47/06/02
الدرس (مائتان وسبعون): التقريب الثالث لإشكال الطهارات الثلاث هو لزوم الدور
الموضوع: الدرس (مائتان وسبعون): التقريب الثالث لإشكال الطهارات الثلاث هو لزوم الدور
[التقريب الثالث لإشكال الطهارات الثلاث: لزوم الدور]
التقريب الثالث لإشكال الطهارات الثلاث هو لزوم الدور، فبعد أن سلّمنا بجواب التقريب الثاني وافترضنا أن العبادية داخلة في حاق المقدمة وأن مقدمة الواجب كالوضوء أو التيمم أو الغسل يشترط فيها قصد القربة والعبادة، فالمقدمة ليست هي ذات الوضوء فقط بل خصوص الوضوء العبادي فالأمر الغيري إنما يتعلق بخصوص الوضوء العبادي ولا يتعلق بمطلق الوضوء.
[تمهيد التقريب الثالث]
إذا تجاوزنا التقريب الثاني للإشكال وافترضنا عبادية المقدمة يلزم التقريب الثالث للإشكال وهو لزوم الدور.
[احتمالان في منشأ عبادية المقدمة]
بيان ذلك: ما هو منشأ عبادية المقدمة؟
الجواب: يوجد احتمالان:
الاحتمال الأول قصد امتثال الأمر الغيري.
الاحتمال الثاني قصد التوصل إلى الأمر النفسي.
إذاً، يوجد منشآن لعبادية المقدمة كالوضوء فالوضوء العبادي إما تنشأ عباديته من قصد امتثال الأمر الغيري، يعني تقصد امتثال الأمر بالوضوء قربة إلى الله تعالى، والمنشأ الثاني لعبادية الوضوء قصد التوصل إلى الأمر النفسي أي تقصد بالوضوء التوصل إلى الصلاة التي هي أمر عبادي.
إذاً منشأ عبادية المقدمة أحد احتمالين: يوجد منشآن لعبادية المقدمة إما قصد امتثال الأمر الغيري وإما قصد التوصل إلى الأمر النفسي. إلى هنا واضح؟
وعلى كلا الاحتمالين يلزم الدور، إذاً افترض عبادية المقدمة يلزم منه الدور وهو محال، إذاً يستحيل افتراض عبادية المقدمة.
بيان الدور على كلا المنشئين
المنشأ الأول: عبادية المقدمة ناشئة من قصد امتثال الأمر الغيري. وهنا يلزم الدور المعروف والذي يُذكر في بحث الواجب التعبدي والواجب التوصلي، إذ يُذكر هناك يستحيل أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر، لأنه يلزم من ذلك أن قصد امتثال الأمر متقدم على الأمر لأنه أُخذ في متعلق الأمر، والأمر متقدم على قصد امتثال الأمر، لأن قصد امتثال الأمر هذا القصد متعلَّقُه هو الأمر، فيصير قصد امتثال الأمر متوقف على قصد امتثال الأمر وهذا دور محال.
[إعادة تفصيل الدور بناءً على المنشأ الأول]
أعيد وأكرر الدور بناءً على المنشأ الأول: قصد امتثال الأمر يتوقف على وجود أمر، والأمر يتوقف على وجود متعلَّق الأمر، ومتعلَّق الأمر أُخذ فيه قصد امتثال الأمر، فمتعلَّق الأمر يتوقف على قصد امتثال الأمر، صار قصد امتثال الأمر متوقفاً على قصد امتثال الأمر. الدور واضح أو لا؟
أعيد ثالثة: قصد امتثال الأمر يتوقف على وجود أمر، والأمر يتوقف على وجود متعلَّقه، ومتعلَّق الأمر يتوقف على وجود القيد الذي أُخذ في متعلَّق الأمر وهو قصد امتثال الأمر، فتصير النتيجة قصد امتثال الأمر متوقف على قصد امتثال الأمر.
إذاً، بناءً على أن العبادية قد فُرضت بلحاظ قصد امتثال الأمر الغيري (أي المنشأ الأول) هنا يلزم الدور، لأن العبادية وهي قصد امتثال الأمر أُخذت في متعلَّق الأمر فكيف يُفرض نظرها إلى هذا الأمر؟ هذا المنشأ الأول الاحتمال الأول.
