« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/05/26

بسم الله الرحمن الرحيم

(266) مخالفة السيد الخوئي (ره) للمشهور في استحقاق الثواب على الواجب الغيري

الموضوع: (266) مخالفة السيد الخوئي (ره) للمشهور في استحقاق الثواب على الواجب الغيري

 

[المقدمة: بيان موقف المشهور وخلاف السيد الخوئي]

قلنا: ذهب المشهور إلى أنه لا عقاب ولا ثواب على الأمر المقدمي، لكن السيد الخوئي رحمه الله خالف المشهور في الثواب، وقال: كلما كثرت المقدمات كثرت أسباب الثواب، فمن أتى بمقدمة وذيها استحق ثوابين، ومن أتى بالواجب بلا حاجة إلى مقدمة استحق ثواباً واحداً.

وقد يُستدل على هذا الكلام بدليلين ويُستشهد له بشاهدين:

[الشاهد الأول: دليل الوجدان (ومراجعة له)]

الشاهد الأول: شهادة الوجدان بالفرق في الثواب بين من طوى مقدمات كثيرة جداً حتى استطاع أن يصل إلى تحصيل الماء للمولى مثلاً، وبين من كان الماء إلى جنبه فأخذه وقدَّمه للمولى، فالوجدان يحكم بالفرق بين من حجَّ وهو من أهل مكة، وبين من جاء من أقصى الدنيا لكي يحج في مكة.

لكن هذا الاستشهاد في غير محله، فإنه لا كلام في أن الثواب يزداد بازدياد المقدمة ولم ينكر المشهور ذلك، وإنما الكلام في أنه هل هناك أسباب متعددة للثواب أو سبب واحد وهو ذو المقدمة؟ وهذا الشاهد الوجداني لا يشهد لأكثر من ازدياد حجم الثواب، وازدياد حجم الثواب ليس ملازماً لتعدد أسباب الثواب، وإلا فماذا تقول في أجزاء الواجب الارتباطي الواحد الذي لا كلام في أنه ليس إلا سبباً واحداً لثواب واحد يختلف حجمه باختلاف مقدار الأجزاء.

[الشاهد الثاني: دليل التعظيم (ومراجعة له)]

وأخرى الشاهد الثاني: يُستدل له بأن الثواب المولوي بكون الملاك هو ملاك التعظيم، تعظيم المولى، والإتيان بالمقدمة بقصد التوصل إلى ذي المقدمة تعظيم للمولى، وبعد هذا إذا أتى بذي المقدمة كان تعظيماً آخر، فيتعدد الثواب.

إذاً يوجد تعظيمان: تعظيم بالإتيان بالواجب النفسي وتعظيم بالإتيان بالواجب الغيري، فهناك تعظيمان فيستحق ثوابان: ثواب على تعظيم الواجب النفسي وثواب على تعظيم الواجب الغيري.

لكن الوجه الثاني أيضاً ليس بتام كالوجه الأول.

وجوابه: أن هذين الفردين وإن كانا تعظيمين للمولى لكن الثواب المولوي الذي يدركه العقل لا يتكثر بتكثر التعظيمات، بل يتكثر بتكثر موضوعات الثواب الانفعالي، فمجموع تعظيمات عديدة إذا كانت موضوعاً واحداً للثواب الانفعالي كان الثواب المولوي أيضاً مترتباً على ذلك الموضوع، وإلا لنقضنا أيضاً بالواجب الارتباطي كالحج الذي فيه الطواف الواجب والسعي الواجب والوقوف بعرفات الواجب، فإن الإتيان بكل جزء من أجزاء الحج تعظيم مع أنه لا إشكال في أنه ليس إلا موضوعاً مستقلاً لثواب مستقل، فالثواب واحد على الحج لا أن الثواب متعدد على عدد أجزاء الحج.

ومن هنا يتضح أن الثواب قد يعظم بكثرة المقدمات لكنه لا يتعدد.

