47/06/05
الدرس (272): الاعتراضات غير الواردة على صاحب الكفاية في جوابه على إشكال الطهارات الثلاث
الموضوع: الدرس (272): الاعتراضات غير الواردة على صاحب الكفاية في جوابه على إشكال الطهارات الثلاث
[دفاع صاحب الكفاية عن إشكال الدور]
أجاب صاحب الكفاية عن إشكال الدور في التقريب الثالث بأن المقدمة كالوضوء واجبة بالوجوب النفسي، فلا يلزم من ذلك دور، فمنشأ العبادية ليس هو المنشأ الأول وهو قصد امتثال الأمر الغيري، وليس المنشأ الثاني وهو قصد التوصل إلى ذي المقدمة حتى يلزم الدور بناءً على هذين المنشأين، بل المنشأ أمر ثالث وهو أن نفس الوضوء مستحب بالاستحباب النفسي.
[الاعتراضات على كلام صاحب الكفاية]
وقد توجهت اعتراضات وإشكالات على كلام صاحب الكفاية، تطرقنا إلى اعتراضين تامين، والآن نتطرق إلى ثلاثة اعتراضات ليست تامة، وأهمها وأعمقها وأدقها هو الاعتراض الأول.
[الاعتراض الأول: إشكال اجتماع الاستحباب النفسي والوجوب الغيري]
الاعتراض الأول: ومفاده إن الاستحباب النفسي للوضوء الذي نريد أن نصحح به عبادية المقدمة، يرتفع هذا الاستحباب عند تحقق الوجوب الغيري للوضوء، لاستحالة اجتماع الاستحباب والوجوب معاً على متعلق واحد، فكيف يكون هذا الوضوء الذي هو مقدمة هو مستحب نفساً وواجب غيراً؟ فمع عروض وطروء الوجوب الغيري للوضوء يزول استحبابه النفسي، فالمكلف يتحرك نحو الوضوء بسبب الأمر الغيري والوجوب الغيري، فلا معنى لمحركية الاستحباب النفسي. واضح الإشكال؟ فكيف يجتمع الاستحباب والوجوب على متعلق واحد ومحل فارد؟
[الجواب الأول على الاعتراض: اندكاك الاستحباب في الوجوب]
لكن هذا الإشكال قد يجاب عنه بأن الاستحباب لا يزول بذاته، نعم يزول بحده، فالاستحباب موجود والوجوب موجود، ويحصل لهما اندكاك فتحصل إرادة شديدة قوية نتيجة اندماج الاستحباب والوجوب معاً، فهذه الإرادة الشديدة القوية تمثل الاستحباب والوجوب معاً، فيمكن التقرب بالاستحباب. نعم يزول حد الاستحباب، لكن ذات الاستحباب باقٍ ومندك في الوجوب. واضح الجواب على هذا الإشكال؟ ترى درجة درجة نتنقل الآن.
[توضيح مفهوم "الحد"]
مداخلة: ما هو المراد من الحد؟
الحد هو ما يميز الاستحباب عن الوجوب، فهناك إرادة للاستحباب والوجوب، وهذه الإرادة لها حد أنها إرادة غير إلزامية في الاستحباب، وحد الوجوب الإرادة اللازمة، واضح إن شاء الله؟ يعني الحد هو ما يميز الاستحباب عن الوجوب، كل منهما فيه إرادة، حدهما الاستحباب الإرادة غير اللازمة، والوجوب الإرادة اللازمة، لكن أصل الإرادة موجود في الاستحباب والوجوب معاً.
إذاً، لا يمكن أن يجتمع الحدان: اللزوم وعدم اللزوم. إذا قلت اجتمع الاستحباب والوجوب ما يصير استحباب يعني إرادة غير لازمة، وجوب يعني إرادة لازمة، لا يمكن أن يجتمع الحدان: اللزوم وعدم اللزوم. لكن المحدودان يمكن أن يجتمعا، كلاهما إرادة، فيندكان وتشتد الإرادة.
[مناقشة الجواب الأول والرجوع إلى إشكال الدور]
لكن يمكن للمعترض التخلص من هذا الجواب ببيان أنه لو فُرض اندماج إرادة الاستحباب وإرادة الوجوب وتشكلت إرادة واحدة قوية شديدة، ونحن نفترض أن العبادية هي نتاج لبعض مراتب هذه الإرادة الشديدة، فلو أُخذ قصد الأمر في متعلق ذلك الأمر لزم الدور الذي التزمنا به في المنشأ الأول.
في المنشأ الأول قلنا هكذا: يستحيل أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر، لأنه يلزم منه ماذا؟ الدور، لأن قصد الأمر يتوقف على وجود أمر، والأمر يتوقف على وجود متعلق الأمر، ومتعلق الأمر أُخذ فيه قصد الأمر، فتوقف قصد الأمر على قصد الأمر.