[الاحتمال الثاني: منشأ العبادية هو قصد التوصل إلى الأمر النفسي]
الاحتمال الثاني: منشأ العبادية عبادية المقدمة هو قصد التوصل إلى الأمر النفسي، وهنا يلزم الدور إذ أن قصد التوصل يتوقف على المقدمية والمقدمية تتوقف على قصد التوصل،
النتيجة: قصد التوصل يتوقف على قصد التوصل وهذا من توقف الشيء على نفسه وهو محال.
[شرح توقف قصد التوصل على المقدمة]
خلاصة الدور: قصد التوصل يتوقف على المقدمة والمقدمة تتوقف على قصد التوصل، صار قصد التوصل يتوقف على قصد التوصل والمقدمة تتوقف على المقدمة وهذا دور محال.
الآن نشرح كيف قصد التوصل يتوقف على المقدمة: قصد التوصل بالوضوء إلى الصلاة هذا فرع كون الوضوء مقدمة للصلاة، فهنا قصد التوصل يتوقف على المقدمية إذ لا يُعقل قصد التوصل بشيء إلى شيء لا يكون مقدمة له. جيد.
[شرح توقف المقدمية على قصد التوصل]
الآن نبين الشق الثاني: المقدمية تتوقف على قصد التوصل. نقول: كون الوضوء مقدمة للصلاة فرع قصد التوصل، لأننا افترضنا أن العبادية دخيلة في مقدمية المقدمة، فليس مجرد الوضوء مقدمة بل خصوص الوضوء العبادي (يعني الذي يوصل إلى ذي المقدمة). إلى هنا واضح إن شاء الله؟.
[الجواب عن إشكال الدور في المنشأ الثاني]
والجواب: لو سلّمنا ثبوت الدور بناءً على المنشأ الأول وقلنا ببطلان الشق الأول بسبب لزوم الدور، لكننا نلتزم بالمنشأ الثاني ولا نسلّم ببطلان الشق الثاني إذ لا دور فيه.
[تحقيق في حقيقة المقدمة: هل هي مجموع أمرين؟]
توضيح ذلك: ما هو المقدمة؟ هل المقدمة مجموع أمرين الوضوء الخارجي والوضوء الجَناني (يعني نية التقرب إلى الله)، فمجموع أمرين هو المقدمة الوضوء الخارجي والقصد الجَناني (من جنان يعني قلب حتى نسوي سجعة حلوة بعد يا حلو)، أم أن المقدمة هي خصوص القصد الجَناني ونية القربة ولا دخل للوضوء الخارجي؟
الجواب: الصحيح: إن المقدمة هي مجموع أمرين. وجزء المقدمة جزء، الجزء الأول للمقدمة هو الوضوء الخارجي، الجزء الثاني للمقدمة هو القصد الجَناني (يعني قصد التقرب إلى الله)، إذاً، المقدمة ليست هي خصوص مجرد انقداح حالة التقرب في النفس بل المقدمة هي عبارة عن مجموع أمرين: الفعل الخارجي والتقرب إلى الله.
[نتيجة التحليل: لا دور بناءً على مجموعية المقدمة]
وبناءً على ذلك، يكون الفعل الخارجي أيضاً مقدمة، لأن جزء المقدمة مقدمة فيُعقل قصد التوصل بجزء المقدمة إلى ذي المقدمة إذ لا يتوقف ذلك إلا على دخله ضمناً في تحقق ذي المقدمة وهو حاصل، ومن حسن الصدفة أن نفس قصد التوصل هو الجزء الآخر وبذلك تتحقق المقدمة كاملاً بلا لزوم دور.
[خلاصة الجواب]
ما هو الإشكال؟ قصد التوصل يتوقف على المقدمة والمقدمة تتوقف على قصد التوصل، فيلزم الدور وهو توقف قصد التوصل على قصد التوصل.
الجواب: قصد التوصل يتوقف على أصل المقدمة لا على تمام المقدمة، لماذا؟ لأن المقدمة وهي الوضوء مؤلفة من جزأين: الجزء الأول التقرب، الجزء الثاني الوضوء الخارجي. قصد التوصل يتوقف على جزء من المقدمة وهو التقرب إلى الله ولا يتوقف على الجزء الآخر الذي هو الوضوء الخارجي.
