47/06/08
الدرس (مائتان وثلاثة وسبعون): الجهة الخامسة: كيفية صياغة وجوب المقدمة الموصلة إطلاقاً وتقييداً
الموضوع: الدرس (مائتان وثلاثة وسبعون): الجهة الخامسة: كيفية صياغة وجوب المقدمة الموصلة إطلاقاً وتقييداً
[القولان الأساسيان في وجوب المقدمة]
يوجد قولان:
القول الأول: المقدمة واجبة مطلقاً سواء كانت موصلة أو لا.
القول الثاني: وجوب خصوص المقدمة الموصلة دون المقدمة غير الموصلة.
[الكلام في صياغة القول الثاني (وجوب المقدمة الموصلة)]
وبناءً على هذا القول الثاني من أن الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة، يقع الكلام في كيفية صياغة وجوب خصوص المقدمة الموصلة، فهل هو وجوب مطلق؟ أو هو وجوب مقيد؟
طُرحت عدة احتمالات وعدة أقوال:
[الاحتمال الأول: قول المشهور (الإطلاق وعدم التقييد)]
الاحتمال الأول: وهو ما ذهب إليه المشهور من علماء الأصول، وهو القول بالإطلاق في الوجوب والواجب وعدم تقييد وجوب المقدمة الموصلة بأي قيد أو أي شرط زائد على شرائط الوجوب النفسي، فجميع شرائط الوجوب النفسي تسري إلى الوجوب الغيري والتبعي والمقدمي بحكم التبعية، إذاً لا حاجة إلى تقييد وجوب المقدمة بقيود أو شروط، وإنما القيود والشروط موجودة في الوجوب النفسي ومنه تسري إلى الوجوب الغيري إذ هو تبعي. هذا هو المشهور بين الأصوليين المتأخرين.
[الاحتمال الثاني: قول صاحب المعالم (التقييد بإرادة ذي المقدمة)]
الاحتمال الثاني: ما يظهر من صاحب المعالم الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني[1] ، وهو القول بتقييد وجوب المقدمة بشرط إرادة ذي المقدمة، فلا تجب المقدمة بدون اشتراط إرادة ذي المقدمة، فيجب الوضوء إذا أردت الصلاة، وأما إذا أردت الوضوء من دون أن تريد الصلاة فهذا الوضوء ليس واجباً بالوجوب الغيري والمقدمي.
[استشكال المتأخرين على الاحتمال الثاني]
وقد استشكل المحققون المتأخرون من علماء الأصول في معقولية هذا الاحتمال الثاني وادعوا أنه مستحيل وقد بينت الاستحالة بأحد وجهين:
الوجه الأول: للمحقق العراقي وهو ليس بتام.
الوجه الثاني: للمحقق النائيني وهو تام صحيح.
[الوجه الأول لإثبات الاستحالة: إشكال المحقق العراقي (تحصيل الحاصل)]
الوجه الأول: ما يظهر من المحقق العراقي رضوان الله عليه، يُراجع[2] [3] .
فقد ذهب المحقق العراقي إلى أن هذا الاشتراط شبيه بطلب الحاصل، وتحصيل الحاصل مستحيل.
بيان ذلك: إرادة ذي المقدمة مستلزمة ومستبطنة لإرادة المقدمة لا محالة، فإذا أردت الصلاة تكون قد أردت الوضوء، وإذا أردت الحج تكون قد أردت السفر، فاشتراط ذلك في الوجوب الغيري معناه أن الوجوب الغيري مجعول في فرض إرادة الواجب، وهذا شبيه بتحصيل الحاصل.
خلاصة: أنت إذا أردت ذا المقدمة كالصلاة والحج تكون قد أردت المقدمة كالوضوء والسفر، فإذا قلت: يشترط في المقدمة (الوضوء) إرادة ذا المقدمة (إرادة الصلاة)، هذا تحصيل للحاصل، هذا متحقق، وتحصيل الحاصل قبيح عند العقلاء.
[تفصيل الرد على إشكال المحقق العراقي]
لكن هذا الوجه ليس بتام، لأن اشتراط الوجوب الغيري بإرادة الواجب النفسي يتصور على ثلاثة أنحاء:
النحو الأول: أن يكون الشرط إرادة الواجب النفسي وسد أبواب عدمه من غير جهة هذه المقدمة، يعني تريد الصلاة وتسد جميع أبواب عدم الصلاة. وبناءً على هذا النحو الأول يرتفع المحذور موضوعاً ولا يرد إشكال المحقق العراقي.