فهنا إذا التزمت بوجود إرادة واحدة شديدة قوية، لكن هذه الإرادة لابد أن تدل على أمر عبادي، ما هو ملاك العبادية؟ أن تقيد هذه الإرادة بقصد امتثال الأمر، فهذه الإرادة الشديدة قد أُخذ في موضوعها العبادية، والمفروض أن العبادية من نتاج بعض مراتب هذه الإرادة الشديدة، ما هي بعض مراتبها؟ الاستحباب، فلزم أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر، وهذا دور باطل عاطل.
إذاً ينبغي الجواب بجواب يُحفظ فيه حد الوجوب وحد الاستحباب، ما يندكون اثنينهم ويصيرون إرادة واحدة يلزم محذور الدور كما في المنشأ الأول، بل لا بد من الحفاظ على حد الاستحباب وحد الوجوب معاً.
[الاتجاهان لحفظ حدي الوجوب والاستحباب]
وهنا يوجد مسلكان واتجاهان في حفظ حد الوجوب والاستحباب معاً
الاتجاه الأول: للسيد الشهيد الصدر (وهو الصحيح) أن حفظ الحدين نظراً لتعدد المتعلقين، فلا يوجد اتحاد في البين، والسر في ذلك - لاحظ معي الكلام الحلو يا حلو- : الاستحباب قد تعلق بذات الوضوء أي بالمطلق، والوجوب الغيري تعلق بالوضوء المقيد بالعبادية أي تعلق بالمقيد.
فعندنا حكمان: استحباب ووجوب، قد تغايرا في متعلقيهما، فمتعلق الاستحباب مطلق وهو ذات الوضوء، ومتعلق الوجوب الغيري مقيد وهو الوضوء المقيد بالعبادية. هنا حُفظ حد الاستحباب وحد الوجوب، لأن الاستحباب قد تعلق بمطلق الوضوء، مطلق الوضوء مستحب، بينما الوجوب الغيري للمقدمة لم يتعلق هذا الوجوب بمطلق الوضوء، بل بخصوص الوضوء المقيد بكونه عبادة هذا يصلح مقدمة إلى الصلاة.
إذاً الاتجاه الأول في حفظ الحدين (حد الاستحباب وحد الوجوب) هو الالتزام بتغاير المتعلقين، ولا يوجد فيه إشكال في البين الله يبعد عنكم البين وهو الموت.
[الاتجاه الثاني: ما يُنسب إلى الميرزا النائيني (طولية الإرادتين)]
الاتجاه الثاني: ما يُنسب إلى الميرزا النائيني رحمه الله من أن ملاك الانحفاظ للحدين هو طولية الإرادتين، أي أن الأمر الغيري في طول الأمر النفسي، فالوجوب تعلق بالأمر الغيري أي أن الواجب هو الوضوء الذي هو مقدمة لغيره وهو الصلاة.
دقق معي جيداً، إذاً هنا عندنا إرادة، إرادة الوضوء، إرادة الوضوء تعلقت بالوضوء، واضح إن شاء الله، هذه الإرادة الأولى إرادة الأمر الغيري، لكن لا يُراد مطلق الوضوء، بل يُراد خصوص الوضوء العبادي وعبادية الوضوء بالاستحباب النفسي.
إذاً هناك أمران: أمر بالوجوب وأمر بالاستحباب، إرادتان: إرادة الوجوب وإرادة الاستحباب، إرادة الوجوب في طول إرادة الاستحباب، لأن الاستحباب هو الذي يحقق عبادية الوضوء.
إذاً منشأ تغاير الحدين: حد الاستحباب وحد الوجوب، هو الطولية بين الإرادتين، فإرادة الوجوب الغيري في طول وفرع الاستحباب النفسي للوضوء. واضح أو لا؟
أعيد وأكرر (أخاف أمللكم لأنّ في المناقشات لا بدّ أصل المطلب ينقع حتى بعداً تقدر تفصل): إذاً هنا ليس الخلاف والملاك بين الحدين تغاير المتعلقين، المتعلق واحد: الوضوء، الاستحباب تعلق بالوضوء، والوجوب تعلق بالوضوء، ملاك تغاير الحدين في الاتجاه الثاني هو طولية الإرادتين، أي أن إرادة الوجوب في طول وفرع إرادة الاستحباب.
[مناقشة الشهيد الصدر للاتجاه الثاني (إشكال اجتماع الضدين)]
وهنا يناقش الشهيد الصدر فيقول: يوجد بين الاستحباب والوجوب تضاد، فالأحكام الخمسة من وجوب واستحباب وكراهة وإباحة وحرمة يوجد بينها تضاد، فالأحكام التكليفية الخمسة يوجد بينها تضاد، فإذا اتحد موضوعها لزم اجتماع الضدين، فإذا موضوع الاستحباب هو الوضوء، وموضوع الوجوب هو الوضوء، لزم اجتماع الضدين على موضوع واحد ومحل فارد، فلا يمكن الرد، عموماً واضح الإشكال.
[ملخص ملاكات تغاير الحدين]
إذاً يوجد ملاكان لتغاير حد الوجوب عن حد الاستحباب:
الملاك الأول: هو تغاير المتعلقين، فلا يلزم منه اجتماع الضدين لتغاير الموضوع، الاستحباب تعلق بالمطلق: ذات الوضوء، والوجوب تعلق بالمقيد: الوضوء المقيد بالعبادية، هنا يمكن اجتماع الحدين حد الاستحباب وحد الوجوب لتغاير المتعلقين.
