47/06/04
الدرس (271): مناقشة جواب الآخوند الخراساني على التقريب الثالث لإشكال الطهارات الثلاث
الموضوع: الدرس (271): مناقشة جواب الآخوند الخراساني على التقريب الثالث لإشكال الطهارات الثلاث
[مقدمة الدرس وموقع البحث]
كان مفاد التقريب الثالث لإشكال الطهارات الثلاث إننا لو اشترطنا العبادية في المقدمة فما هو منشأ العبادية؟ يوجد احتمالان: الاحتمال الأول هو قصد الواجب المقدمي أو الغيري، الاحتمال الثاني هو قصد الواجب النفسي أي ذا المقدمة، ويلزم إشكال الدور بناءً على المنشأ الأول أو المنشأ الثاني.
[الجواب السابق وظهور منشأ ثالث عند الآخوند]
وقد أجبنا أننا لو سلمنا أن الدور يلزم من المنشأ الأول فإنه لا يلزم الدور من المنشأ الثاني، لكن المحقق الخراساني في الكفاية ذكر منشأً ثالثاً لعبادية المقدمة وهو الاستحباب النفسي للمقدمة، فالوضوء الذي هو واجب غيري للصلاة تنشأ عبادية الوضوء ليس من قصد امتثال الواجب الغيري كما عليه المنشأ الأول، وليس من قصد التوصل إلى الواجب النفسي الذي هو الصلاة كما عليه المنشأ الثاني، بل منشأ عبادية الوضوء أمر ثالث وهو نفس الاستحباب النفسي للوضوء. فالوضوء مستحب بالاستحباب النفسي، فالطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم مستحبة نفساً مضافاً إلى مقدميتها للصلاة الواجبة، فيؤتى بالوضوء بقصد امتثال نفس هذا الأمر الاستحبابي بالوضوء، ولا يلزم دور.
[تمهيد الاعتراضات على الآخوند الخراساني]
وقد وُجّهت عدة اعتراضات إلى كلام صاحب الكفاية، بعضها وارد وبعضها ليس بوارد وقابل للدفع.
أما الاعتراضات الواردة، فأبرزها اعتراضان واردان:
[الاعتراض الأول: بطلان الوضوء عند الغفلة عن الاستحباب النفسي]
الاعتراض الأول: وهو ما أشار إليه نفس المحقق الخراساني في الكفاية وصار بصدد الجواب عنه، وهو أنه إذا كان المصحح لعبادية الوضوء هو قصد الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بالوضوء، يلزم من ذلك أنه في حالة اعتقاد المكلف بعدم استحباب الوضوء نفساً، أو إذا أتى بالوضوء كواجب غيري ولم يلتفت أصلاً إلى الاستحباب النفسي للوضوء، وتوجه المكلف بتمام نظره إلى الوجوب الغيري للوضوء، وقصد المكلف التوصل بالوضوء الذي هو مقدمة إلى الصلاة التي هي ذو المقدمة، وقد غفل عن وجود أمر استحبابي متعلق بالوضوء، فإنه بناءً على مبنى صاحب الكفاية يقع الوضوء باطلاً لأنه غير عبادي، وقوام العبادية بقصد الاستحباب النفسي، مع أن الضرورة الفقهية قاضية بأن هذا الوضوء صحيح ويصح من المتشرع حتى لو غفل عن الاستحباب النفسي للوضوء.
[جواب صاحب الكفاية: دلالة الداعي على الداعي]
وقد حاول صاحب الكفاية الإجابة على هذا الاعتراض بتصوير الداعي على الداعي، والداعي الأول هو قصد الواجب الغيري يعني قصد التوصل، والداعي الثاني الاستحباب النفسي للوضوء، فالاستحباب النفسي للوضوء هو الداعي الثاني وهو في طول وفرع الداعي الأول، فالداعي الأول دلَّ على الداعي الثاني أي أن قصد الأمر الغيري وقصد التوصل بالوضوء يكشف عن الداعي الثاني وهو الاستحباب النفسي للوضوء.
