائد الأصول"، لذلك من أراد أن يفقه كتاب "كفاية الأصول" للمحقق الخراساني صاحب الكفاية، عليه في القسم الأول بمراجعة "هداية المسترشدين" و"الفصول"، فكثيراً ما يُستشهد بالتعليقة، والمراد بالتعليقة كتاب "هداية المسترشدين في التعليق على معالم الدين وملاذ المجتهدين" للشيخ حسن بن الشهيد الثاني. وفي القسم الثاني، صاحب الكفاية يعتمد على رسائل الشيخ الأنصاري، بل هذا القسم الثاني بمثابة الحاشية على الرسائل.
وقد درست الرسائل بهذه الطريقة، وعادة علماء النجف كانوا يدرسون هكذا: تدرس مثلاً كتاب القطع من الرسائل، ثم كتاب القطع من الكفاية لأنه تعليق على الرسائل، ثم مبحث من مباحث الظن في الرسائل مثل مبحث حجية خبر الواحد، ثم تدرسه في الكفاية، وهكذا مثلاً تبحث الشهرة في الرسائل ثم تبحث الشهرة في الكفاية، لأن نظر صاحب الكفاية رحمه الله إلى أستاذه الشيخ الأعظم الأنصاري، وما أدراك ما الشيخ الأعظم الأنصاري! جميع العلماء اليوم على مائدة الشيخ الأعظم الأنصاري فقهاً وأصولاً، وأغلب أبحاث الخارج اليوم على مائدة السيد أبي القاسم الخوئي رحمه الله فقهاً وأصولاً ورجالاً وتفسيراً، أي المباحث المتعلقة بعلوم القرآن.
[شهادة المحقق الرشتي في حق أستاذه الأنصاري]
يقول المحقق الرشتي رحمه الله في حق أستاذه الشيخ الأعظم الأنصاري: تميز أستاذنا بثلاث خصال: العلم والسياسة والزهد. فأما العلم فقد ورثته منه، المحقق الرشتي صاحب كتاب "بدائع الأفكار". وأما السياسة فقد ورثها المجدد الشيرازي السيد محمد حسن الشيرازي صاحب ثورة التنباك. وأما زهده فقد رحل معه في قبره. هذا مطلع درس اليوم.
[بداية البحث في الاحتمال الثالث]
الاحتمال الثالث: ما ينسب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري في تقريرات بحثه من أن الواجب الغيري هو المقدمة مع قصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة، على نحو يكون قصد التوصل من قيود الواجب لا الوجوب، يُراجع[2] .
[موقف السيد الخوئي من كلام الشيخ الأنصاري]
وقد علق السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله على هذا الكلام فقال: إن هذا التقييد المنسوب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري هو نفس التقييد السابق الذي اختاره صاحب المعالم في "معالم الدين"[3] ، آخر بحث الضد. والفارق بينهما أن صاحب المعالم جعل هذا القيد من قيود الوجوب، والشيخ الأنصاري جعل هذا القيد من قيود الواجب.
[الفرق بين إرادة ذي المقدمة وقصد التوصل إليها]
والصحيح: أن هناك فرقٌ أيضاً من ناحية نفس هذا القيد، فلا يكمن الفارق في أن الشيخ الأنصاري جعل القيد راجعاً إلى الواجب وصاحب المعالم جعل نفس هذا القيد راجعاً إلى الوجوب، بل هناك فارق جوهري في نفس هذا القيد. فما هو هذا القيد الراجع إلى الواجب أو الوجوب؟
ذهب صاحب المعالم إلى أن القيد هو إرادة ذي المقدمة، وذهب الشيخ الأنصاري على ما نُسب إليه إلى أن القيد هو قصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة، وإرادة ذي المقدمة يختلف جوهرياً عن قصد التوصل إلى ذي المقدمة، فلربما يكون المكلف يريد التوصل إلى ذي المقدمة لكنه يأتي بالمقدمة بغير قصد التوصل فعلاً الآن إلى ذي المقدمة. فالمتوضأ يتوضأ الآن ويريد بهذا الوضوء أن يصل إلى الصلاة، لكنه حينما يأتي بالمقدمة والوضوء الآن لا يقصد التوصل الآن إلى الصلاة والواجب النفسي.
إذاً، يمكن التفكيك بين إرادة المقدمة الآن وفعلاً وبين قصد التوصل إلى ذي المقدمة الآن، فيمكن للمكلف أن يتوضأ ويأتي بهذه المقدمة ويريد بهذه المقدمة الواجب النفسي وهو الصلاة، ولكن حينما توضأ لا يقصد التوصل الآن إلى الصلاة، يمكن يتوضأ وبعد خمس ساعات يصلي.