الملاك الثاني: لاجتماع الحدين ما يُنسب إلى الميرزا النائيني، هو أنه الاختلاف في الطولية مو في عرض واحد، الأمر الغيري في طول الأمر النفسي.
جوابه هذا غير معقول، ما دام الموضوع واحد يلزم اجتماع الضدان على متعلق واحد.
[التحقيق في نسبة القول إلى الميرزا النائيني]
لكن هل نسبة هذا الكلام إلى الميرزا النائيني صحيح أو لا؟
إذا رجعنا إلى تقرير فوائد الأصول للكاظمي[1] ، نجد ما ذكره قريب مما أفاده الشهيد الصدر من أن ملاك التغاير هو طولية الإرادتين، لكن إذا رجعنا إلى التقرير الثاني وهو أجود التقريرات للسيد الخوئي[2] ، نجد أن كلام الميرزا النائيني أظهر في إرادة النحو الأول وهو تعدد المتعلق بالنحو الذي اختاره السيد الشهيد الصدر، مع أنه ذكر الطولية وعبّر بالطولية، لكن سياق الكلام قريب في أن الملاك هو تغاير المتعلقين. هذا تمام الكلام في الاعتراض الأول وهو المهم.
[الاعتراض الثاني: المستحب النفسي ليس هو ذات أفعال الوضوء بل عنوان الطهارة]
الاعتراض الثاني: إن المستحب النفسي ليس هو ذات الغسلات والمسحات في الوضوء، ليس هو ذات الفعل، بل المستحب المسبب وهو عنوان الطهارة الذي هو عنوان معنوي.
إذاً عندنا سبب: الغسلات والمسحات، وعندنا مسبب وهو الطهارة، والمقدمة هي المسبب: الطهارة، وليست هي السبب: الغسلات والمسحات. بالنتيجة يصبح الوضوء مطلوباً مقدمياً لا نفسياً.
صاحب الكفاية يقول إن الوضوء مستحب بالاستحباب النفسي، اتضح: لا، الوضوء ليس مطلوب بالاستحباب النفسي بل الغيري، يعني غسلتان ومسحتان حتى تصل إلى الوضوء الذي هو ماذا؟ عنوان الطهارة، فيعود الإشكال في قصد القربة في المقدمة.
[الجوابان على الاعتراض الثاني]
ويجاب بجوابين
الجواب الأول (مبنائي): صاحب الكفاية لا يبني على أن الوضوء هو الطهارة المسببة، بل يبني على أن الوضوء هو نفس السبب أي نفس الغسلتين والمسحتين، فلا يرد الإشكال في البين.
الجواب الثاني (بنائي): أي حتى لو بنينا على أن الوضوء ليس هو السبب كالغسلتين والمسحتين، بل المسبب وهو الطهارة، فإنه لا يرد هذا الإشكال، لأنه يمكن أن يُقال إن مقدمة الصلاة وشرطها هو نفس الطهارة المسببة لا تلك الأفعال من غسلتين ومسحتين، وهذه الطهارة لا بد من قصد أمرها من أول الشروع في هذه الأفعال، ما المانع من ذلك؟
يُقال: الصلاة واجب نفسي والطهارة واجب غيري، وهذا الواجب الغيري (الطهارة) مستحب استحباباً نفسياً، أي أنه أنت من تشرع في الغسلتين والمسحتين تقصد امتثال استحباب تحقق الطهارة التي هي أمر معنوي، لا مانع من ذلك، بناءً على أن المستحب النفسي هو الطهارة المسببة التي هي أمر مسبب عن الغسلتين والمسحتين، وليس المقدمة هي نفس المسحتين والغسلتين.
[الاعتراض الثالث: هل التيمم مستحب نفسياً؟]
الإشكال الثالث والأخير: صاحب الكفاية قال: الطهارات الثلاث بنفسها مستحبة فيشكل بأن التيمم ليس مستحباً بذاته، نعم يمكن أن يُلتزم بالنسبة إلى الوضوء، لكن من قال إن التيمم مستحب بالاستحباب النفسي؟
[الجواب على الاعتراض الثالث بالأدلة]
والجواب: يمكن استفادة استحباب التيمم بضم ما ورد من الروايات من أن التراب أحد الطهورين، بالإضافة إلى الآيات التي دلت على أن الله يحب المتطهرين. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[3] ، وقال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾[4] .
والتيمم مصداق بارز للطهارة، بل ورد في خصوصه روايات، كما في نقل الصدوق بإسناده عن محمد بن حمران وجميل بن دراج، أنهما سألا أبا عبد الله عليه السلام عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ فقال: "لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم، فإن الله عز وجل جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً"[5] . هذا تمام الكلام في الجهة الرابعة.
[خاتمة: الانتقال إلى الجهة التالية]
الجهة الخامسة: كيفية صياغة الوجوب الغيري إطلاقاً وتقييداً، يأتي عليها الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.