47/05/24
(264) فرضان تختل فيهما نكتة الانحلال الحكمي
الموضوع: (264) فرضان تختل فيهما نكتة الانحلال الحكمي
[المقدمة: التذكير بقانون الانحلال الحكمي وشروطه]
ذكرنا أنه يوجد قانون كلي للانحلال ويسري في مقامات عديدة منها أربعة، وذكرنا هذا الملاك والضابط الكلي وهو أنه كلما تشكّل علم إجمالي بأحد تكليفين، كوجوب الوضوء ووجوب الزيارة، وكانت مخالفة أحدهما مستلزمة لمخالفة الآخر دون العكس، فمخالفة الوضوء تستلزم مخالفة الزيارة أو الصلاة المقيدة بالوضوء بينما مخالفة الزيارة أو الصلاة لا يستلزم مخالفة الوضوء، ففي مثل ذلك لا تجري البراءة عن الوضوء لأنها مساوقة للمخالفة القطعية، لكن البراءة تجري عن تقيُّد الصلاة أو الزيارة بالوضوء بلا معارض.
هذا هو الضابط العام للانحلال الحكمي، وهو إنما يجري في فرض اتحاد وقت الحكمين أو أن الأول كالوضوء أوسع من حيث الابتداء فقط أو أوسع من حيث الانتهاء فقط أو أوسع من كلا الجانبين: الابتداء والانتهاء معاً، لكن نكتة الانحلال الحكمي لا تتحقق في تباين الوقتين أو أن الثاني أوسع وقتاً.
[القسم الأول: ذكر فرضي اختلال النكتة]
إذن يوجد فرضان لاختلال نكتة الانحلال الحكمي، الفرض الأول يجري في الصورة الثانية والرابعة معاً فلا يتحقق الانحلال الحكمي، وأما الفرض الثاني فإنما يجري في خصوص الصورة الثانية دون الصورة الرابعة فيجري فيها الانحلال الحكمي، ولنذكر الفرضين تباعاً لنرى كيف أن الانحلال الحكمي لا يتحقق لنكتة في الفرض الأول والثاني.
[الفرض الأول لاختلال النكتة: تباين زماني الوجوب]
الفرض الأول: تباين الزمانين
زمان الوجوب الأول وزمان الوجوب الثاني، كما لو علمنا إجمالاً إما بوجوب إيقاع الوضوء من الصباح إلى الزوال فقط، فالوجوب النفسي للوضوء منحصر بما قبل الزوال، وأما الوجوب الثاني وهو وجوب الزيارة المقيدة بالوضوء ووقتها من الزوال إلى الغروب.
إذاً علمنا إجمالاً إما بوجوب الوضوء نفساً أو وجوب الزيارة نفساً، لكن هناك تباين في الزمانين، فوجوب الوضوء قبل الزوال ووجوب الزيارة بعد الزوال، وهنا لا يتحقق الانحلال الحكمي لا في الصورة الثانية ولا في الصورة الرابعة، لأن ضابط الانحلال الحكمي أن انتفاء أحدهما كالوضوء يستلزم انتفاء الآخر (الزيارة)، والعكس غير صحيح، انتفاء الزيارة لا يستلزم انتفاء الوضوء، فتجري البراءة الشرعية عن وجوب تقيُّد الزيارة بالوضوء بلا معارض، ولا تجري البراءة عن وجوب الوضوء إذ أنه ترخيص في المخالفة القطعية.
[توضيح الفرق بين الصورة الثانية والرابعة]
هذا ضابط الانحلال الحكمي، لكن في صورة اتحاد الزمانين أو أن زمان الوضوء أوسع إما في الابتداء أو الانتهاء أو في الابتداء والانتهاء معاً.
لكن الفرض الأول فُرِضَ فيه تباين الزمانين، فزمان الوجوب النفسي قبل الزوال وزمان الوجوب النفسي للزيارة بعد الزوال، فلنذكر الحكم في الصورة الثانية والصورة الرابعة.
سؤال: ما الفرق بين الصورة الثانية والصورة الرابعة؟
في الصورة الثانية نشك في أصل وجوب الزيارة هل هي واجبة أو لا؟ لكن إذا وجبت لا بد من الوضوء ولا بد من تقيُّدها بالوضوء، بينما في الصورة الثانية نحرز وجوب الزيارة كإحرازنا لوجوب الصلاة، إذاً الفارق بين الصورة الثانية والصورة الرابعة: أن الواجب الثاني غير الوضوء يكون محتملاً في الصورة الثانية، ومؤكداً في الصورة الرابعة، لكننا نعلم إجمالاً إما بوجوب الوضوء نفساً وإما بوجوب الزيارة نفساً لكن مع اختلاف الزمانيين وجوب الوضوء النفسي مقيد بما قبل الزوال، ووجوب الزيارة النفسية مقيد بما بعد الزوال، ولنَدْرُس الحكم في الصورتين.