[نتيجة التفكيك بين الإرادة والقصد]
إذاً إرادة ذي المقدمة بمعناها الحقيقي لا يساوي ولا يساوق قصد التوصل إلى ذي المقدمة فعلاً. إذاً قيد صاحب المعالم (إرادة ذي المقدمة) بمعناها الحقيقي لا يساوي قيد الشيخ الأنصاري وهو قصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة.
[مناقشة نسبة القول إلى الشيخ الأنصاري وبيان اضطراب التقرير]
وكيف كان، فقد نُسب إلى الشيخ مرتضى الأنصاري أن المقدمة الموصلة يُراد بها الإتيان بالمقدمة كالوضوء بقصد التوصل إلى ذي المقدمة كالصلاة، لكن عبارة تقرير "مطارح الأنظار" مشوشة ويحتمل فيها عدة تفسيرات، بل الشيخ الذي يكتبه بقلمه في "فرائد الأصول" يختلفون فيه تلامذته: النائيني والأصفهاني والعراقي وتصير لهم نظريات فيما كتبه الشيخ الأنصاري، فكيف بالتقرير الذي يُنسب إليه؟! لذلك قد يكون الطعن في هذا التقرير في غير محله.
[التفسيرات الثلاثة لكلام الشيخ الأنصاري في مطارح الأنظار]
هناك ثلاثة تفسيرات لكلام الشيخ الأنصاري في "مطارح الأنظار":
التفسير الأول: أخذ قصد التوصل قيداً في الواجب الغيري، فالوضوء أخذ فيه قصد التوصل إلى الصلاة.
التفسير الثاني: أن يكون المقصود أن وقوع المقدمة امتثالاً وعبادة موقوف على قصد التوصل بها إلى امتثال ذي المقدمة، يعني امتثال المقدمة كالوضوء يتوقف على امتثال ذي المقدمة كالصلاة، يعني عبادية الوضوء تتوقف على عبادية الصلاة. وهذا المعنى لو كان هو المقصود للشيخ الأعظم الأنصاري فهو معنى صحيح، لما تقدم من أن الوجوب الغيري بنفسه لا يكون قربياً، وإنما قربية المقدمة تكون تبعاً لقربية ذي المقدمة، فقربية المقدمة كالوضوء تكون بقصد التوصل إلى امتثال ذي المقدمة.
التفسير الثالث: التفصيل بين المقدمات المحرمة كالأرض الغصبية التي لا يجوز اجتيازها إلا لمصلحة أهم كإنقاذ غريق يغرق في البحر أو النهر ويتوقف على اجتياز هذه الأرض المغصوبة، وبين المقدمة المباحة كالسفر للحج، فالسفر بما هو هو مباح ولكنه وقع مقدمة لواجب وهو الحج.
إذاً، عندنا مقدمتان: مقدمة محرمة وجازت لتوقف الواجب عليها وهو إنقاذ الغريق، وبين مقدمة مباحة. فنقول بالتفصيل.
أما المقدمة المحرمة فيُؤخذ فيها شرط قصد التوصل إلى ذي المقدمة، فاجتياز الأرض المغصوبة أُخذ في وجوبه قصد التوصل إلى الإنقاذ، ففي خصوص المقدمة المحرمة التي يتوقف عليها واجب النفسي، نقول: قد أُخذ في هذه المقدمة المحرمة قصد التوصل إلى ذي المقدمة، بخلاف المقدمة المباحة كالوجوب فهي مأخوذةٌ مطلقاً فهي واجبة مطلقاً، قصد التوصل أو لم يقصد التوصل.
[تفصيل القول في التفسير الثالث]
إذاً التفسير الثالث: التفصيل بين المقدمة المحرمة والمقدمة المباحة، وقد أُخذ قصد التوصل إلى الواجب النفسي في خصوص المقدمة المحرمة دون المقدمة المباحة فهي مطلقة، والمقدمة المباحة لم يُؤخذ فيها قيد التوصل إلى الواجب النفسي، نعم، قيد التوصل إلى الواجب النفسي أُخذ في خصوص القسم الأول وهو المقدمة المحرمة.