فإذاً لاحظ معي الجواب: أنت تقول إن قصد التوصل يتوقف على المقدمية؟ الجواب: لا نسلّم هذا، نقول: قصد التوصل يتوقف على أصل المقدمية لا تمام المقدمية، لأن تمام المقدمية بإحراز كلا جزأيها الجزء الأول التقرب والجزء الثاني هو الوضوء الخارجي، فلا دور.
متى يصير الدور؟ إذا قصد التوصل يتوقف على كلا الجزأين للمقدمة، ثم كلا جزأي المقدمة يتوقف على قصد التوصل.
[إحالة إلى المصادر (التقارير)]
يُراجع تقرير السيد محمود الهاشمي[1] ، إذ هو تقرير موجز، وأحياناً العبارة الموجزة المضغوطة تكون أبلغ من العبارة المُسهَبة والمطولة، يُراجع أيضاً تقرير الشيخ حسن عبد الساتر[2] ، وتقرير السيد كاظم الحائري[3] .
[نقل نص السيد محمود الهاشمي الشاهرودي]
قال السيد محمود رحمه الله الهاشمي الشاهرودي: لأن قصد التوصل فرع المقدمية والمقدمية لكونها قربية فرع قصد التوصل. هذا بيان إشكال الدور.
وفيه، أن قصد التوصل فرع أصل المقدمية لا تماميتها، وذات الفعل أيضاً مقدمة إذ به يتحقق جزء من المقدمة وجزؤها الآخر نفس القصد، فبقصد التوصل بالجزء الأول يحصل الجزء الثاني أيضاً فلا يتوقف قصد التوصل على قصد التوصل.
[نتيجة التقريب الثالث]
إلى هنا تم جواب التقريب الثالث وذلك باختيار أن منشأ العبادية ليس هو المنشأ الأول أي قصد امتثال الأمر الغيري، بل منشأ عبادية المقدمة هو قصد الأمر النفسي ولا يلزم إشكال الدور ودفعناه.
[المنشأ الثالث لعبادية المقدمة عند صاحب الكفاية]
لكن صاحب الكفاية رحمه الله ذكر منشأً ثالثاً لعبادية المقدمة، وقال: إن منشأ عبادية المقدمة كالوضوء هو الاستحباب النفسي للوضوء، فإن الطهارات الثلاثة الوضوء والغسل والتيمم مضافاً إلى كونها مقدمة للصلاة الواجبة فإنها تتصف بالأمر النفسي أي أنها مستحبة نفساً، فيُؤتى بالوضوء بقصد امتثال هذا الأمر الاستحبابي ولا يلزم منه دور. واضح كلام صاحب الكفاية؟
[مناقشة منشأ صاحب الكفاية واعتراضاته]
يقول: منشأ عبادية المقدمة كالوضوء هو الأمر النفسي باستحباب الوضوء، فنحن استفدنا عبادية المقدمة من الأمر النفسي لا من المنشأ الأول وهو قصد امتثال الأمر الغيري والمقدمي ولا من المنشأ الثاني وهو قصد امتثال الأمر النفسي وقصد امتثال ذا المقدمة.
إذاً، لا نقصد لا الأمر الغيري للمقدمة ولا الأمر النفسي لذي المقدمة، بل نقصد الأمر النفسي لنفس المقدمة، ولا يلزم منه إشكال الدور.
وقد اعترض على صاحب الكفاية بعدة اعتراضات بعضها واردٌ وبعضها ليس بواردٍ، فتكون النتيجة عدم صحة المنشأ الأول والمنشأ الثالث: عدم صحة المنشأ الأول للزوم الدور، وعدم صحة المنشأ الثالث الذي ذكره صاحب الكفاية لوجود اعتراضين واردين عليه، لكن المنشأ الثاني صحيح، وقد رفعنا إشكال الدور عنه.
[خاتمة التقريب الثالث]
وبالتالي يكون التقريب الثالث ليس بتام نتيجة تمسكنا بالمنشأ الثاني وحلّ مشكلة الدور فيه.
يبقى الكلام في المنشأ الثالث وهو الاستحباب النفسي للوضوء، الاستحباب النفسي للمقدمة يوجد اعتراضان تامان واعتراضات أخرى غير تامة قابلة للنقاش.
بيان الاعتراضين التامين يأتي عليهما الكلام.