[تطبيق الفرض الأول على الصورة الثانية (شك في أصل الوجوب)]
أما الصورة الثانية فنقول: يمكن للمكلف أن يخالف الوجوب النفسي للوضوء من دون مخالفة وجوب الزيارة المقيدة بالوضوء بعد الزوال، وذلك بأن لا يتوضأ قبل الزوال لكنه يتوضأ بعد الزوال ويزور، فهنا خالف الواجب الأول المحتمل، كما يمكنه مخالفة الثاني فيمكنه أن يخالف الوجوب النفسي للزيارة المقيدة بالوضوء بعد الزوال، دون مخالفة الوجوب النفسي للوضوء، وذلك بأن يتوضأ قبل الزوال من دون أن يأتي بالزيارة بعد الزوال، فهنا يتعارض الأصلان، ولا يتحقق الانحلال الحكمي.
أُعيد وأقول وأكرر: مطلب سهل ما فيه صعوبة، إذا اختلف زمان الوجوب النفسي للوضوء والزيارة بأن كان وجوب الوضوء النفسي مقيد بما قبل الزوال، والوجوب النفسي للزيارة مقيد بما بعد الزوال، هنا النكتة في الانحلال الحكمي أن مخالفة أحدهما تستلزم مخالفة الآخر لا تتحقق لا في الأول ولا في الثاني.
في الأول يمكمن أن ما يتوضأ قبل الزوال، لكن بعد الزوال يتوضأ ويزور، يتوضأ ويصلي، هنا ترك الأول لم يستلزم ترك الثاني، والعكس بالعكس يمكنه أن لا يتوضأ وبعد الزوال يتوضأ ويصلي، ويمكنه لاحظ معي في الواجب الأول يمكنه أن يتوضأ وبعد الزوال لا يتوضأ ولا يزور، ويمكنه بالعكس ما يتوضأ وبعد الزوال يتوضأ ويزور، فمخالفة أحدهما لا تستلزم مخالفة الآخر، يعني ترك الوضوء ما يستلزم ترك الزيارة، وترك الزيارة ما يستلزم ترك الوضوء نظراً لتغاير وقتيهما، واضح أو غير واضح؟
أُعيد وأكرر ثالثة: يمكن للمكلف أن يترك الوضوء إلى ما قبل الزوال، وهذا ما يستلزم ترك الزيارة ما بعد الزوال، بعد الزوال يتوضأ ويزور، فهنا ترك الأول لم يستلزم ترك الثاني، والعكس بالعكس، يمكنه أن يتوضأ قبل الزوال وبعد الزوال ما يتوضأ ولا يزور، فهنا ترك الثاني وهو الزيارة لم يستلزم ترك الأول.
إذن ضابط ونكتة الانحلال الحكمي وهو أن ترك أحدهما يستلزم ترك الآخر لن تتحقق، هذا في أين؟ في الصورة؟ الثانية.
[تطبيق الفرض الأول على الصورة الرابعة (قطع بوجوب الطرف الثاني)]
كذلك في الصورة الرابعة وهي ما لو قطعنا بالوجوب النفسي للزيارة لأن في الصورة الثانية ترددنا في ثبوت الوجوب النفسي للزيارة، لكن في الصورة الرابعة نقطع بالوجوب النفسي للزيارة أو الصلاة، فهنا ترددنا بين تقيد الزيارة بالوضوء أو الوجوب النفسي للوضوء، هنا أيضاً يمكن للمكلف مخالفة أحدهما دون مخالفة الآخر، فيمكنه مخالفة الوجوب النفسي الاستقلالي للوضوء بتركه من دون مخالفة الوجوب الضمني للوضوء المقيِّد للزيارة أو الصلاة، وذلك بأن لا يتوضأ قبل الزوال ويتوضأ بعد الزوال ويصلي أو يزور، هنا ترك الأول ولم يستلزم ترك الثاني، وهكذا العكس يمكنه مخالفة الوجوب الضمني للوضوء من دون مخالفة الوجوب النفسي لوضوء، وذلك بأن يتوضأ قبل الزوال ولا يتوضأ ويهرب ولا يتوضأ بعد الزوال ولا يصلي ولا يزور.