[تمهيد لبحث الصيغ في وجوب المقدمة]
وهذا البحث سيأتي عند التعرض إلى بحث وجوب المقدمة على اختلاف صيغه، فما هي الصيغة المطلوبة لوجوب المقدمة؟ هل هو وجوب المقدمة مطلقاً؟ أو وجوب خصوص المقدمة الموصلة؟ هذا سيأتي بحثه.
هذه تفسيرات ثلاثة، وموضع بحثنا هو خصوص المقدمة الموصلة، هذه الاحتمالات الثلاثة والذي سيأتي الاحتمال الرابع كلها احتمالات مبنية على خصوص أن الواجب ليس هو مطلق الواجب الغيري وليس هو مطلق المقدمة، بل الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة والواجب هو خصوص الواجب الغيري الموصل إلى الواجب النفسي.
[بداية مناقشات الاحتمال الثالث]
مناقشات الاحتمال الثالث:
هذا الاحتمال الثالث يواجه بدواً استغراباً، إذ لا نكتة ولا ملاك في تقييد الواجب الغيري بقصد التوصل، لأن ملاك الوجوب الغيري للمقدمة أحد احتمالين:
[الاحتمالان في ملاك وجوب المقدمة]
الاحتمال الأول: أن يكون حيثية توقف الواجب النفسي على المقدمة، وهذه النكتة تقتضي وجوب مطلق المقدمة، فلا مجال للتخصيص بقصد التوصل إلى ذي المقدمة، فإذا كانت النكتة والملاك في الوجوب الغيري أن الواجب النفسي يتوقف على الواجب الغيري، إذاً يجب الواجب الغيري مطلقاً، لتوقف الواجب النفسي عليه قصد التوصل أو لم يقصد، إذا كانت النكتة في وجوب الوضوء توقف الصلاة عليها، إذاً يجب الوضوء مطلقاً، قصد التوصل إلى الصلاة أو لم يقصد. هذا الاحتمال الأول.
الاحتمال الثاني: أن يكون الملاك في وجوب المقدمة حيثية حصول الواجب النفسي به، وهو يقتضي وجوب المقدمة الموصلة بالخصوص، فاعتبار قصد التوصل لا موجب له ولا مقتضى له.
إذاً الاحتمال الثاني أن يكون ملاك وجوب المقدمة أن يحصل ذو المقدمة بالمقدمة، وهذا إنما يقتضي تحقق المقدمة الموصلة، ولا عبرة بقصد التوصل.
-إذاً اختياري أو لا تختاري، فلا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار، إما حبي أو الدخول إلى جنة أشعاري! كما يقول نزار قباني، هذا خارج الدرس-
ما هو ملاك وجوب المقدمة؟ ما هو ملاك وجوب الوضوء؟ إذا الملاك توقف الصلاة عليه، يعني الوضوء يجب مطلقاً، قصدت التوصل لو ما قصدت التوصل، ويجب الوضوء مطلقاً، الموصل وغير الموصل. واضح إن شاء الله على الاحتمال الأول.
على الاحتمال الثاني: أن يتحقق الواجب النفسي بالمقدمة، هذا هو الملاك. إذا الملاك حصول ووقوع الواجب النفسي بالمقدمة، فهذا يقتضي وجوب المقدمة الموصلة، المهم توصل، قصدت أو ما قصدت! هذا القصد خله ألك! واضح كيف؟
[نتيجة المناقشة في الملاكين]
إذاً ما هو ملاك وجوب المقدمة؟ ملاك وجوب الوضوء ما هو ملاكه؟ إن كان ملاكه توقف الواجب النفسي على المقدمة، هذا يقتضي وجوب مطلق المقدمة، موصلة أو غير موصلة. وإن كان الملاك وقوع وتحقق الواجب النفسي بالمقدمة، فهذا يقتضي وجوب خصوص المقدمة الموصلة، ولا عبرة بإرادة وقصد التوصل بالمقدمة إلى ذي المقدمة. واضح إن شاء الله؟
[تقريب المحقق الأصفهاني ومناقشة الخوئي والصدر]
وقد حاول المحقق الأصفهاني رحمه الله تقريب كلام شيخه الأنصاري بتقريب مؤلف من مقدمتين، ثم ناقشه السيد الخوئي رحمه الله، ثم ناقشهما الشهيد الصدر رضوان الله عليهم أجمعين.
[خاتمة الدرس]
وهذه مطالب حلوة يا حلو! دقيقة يا دقيق! عميقة يا عميق! فظاهرك أنيق، وباطنك عميق، وواقعك أعمق إن شاء الله! تراجعون هذه المسائل حتى يصير الدرس القادم حلو يا حلوين!.