النحو الثاني: أن يكون الشرط صدق القضية الشرطية التي تقول: إنه لو أوجد هذه المقدمة لسد أيضاً أبواب العدم الأخرى، يعني لو أوجد الوضوء لسد الأبواب الأخرى التي توجب عدم الصلاة، هذه القضية الشرطية في روحها نفس النحو الأول من الاشتراط لكن الصياغة مختلفة، فالشرط هنا صدق القضية الشرطية نفسها، وصدق القضية لا يستلزم فعلية طرفيها، فلا يكون الاشتراط به في قوة الاشتراط بإرادة المقدمة. إذاً بناءً على النحو الأول لا يرد إشكال المحقق العراقي، وبناءً على النحو الثاني أيضاً لا يرد إشكال المحقق العراقي.
النحو الثالث: إن الشرط هو إرادة ذي المقدمة إرادة فعلية من كل الجهات، يعني إرادة الصلاة بحيث تكون الصلاة واجبة فعلاً من كل الجهات، وهذا هو الذي يستلزم المحذور الذي أفاده المحقق العراقي رحمه الله.
[نكتتا قبح تحصيل الحاصل]
ولكن حتى بناءً على الاحتمال الثالث لا يرد إشكال المحقق العراقي، فإشكال المحقق العراقي مفاده لزوم تحصيل الحاصل، وهنا نسأل: ما هي النكتة التي أوجبت تحصيل الحاصل؟
نذكر نكتتين:
الأولى: نكتة التهافت.
الثانية: نكتة اللغوية.
أما النكتة الأولى: تحصيل الحاصل يلزم منه التهافت، والسر في ذلك: أن التحصيل (تحصيل الشيء/طلب الشيء) هذا يعني أن الشيء ليس حاصلاً بل مفقوداً، هي كلمتين: "تحصيل الحاصل"، تحصيل يساوق شيء مفقود، الحاصل يعني نفترض أنه حاصلاً، فهذا فيه تهافت وتناقض، إذ أن التحصيل مساوق للفقد، والحاصل يساوي الموجود غير المفقود، فيلزم التهافت، فيقولون: تحصيل الحاصل قبيح عند العقلاء للزوم التهافت.
النكتة الثانية: التي توجب قبح تحصيل الحاصل هي نكتة اللغوية، إذ الأمر من أجل قدح الداعي نحو المطلوب لتحصيله، فإذا جاء أمر بالوضوء فهذا الأمر يقدح الداعي لكي تحصل الوضوء، فلو فُرض حصول الداعي كان طلب تحصيل الداعي لغواً.
أعيد وأكرر نكتة اللغوية: ما الغرض من الأمر؟ تحصيل الداعي، إذا كان الداعي حاصل إذاً يلغو طلب تحصيله، والأمر بلزوم تحصيل الحاصل لغو وعبث. واضح إن شاء الله؟.
[تطبيق النكتتين على محل البحث]
إلى هنا بيّنا النكتة في قبح الكبرى، يعني لماذا تحصيل الحاصل قبيح؟
الجواب: تحصيل الحاصل إما يلزم منه التهافت لأن التحصيل يعني لشيء مفقود والحاصل يعني لشيء موجود صار تهافت بين التحصيل وبين الحاصل، وإما بنكتة اللغوية لأن التحصيل يعني طلب الداعي، الحاصل يعني الداعي موجود، فيكون طلب الداعي والأمر بتحصيله لغواً وعبثاً. واضح إن شاء الله؟
إلى هنا هذا بيّنا النكتة في كبرى تحصيل الحاصل، يبقى الكلام في الصغرى في موطن بحثنا: إذا قُيّدت المقدمة بإرادة ذي المقدمة، هل تتوفر هاتان النكتتان؟ نكتة التهافت ونكتة اللغوية حتى يلزم تحصيل الحاصل؟
الجواب: كلا النكتتين لا تتوفران، فلا يلزم تحصيل الحاصل.
أما النكتة الأولى وهي التهافت، فلأن الشرط إنما هو إرادة الواجب وليس حصول الواجب، فمتعلق التحصيل غير متعلق الحاصل، التحصيل عبارة عن إرادة الواجب، الحاصل عبارة عن الواجب الموجود، إذاً، الشرط ليس هو حصول الواجب حتى يلزم إشكال تحصيل الحاصل، بل الشرط إرادة الواجب لا حصول الواجب، فلا يلزم تهافت.
وأما إشكال اللغوية بملاك عدم الداعوية فلا يرد أيضاً، لأن من يلتزم بالوجوب الغيري للمقدمة لا يرى أن المقدمة واجبة استقلالاً بحيث يكون هناك داعٍ مستقل في الواجب الغيري دون الداعي الموجود في الواجب النفسي، بل داعي الواجب الغيري تبعي وقهري للواجب النفسي، فلا تكون اللغوية محذوراً مانعاً من وجوده، بل قد تقدم أن الوجوب الغيري ليست له داعوية وليست له محركية مستقلة عن الوجوب النفسي. إذاً المحركية والداعوية دائماً للوجوب النفسي لا الوجوب الغيري. إذاً إشكال اللغوية لا موضوع له في الواجبات الغيرية.