[توضيح معنى الداعيَين الطوليين في قصد المكلف]
بيان ذلك: إن من توضأ بداعي الأمر الغيري وداعي التوصل بالوضوء إلى الصلاة فهو قاصد للإتيان بمتعلق الأمر الغيري، ومتعلق الأمر الغيري متقوم بجزأين: الإتيان بالفعل هذا جزء، على الوجه العبادي هذا جزء آخر، وهذا الفعل إنما يكون ويصير عبادياً إذا قصد امتثال الاستحباب النفسي أي إذا قصد الأمر النفسي بالوضوء، إذاً هو قاصد لباً وإجمالاً للأمر النفسي بالوضوء، فيكون عند المكلف داعيان طوليان: الداعي الأول امتثال الأمر الغيري وهو يبعث نحو داعوية الداعي الآخر وهو الأمر النفسي.
[خلاصة جواب صاحب الكفاية: قصد إجمالي للأمر النفسي]
أعيد وأكرر جواب صاحب الكفاية: صاحب الكفاية يقول: إن قصد الأمر النفسي للوضوء أي امتثال استحباب الوضوء نفساً هذا مرتكز ومبطن في قصد المكلف امتثال الأمر الغيري بالوضوء، فهنا يوجد داعيان: الداعي الأول قصد امتثال الأمر الغيري، الداعي الثاني قصد امتثال الأمر النفسي للوضوء، وهذا من باب دلالة الداعي على الداعي. فالداعي الأول وهو قصد امتثال الأمر الغيري له متعلق وهو الواجب الغيري (الوضوء)، وهذا المتعلق أُخذ فيه قيد وشرط العبادية، والعبادية لا تتحقق إلا إذا تحقق منشأها، ومنشأ العبادية الاستحباب النفسي للوضوء، إذاً من قصد امتثال الأمر الغيري قصد إجمالاً امتثال الأمر النفسي للوضوء، هذا من باب دلالة الداعي على الداعي، دلالة الداعي الأول: امتثال الأمر الغيري، قصد التوصل بالغيري إلى النفسي على الداعي الثاني: امتثال الاستحباب النفسي للوضوء.
[نقد جواب الكفاية: توقف الانبعاث على الالتفات]
والجواب: جواب صاحب الكفاية لا يمكن قبوله، إذ أننا نسلم تعدد الداعي ويمكن أن يكون الداعي الأول مولداً للداعي الثاني فهذا معقول، لكنه يكون معقولاً في حالة واحدة وهي حالة الالتفات، فإذا التفت المكلف إلى الداعي الطولي وعلم أن الداعي الطولي الثاني فرع الداعي الأول فحينئذٍ يمكن أن ينبعث المكلف عن جهة وغاية.
[الانبعاث عن الداعي مشروط بالعلم والالتفات]
إذاً الانبعاث عن جهة وغاية فرع الالتفات إلى تلك الجهة والغاية وقصدها، والحال إن المكلف إنما قصد خصوص الداعي الأول فقصد التوصل بالوضوء، قصد امتثال الأمر الغيري بالوضوء ولم يلتفت إلى هذا التحليل العقلي من أن قصد الأمر الغيري يستلزم قصد متعلق الأمر الغيري، وأن متعلق الأمر الغيري عبادي، وأن هذه العبادية منشؤها الأمر النفسي إذاً يكون قاصداً للأمر النفسي... عوام الناس وسائر المكلفين ليس لديهم هذا التحليل الدقيق حتى يقصدونه، ثبّت العرش ثم النقش، فليلتفت أولاً لكي يقصد ثانياً.
[بيان الملاك العقلي للردّ: توقف داعوية الداعي الثاني على الالتفات]
إذاً، الانبعاث عن جهة وغاية يتوقف على الالتفات إلى تلك الجهة، فالأمر الغيري إنما يبعث إلى داعوية الأمر النفسي للوضوء لمن يكون ملتفتاً إلى كلٍّ منهما في مرتبته، يلتفت إلى داعوية الداعي الأول في مرتبته وداعوية الداعي الثاني في مرتبته، وإذا لم يلتفت فالداعي الأول يكون عاجزاً عن إيجاد الداعي الثاني، لأن فرض داعوية الداعي الثاني فرع محركية الداعي الأول للداعي الثاني، وفرض محركية الداعي الأول للداعي الثاني فرع التفات المكلف إلى الداعي الثاني بالإضافة إلى الداعي الأول، أما إذا لم يلتفت فكيف يحرك الداعي الأول نحو الداعي الثاني؟ إذاً ما أفاده صاحب الكفاية من أن منشأ عبادية المقدمة إنما هو الأمر النفسي الاستحبابي للمقدمة هذا ليس بتام.