إذن في الفرض الأول مع تباين الزمانين: زمان الوجوب الأول وزمان الوجوب الثاني، نكتة الانحلال الحكمي لا تتحقق، ما هي النكتة؟ إن مخالفة أحدهما تستلزم مخالفة الآخر دون العكس، فتجري البراءة في الآخر من دون أن تعارض بجريان البراءة في الحكم الذي تستلزم مخالفته مخالفة الحكم الآخر، واضح إن شاء الله الفرض الأول الذي تزول فيه نكتة الانحلال الحكمي.
[الفرض الثاني: سعة دائرة الشرطية (الوجوب الغَيري)]
الفرض الثاني: النكتة تزول في الصورة الثانية دون الصورة الرابعة.
الفرض الثاني: أن تكون دائرة الشرط في الوجوب الغَيري أوسع من دائرة الوجوب النفسي، بأن نفترض أن الوضوء إذا كان واجباً نفسياً فلا بد من إيقاعه قبل الزوال، وإن كان واجباً غَيرياً وشرطاً في الزيارة فالشرط يتحقق بالوضوء قبل الزوال ويتحقق بالوضوء بعد الزوال.
إذاً لاحظ معي الفارق بين الفرض الأول والفرض الثاني، في الفرض الأول افترضنا تباين الزمانين: زمان الوجوب النفسي للوضوء قبل الزوال وزمان الوجوب الغَيري للوضوء بعد الزوال، لكن في الفرض الثاني زمان الوجوب الغَيري أوسع من زمان الوجوب النفسي، زمان الوجوب النفسي للوضوء قبل الزوال وزمان الوجوب الغَيري للوضوء أعم مما قبل الزوال وبعد الزوال، فدائرة الشرط وهو الوضوء أعم، تشمل ما قبل الزوال وما بعد الزوال.
[تطبيق الفرض الثاني على الصورة الثانية (عدم تحقق الانحلال)]
هنا تزول نكتة الانحلال الحكمي في خصوص الصورة الثانية وهي ما لو لم نعلم بالوجوب النفسي للزيارة من غير هذه الناحية، يعني أصل وجوب الزيارة غير معلوم، إذا وجبت الزيارة وجب الوضوء مقدمة لها، هنا لا تنطبق نكتة الانحلال الحكمي وهي أن ترك أحدهما يستلزم ترك الآخر، فإنه يمكن أن يخالف الوجوب النفسي للوضوء دون الوجوب النفسي للزيارة المقيدة بالوضوء، وذلك بأن يترك الوضوء قبل الزوال لكنه يتوضأ بعد الزوال ويزور، فهنا ترك الوضوء النفسي لا يستلزم ترك الوضوء الغَيري، ويمكنه العكس بأن يتوضأ قبل الزوال ولا يزور، فهنا ترك الثاني وهو الزيارة لم يستلزم ترك الأول وهو الوضوء قبل الزوال.
إذاً الفرض الثاني متحقق في الصورة الثانية يعني لم يستلزم ترك أحدهما ترك الآخر، يمكن أن يترك الوضوء قبل الزوال لكن بعد الزوال يتوضأ ويزور، ويمكنه بالعكس أن يتوضأ قبل الزوال لكنه لا يزور بعد الزوال، واضح إن شاء الله؟
فهنا يحصل تعارض في الأصلين يعني إجراء البراءة عن الوجوب النفسي تعارض إجراء البراءة عن تقيُّد الزيارة بالوضوء فيتنجز العلم الإجمالي ولا يتحقق الانحلال الحكمي.
[تطبيق الفرض الثاني على الصورة الرابعة (تحقق الانحلال)]
نعم، الفرض الثاني بالنسبة إلى الصورة الرابعة يتحقق فيها الانحلال الحكمي لكن بالعكس، الصورة الرابعة هي ما لو علمنا بالوجوب النفسي للزيارة يعني قطعنا أن الزيارة واجبة وشككنا في كون الوضوء قيداً لها أو واجباً نفسياً، فهنا يتم الانحلال عكسياً، إذا كانت الزيارة مقيدة بما بعد الزوال فمخالفة الوجوب النفسي الاستقلالي للوضوء لا تستلزم مخالفة الوجوب الضمني له، إذ بإمكان المكلف أن يترك الوضوء قبل الزوال لكنه بعد الزوال يتوضأ ويزور، فهنا ترك الوجوب النفسي للوضوء لم يستلزم ترك الوضوء الضمني للزيارة.
لكن مخالفة الوجوب الضمني للوضوء الذي تقيَّد به الزيارة يستلزم مخالفة الوجوب النفسي للوضوء، إذ لو لم يتوضأ أصلاً قبل الزيارة التي فُرِضَ وقتها بعد الزوال، فقد ترك الوضوء قبل الزوال، وعليه فتجري البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء بلا معارض.