إذاً، اتضح عدم تمامية إشكال المحقق العراقي رحمه الله.
[الوجه الثاني لإثبات الاستحالة: إشكال المحقق النائيني (إشكال التفكيك أو الاشتراط العكسي)]
الوجه الثاني: ما أفاده المحقق النائيني رحمه الله، يُراجع[4] [5] [6] .
حاصل الإشكال: إن الوجوب الغيري كالوضوء لو كان مشروطاً بإرادة ذي المقدمة كالصلاة، فمع عدم إرادة ذي المقدمة (هذا توضأ وما أراد الصلاة) لا يكون إذاً وجوب الوضوء ثابتاً، لأننا اشترطنا في الوجوب خصوص المقدمة الموصلة، وقلنا إن المقدمة الموصلة هي المقدمة التي اشترط فيها إرادة ذي المقدمة.
توضأ ولم يرد الصلاة، بناءً على الاشتراط، هذا الوضوء واجب أو ليس بواجب؟ الجواب: ليس بواجب، إذاً هنا لم يثبت الوجوب الغيري.
ننقل البحث إلى الواجب النفسي، إلى الصلاة، إلى ذي المقدمة: هل الوجوب النفسي يبقى أو يسقط؟
الآن من المسلم أن وجوب الوضوء سقط لأن الشرط اختل، لم يرد الصلاة، توضأ وما أراد الصلاة، يسقط الوجوب الغيري عن الوضوء. إذا سقط الوجوب الغيري عن الوضوء، هل يبقى الوجوب النفسي للصلاة ثابتاً أو ساقطاً؟ احتمالان لا ثالث لهما:
الاحتمال الأول: لو قلنا إن الوجوب النفسي ثابتٌ، فحينئذٍ يلزم التفكيك بين الوجوبين: الوجوب الغيري والوجوب النفسي، إذ أن الوجوب الغيري سقط والوجوب النفسي ثبت، مع أنهم يذكرون أنه توجد ملازمة بين الوجوب الغيري والوجوب النفسي ولا يُفرّق فيه بين فرض الامتثال وعدم الامتثال، ولا يُفرّق فيه بين مورد وبين مورد آخر. إذاً بناءً على اختيار الشق الأول أن الوجوب النفسي يبقى ويثبت وإن زال الوجوب الغيري يلزم التفكيك بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري.
الاحتمال الثاني: أن يرتفع الوجوب النفسي، يعني كما ارتفع وجوب الوضوء الغيري أيضاً ارتفع وجوب الصلاة النفسي، وهذا يعني أن الوجوب النفسي مشروط بإرادة، وهذا ليس بتام، إذ أن الوجوب النفسي كالصلاة ليس مشروطاً بإرادة الوضوء.
تفصيل ذلك: هذا الاشتراط (اشتراط الوجوب النفسي بإرادة الوضوء) إن كان بالصياغة الثالثة المتقدمة (يعني إرادة ذي المقدمة إرادة فعلية من كل الجهات) وهذا هو الذي يستلزم المحذور بناءً على إفادة المحقق العراقي رحمه الله.
خلاصة إشكال الوجه الثاني للمحقق النائيني: إذا جاء بالمقدمة كالوضوء من دون إرادة ذي المقدمة كالصلاة، فعلى هذا المبنى لا يكون الوضوء واجباً، ويقع الكلام في بقاء وجوب الواجب النفسي كالصلاة، هل يبقى أو لا يبقى؟
يوجد احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يبقى، إذا قلنا ببقاءه لزم محذور التفكيك بين الواجب النفسي والواجب الغيري، ثبت الواجب النفسي دون الواجب الغيري، وهم يلتزمون بوجود ملازمة بين ثبوت الوجوب النفسي وثبوت الوجوب الغيري.
الإحتمال الثاني: وإن قلنا بأن الوجوب النفسي يسقط بسقوط الوجوب الغيري (يعني وجوب الصلاة يسقط عند سقوط وجوب الوضوء)، هذا يلزم منه أن الوجوب النفسي كالصلاة مشروط بإرادة الوجوب الغيري، بإرادة الوضوء، وهذا ليس بصحيح، ليس بتام.
إذاً إشكال المحقق النائيني صحيح وتام لا غبار عليه.
هذا تمام الكلام في بيان الاحتمال الأول للمشهور والاحتمال الثاني لصاحب المعالم.
الاحتمال الثالث في توجيه وجوب خصوص المقدمة الموصلة، ما نُسب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري في تقريرات بحثه (مطارح الأنظار)، يأتي عليه الكلام.