[الاعتراض الثاني: تزاحم الاستحباب النفسي مع عناوين أخرى]
الاعتراض الثاني: ما أفاده رحمه الله لا يجري في تمام الموارد، ففي موارد التزاحم لا تتحقق عبادية المقدمة بمجرد وجود أمر استحبابي نفسي للوضوء.
[توضيح حالة التزاحم بين الاستحبابين]
بيان ذلك: قد ينطبق في بعض الموارد عنوان استحبابي راجح على ترك الوضوء بحيث لو لاوجوب الصلاة لكان فعل الوضوء وتركه سيان.
مثال ذلك: لو كان مؤمن تستحب إطاعته يحب ترك هذا الوضوء ويتأذى من الإتيان به حرصاً على بقاء الماء لاستعماله في غرض أهم، فهنا ترك الوضوء يشتمل على قضاء حاجة مؤمن، إذاً في مثل هذا المورد الاستحباب النفسي للوضوء مزاحَم باستحباب نقيضه على حد استحباب الفعل، فهنا يستحب الوضوء نفساً ويزاحمه استحباب ترك الوضوء لقضاء حاجة المؤمن، فيكون عندنا استحبابان اقتضائيان، وإذا صار الفعل والترك عند المولى على حد سواء لتزاحم الملاكين لا يعقل التقرب بمثل هذا الوضوء إلى المولى.
[ترجيح الوضوء من حيث مقدمية الصلاة لا من حيث استحبابه النفسي]
نعم، متى يرجح التقرب به؟ إذا وُجد أمر بالصلاة صار الأمر النفسي بذي المقدمة يرجح الإتيان بالوضوء لكونه مقدمة لذي المقدمة، فيرجح الإتيان بالوضوء لا للاستحباب النفسي للوضوء بل لكون الوضوء مقدمة لوجوب الصلاة.
[نتيجة الاعتراض الثاني: منشأ العبادية هو التوصل إلى ذي المقدمة]
إذاً يكون الإتيان بالوضوء أرجح بضم ملاك مقدمية الوضوء للصلاة، والمفروض على مبنى صاحب الكفاية أن قصد التوصل إلى الصلاة ليس مصححاً للعبادية، هذا قصد التوصل هو الملاك الثاني الذي رجحناه، وصاحب الكفاية جاء بملاك ثالث.
[ترقّي الإشكال: تزاحم الاستحباب مع وجوب الترك]
الآن نترقى في الإشكال: قلنا يوجد تزاحم بين استحباب الإتيان بالوضوء واستحباب ترك الوضوء، الآن سنترقى بل نقول: إن الاستحباب الإتيان بالوضوء نفساً قد يُزاحَم بوجوب تركه. مثال ذلك: لو أمر الوالد ولده بترك الوضوء وكانت إطاعة الوالد واجبة في هذا المورد، فحينئذٍ يكون الاستحباب النفسي للوضوء مزاحَماً بوجوب تركه لوجوب طاعة الأب، هنا لا يمكن الإتيان بالوضوء بقصد الاستحباب النفسي، فليس منشأ عبادية الوضوء الاستحباب النفسي للوضوء، بل في مثل هذا المورد إذا قُصد الإتيان بالوضوء مقدمة للتوصل إلى الصلاة الواجبة، وقلنا إن وجوب الصلاة أهم من وجوب طاعة الوالد، فيصير منشأ عبادية الوضوء هو قصد التوصل إلى الصلاة أي قصد التوصل إلى ذي المقدمة الواجب، والصلاة التي هي واجب نفسي وذو المقدمة أهم من ترك الوضوء طاعة للأب.
[النتيجة النهائية: نفي انحصار العبادية بالاستحباب النفسي]
هنا الذي صحح عبادية الإتيان بالوضوء ليس هو الاستحباب النفسي للوضوء لأنه معارض ومزاحَم بوجوب طاعة الأب، بل منشأ عبادية الوضوء هو قصد التوصل إلى ذي المقدمة، إذاً لابد أن يعترف صاحب الكفاية بأن عبادية وقربية الوضوء لا تنحصر بقصد الأمر الاستحبابي النفسي للوضوء، بل هناك أمر آخر قد يُقصد ويحقق العبادية وهو قصد التوصل إلى ذي المقدمة.
[خاتمة الدرس والإشارة إلى التتمة]
هذا تمام الكلام في الاعتراضين الواردين على صاحب الكفاية، تتمة الحديث تأتي.