[مناقشة إضافية: إشكال تفضيل المقدمة على الجزء]

ويمكن أن نَنقض على ما نُسب للسيد الخوئي بأن هذا يلزم منه أن المقدمة أحسن حالاً من الجزء، فالوضوء قد يكون مقدمة وقد يكون جزءاً من الصلاة أو الحج، فإذا صار مقدمة يستحق عليه الثواب، وإذا صار جزء من الحج أو الصلاة - ومن المسلَّم أن الثواب لا يكون على الأجزاء الارتباطية بل الثواب على المجموع مجموع الصلاة أو مجموع الحج - فيلزم من ذلك أن الوضوء إذا كان مقدمة يُثاب عليه وإذا كان جزءاً لا يُثاب عليه، فتصير المقدمة أحسن حالاً من الجزء، بحيث لو فُرض الوضوء مقدمة كان تعظيماً ولو صار الوضوء جزءاً لم يكن تعظيماً، هذا لا يمكن الالتزام به.

[بيان الثمرة العملية للخلاف: حالة قطع النية قبل إكمال العمل]

وتظهر الثمرة بين ما نقوله من وحدة الثواب ووحدة سببه وإن زاد حجمه بكثرة المقدمات، وما يُقال من تعدد الثواب وتعدد سببه: أنه بناءً على ما نقوله من أن كثرة المقدمات وكثرة التعظيمات توجب زيادة حجم الثواب ولا توجب تعدد أسباب الثواب، فحينئذ يصح أن ندَّعي ما هو مطابق للوجدان من أنه لو أتى بمقدمات كثيرة بداعي خدمة شخص ثم أحجم عن إيصالها إلى النتيجة لا لأجل العجز أو وجود صعوبة أو مشقة بل لمجرد حصول البداء وتغير النية، فحينئذ لا يستحق الثواب.

مثال ذلك: من أخذ مالاً وسافر وطوى مقدمات إلى أن وصل إلى باب دار زيد وأراد أن يوصل هذا المال إلى زيد، لكن حينما وصل إلى باب الدار تغيَّر رأيه وتغيَّرت نفسيته ولم يطرق الباب ولم يوصل المال إلى زيد ورجع إلى بيته، أفهل يوجد عاقل يقول إنه يستحق الثواب؟ كلا وألف كلا، ما يحصل ثواب لأن ملاك الثواب الانفعالي لم يتحقق إذ أن زيد لم يقبض المال وينفعل انفعالاً مفرحاً حتى يعطي الجائزة للعبيد الذي جاء بالمال.

لكن لو قلنا بأن كل مقدمة من المقدمات يستحق عليها الثواب لأن كل مقدمة من المقدمات تعظيم من التعظيمات وعلى كل تعظيم يستحق الثواب، فهنا يستحق عدة تعظيمات ويستحق مثوبات متعددة وإن لم يصل المال إلى زيد، فلو حضَّر المال وسافر واستقل السيارة وأخذ الوسائط، كل هذه المقدمات يستحق عليها الثواب، فقط ما يستحق الثواب الأخير وهو طرق الباب الذي هو مقدمة لخروج زيد.

إذن بناءً على أن ملاك الثواب في المقدمة هو التعظيم يلزم أن من قطع شوطاً إلى أن وصل إلى الباب ولم يسلِّم المال يستحق مثوبات متعددة حتى لو لم يوصل المال إلى زيد.

بل حتى لو التزمنا بأن الواجب من المقدمة هو خصوص المقدمة الموصلة إلى ذي المقدمة، وهنا هذه المقدمات من سفر وتهيئة مال لم توصل إلى ذي المقدمة وهو تسلُّم زيد للمال - حتى على مبنى وجوب خصوص حصة المقدمة الموصلة فإنه يستحق عدة ثوابات.

والسر في ذلك: أنه منقاد إذ أتى بتلك المقدمات بقصد التوصل إلى ذي المقدمة وحصول البداء له في الأخير عند دق الجرس لا يضر بكون ما أتى به من مقدمات كان عن انقياد وبقصد التوصل إلى ذي المقدمة تعظيماً للمولى، صحيح أو لا؟ هو حينما شرع في السفر كان يريد أن يعظم المولى ويعظم زيد، وحينما غلَّف المال بهدية حلوة يا حلو كان أيضاً يقصد التوصل، كان منقاداً.