هذا الفرض الأخير: الوجوب النفسي للوضوء مقيد بما قبل الزوال، والوضوء الضمني للزيارة يشمل ما قبل الزوال وما بعد الزوال، يلّا لاحظ معي الشق الأول والشق الثاني:
[لماذا لا يستلزم ترك الوجوب النفسي تركَ الوجوب الغيري؟]
الشق الأول: لو ترك الوضوء النفسي قبل الزوال هذا لا يستلزم ترك الوضوء الضمني بعد الزوال، فيمكنه بعد الزوال أن يتوضأ ويصلي، إذاً ضابط الانحلال الحكمي لم يتحقق في الشق الأول، ترك الوضوء النفسي لا يستلزم ترك الوضوء الضمني.
[لماذا يستلزم ترك الوجوب الغيري تركَ الوجوب النفسي؟ (نكتة الانحلال العكسي)]
لكن في العكس يتحقق ضابط الانحلال الحكمي وهو ما لو ترك الوضوء الضمني للصلاة، والوضوء الضمني للصلاة وقته أعم مما قبل الزوال وما بعد الزوال، إذن لكي يترك الوجوب الضمني للوضوء لا بد... الوجوب الضمني للوضوء المقيِّد للصلاة، لابد أن يترك الوضوء مطلقاً، يترك الوضوء قبل الزوال وبعد الزوال، وإذا ترك الوضوء قبل الزوال يعني تَرَك الوضوء النفسي، فيصير هكذا: ترك الوضوء الضمني للصلاة يستلزم ترك الوضوء النفسي، فلا تجري فيه البراءة، لكن تجري البراءة عن الوضوء النفسي بلا معارض فينحل العلم الإجمالي.
أُعيد وأكرر: الصورة الرابعة لاحظ الدقة، إذا الوجوب النفسي للوضوء مقيد بما قبل الزوال والوجوب الضمني للوضوء المقيد للزيارة أو الصلاة أعم شرط هذا شرط أعم مما قبل الزوال ومما بعد الزوال، هنا ترك الوضوء النفسي قبل الزوال لا يستلزم ترك الوضوء الضمني بعد الزوال، فلو ترك الوضوء قبل الزوال يمكنه بعد الزوال أن يتوضأ ويزور أو يصلي، لكن ترك الوضوء الضمني للزيارة أو الصلاة يستلزم ترك الوضوء النفسي، لأن الصلاة الواجبة قطعاً في الصورة الرابعة، والزيارة الواجبة قطعاً في الصورة الرابعة مقيدان بالوضوء الأعم مما قبل الزوال أو بعد الزوال، وإذا أردت أن تترك الوضوء الضمني فلا بدّ أن تترك الوضوء مطلقاً قبل الزوال وبعد الزوال، فبمخالفة الوجوب الضمني للوضوء تتحقق مخالفة الوجوب النفسي للوضوء، فصار ترك أحدهما يستلزم ترك الآخر، إذاً البراءة الشرعية لا تجري في الوجوب الضمني وتجري في الوضوء النفسي بلا معارض.
[الخلاصة والنتيجة]
[النتيجة النهائية: مقارنة بين أثر الفرضين على الصورتين]
هذا تمام الكلام في الفرضين اللذين تنتفي فيهما نكتة الانحلال الحكمي، واتضح أنه نكتة الفرض الأول وهي تباين الزمانين تُوجب زوال نكتة الانحلال الحكمي في الصورة الثانية والصورة الرابعة معاً، وأن الفرض الثاني وهو أن زمان الشرطية أوسع من زمان النفسية تتحقق نكتة زوال الانحلال الحكمي في خصوص الصورة الثانية دون الصورة الرابعة، فتتحقق فيها نكتة الانحلال الحكمي في العكس.
يعني تجري في الوجوب الضمني ما تجري البراءة في الوجوب الضمني لا الوجوب النفسي عكس الحالات السابقة كان الوجوب النفسي هو الذي لا تجري فيه البراءة، في الحالات السابقة وهو حالة سعة زمان الوجوب النفسي يكون ترك الوجوب النفسي مستلزماً لترك الوجوب الضمني لأن الوجوب النفسي أوسع زماناً، أما في هذه الصورة صار الوجوب الضمني أوسع زماناً. هذا تمام الكلام في الجهة الثانية.
الجهة الثالثة: استحقاق العقاب والثواب على الأوامر الغَيرية، يأتي عليه الكلام.