وأما لو لم نبنِ على وجوب خصوص المقدمة الموصلة فمن الواضح أنه يستحق الثواب حتى لو أتى بالمقدمات من البداية وقاصداً ترك ذي المقدمة، من أول الأمر قاصداً ترك ذي المقدمة يستحق الثواب، لأننا نلتزم بأن المقدمة الواجبة هي مطلق المقدمة لا خصوص المقدمة الموصلة، وهو جاء بالمقدمات.

النتيجة النهائية: قد تحصَّل أن حجم العوض يختلف سعةً وضيقاً بكثرة المقدمات وقلتها، أي حجم الثواب يختلف بحسب حجم المقدمات لكن لا من باب تعدد أسباب الثواب بل من باب إن أفضل الأعمال أحمزها.

[توضيح هام: مراجعة كلام السيد الخوئي من مصدر آخر (تقرير الشهيد الصدر)]

أقول: راجعت تقرير الشهيد الصدر الثاني لبحث السيد الخوئي[1] [2] فوجدت السيد الخوئي يصرح بأن الثواب إنما هو على خصوص الواجب النفسي لا على الواجب الغيري، وأن المكلف إنما يُثاب على خصوص الواجب النفسي لا على الواجب الغيري، ثم قال: لو قلنا إن ملاك الثواب هو التعظيم لقلنا بتعدد الثواب، إذ أن الإتيان بالواجب النفسي تعظيم والإتيان بالواجب الغيري تعظيم، إذن يلزم الالتزام بتعدد الثواب إن قلنا إن ملاك الثواب هو التعظيم.

وأين هذا الكلام لسيد أساتذتنا السيد الخوئي رحمه الله مما نُسب إليه هنا في تقرير سيدنا الأستاذ السيد كاظم الحسيني الحائري؟!. ويُراجع كلام السيد الخوئي للدقة[3] [4] .

[تتمة البحث: تحليل الفروض المختلفة في عمل المكلف]

وكيف كان؟ فعندنا فروض:

الفرض الأول: أن المكلف يأتي بالمقدمة بقصد التوصل إلى ذي المقدمة لامتثال أمره، أي أن المحرك للمكلف إلى المقدمة هو نفس الأمر بذي المقدمة، وهنا لا إشكال في أن امتثال الأمر بذي المقدمة دخيل في تحقق الثواب، وأن كثرة المقدمات دخيلة في حجم وسعة الثواب.

الفرض الثاني: أن يأتي المكلف بالمقدمة لغرض دنيوي لا يمت إلى المولى بصلة، كما لو سافر من بلده من أجل التجوال وتغيير الجو فرأى نفسه في مكة ثم بدا له أن يأتي بذي المقدمة ويحج، وهنا لا إشكال أن الإتيان بالسفر هنا لا دخل له في حجم العوض ولا في سعة الثواب.

يبقى الكلام في نقطة وهو أنه: هل يمكن التقرب إلى الله بالأمر الغيري المتعلق بالمقدمة؟ أي أن المكلف لا يتقرب إلى الله بالأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة ولا يكون إتيانه بالمقدمة لمجرد داعٍ دنيوي بعيد عن امتثال الأمر بذي المقدمة، يعني لا الفرض الأول موجود أنه توضأ أو سافر قاصداً للمقدمة حتى يحصل على الثواب، ولا الأمر الثاني موجود أنه جاء به صدفة، بل قصد الإتيان بالمقدمة بداعي خصوص الأمر الغيري المتعلق بالمقدمة.

فإذا افترضنا أن الثواب المترتب على الواجب الغيري ليس مستقلاً وأن كثرة المقدمات إنما هي توسّع حجم ثواب امتثال الأمر بذي المقدمة، فهل يمكن التقرب إلى الله بالإتيان بالمقدمة دون ذي المقدمة؟ يعني هو قصد أن يتقرب إلى الله بالسفر دون الحج، قصد يتقرب إلى الله بالوضوء دون الصلاة؟ هو لم يأتِ بالسفر بمعزل عن الحج، هو قصد السفر للحج وتقرَّب إلى الله بهذا السفر للحج لكن ما قصد يحج.

ذهب المشهور إلى أن هذا تقرُّب غير معقول في ذاته، وقد يُقرَّب ذلك بعدة وجوه يأتي عليها الكلام.


[1] . تقريرات السيد الخوئي في الاصول، ج3، ص108.
logo