47/05/21
ضابط الانحلال الحكمي في المقام
الموضوع: ضابط الانحلال الحكمي في المقام
[القانون الكلي للانحلال الحكمي وضابطه]
يوجد قانون كلي للانحلال الحكمي وضابطه الكلي أنه كلما تشكَّل علم إجمالي بأحد تكليفين وكانت مخالفة أحدهما مستلزمة لمخالفة الآخر دون العكس، فمخالفة الوضوء مستلزمة لمخالفة الصلاة والعكس غير صحيح، إذ أن مخالفة الصلاة لا تستلزم مخالفة الوضوء، ففي مثل ذلك لا تجري البراءة عن الوضوء وعن التكليف الذي يستلزم مخالفة الآخر، لأن جريان البراءة في الوضوء مساوقة للمخالفة القطعية، وتجري البراءة عن التكليف الآخر بلا معارض هذا ضابط عام للانحلال.
خلاصته: إذا كانت مخالفة أحد التكليفين تستلزم مخالفة التكليف الآخر فهنا لا تجري البراءة، والحال أنه بالنسبة إلى التكليف الثاني مخالفته لا تستلزم مخالفة التكليف الأول، فحينئذٍ تجري البراءة الشرعية عن التكليف الثاني ولا يعارضها إجراء البراءة الشرعية عن التكليف الأول.
[المقامات التي ينطبق عليها الضابط]
هذا الضابط للانحلال ينطبق على عدة مقامات وصور:
[المقام الأول: العلم الإجمالي بين الوجوب النفسي والتقييد]
المقام الأول: ما نحن فيه، وهو ما لو عَلِم إجمالاً بوجوب نفسي لشيء كالوضوء أو لشيء آخر يُفرَض الأول مقدمةً وقيداً له، أي علمنا إجمالاً إما بوجوب الوضوء نفساً وإما بوجوب الوضوء قيداً لوجوب الصلاة، فمخالفة الأول تستلزم مخالفة الثاني، إذ أن مَن خالف ولم يتوضأ فإنه لن يصلي إذ لا صلاة إلا بوضوء، دون العكس، إذ أن مخالفة الثاني وترك الصلاة لا تستلزم مخالفة الأول ترك الوضوء، فيثبت الانحلال الحكمي، فتجري البراءة الشرعية عن تقيُّد الصلاة بالوضوء ولا يعارضها إجراء البراءة الشرعية عن وجوب الوضوء.
فهنا يوجد انحلال حكمي: يوجد عندنا علم إجمالي بوجوب الوضوء أو تقيُّد الصلاة بالوضوء، في هذه الحالة يثبت الانحلال الحكمي، تجري البراءة عن تقيُّد الصلاة بالوضوء من دون معارض، إذ لا تجري البراءة في وجوب الوضوء. واضح هذا المقام الأول؟.
[المقام الثاني: العلم الإجمالي بين الوجوب والحرمة للضدين]
المقام الثاني: إذا عَلِم إجمالاً بوجوب أحد الضدين أو حرمة الضد الآخر، والحال إنه توجد حالة ثالثة غير الضدين. مثال ذلك: لو عَلِم إجمالاً إما بوجوب استقبال القبلة أو حرمة استدبار القبلة، ومن الواضح أنّ مخالفة حرمة استدبار القبلة يكون باستدبار القبلة وهذا يستلزم عدم استقبال القبلة.
أعيد وأكرر: مخالفة حرمة الاستدبار بِمَ تكون؟ بالاستدبار وعند الاستدبار لا استقبال، إذاً مخالفة حرمة استدبار القبلة يستلزم مخالفة وجوب استقبال القبلة والعكس غير صحيح، إذ أن مخالفة وجوب استقبال القبلة لا يتعيَّن بالاستدبار، فقد لا يستقبل القبلة ويميل يميناً أو شمالاً ولا يستدبر.
إذاً مخالفة أحد الحكمين وهو حرمة استدبار القبلة يستلزم مخالفة الحكم الثاني وهو وجوب استقبال القبلة، بخلاف مخالفة الحكم الثاني وهو وجوب استقبال القبلة لا يلزم منه مخالفة الحكم الأول وهو حرمة استدبار القبلة.
إذاً هنا لا تجري البراءة في حرمة استدبار القبلة وتجري البراءة في وجوب استقبال القبلة بلا معارض. واضح إن شاء الله؟.
[المقام الثالث: العلم الإجمالي بين واجبين أحدهما أعم والأخص]
المقام الثالث: لو عَلِم إجمالاً بوجوب أحد أمرين وجوديين متغايرين وكان أحدهما أخصَّ مورداً من الآخر، فحينئذٍ يكون ترك الأعمّ مورداً يستلزم ترك الأخصّ والعكس غير صحيح، إذ أن ترك الأخصّ لا يستلزم ترك الأعمّ، والفارق بين الثاني والثالث، أن الثاني بين وجوب وحرمة بينما الثالث بين وجوبين متغايرين.
مثال ذلك: لو عَلِم إجمالاً بوجوب استقبال المنارة في صحن الحرم عن قُرْبٍ (هذا قيد مهم: عن قُرْب يعني داخل الحرم ومقابل المنارة عن قُرْب، إما داخل الحرم أو خارج الحرم لكن قريب)، هذا الوجوب الأول.
لو عَلِم إجمالاً بوجوب استقبال منارة الحرم في الصحن عن قُرْب أو وجوب استدبار حائط الصحن (لأن الصحن سوره كبير، يجب أن يستدبر حتى يستقبل)، فترك استدبار حائط الصحن وحينئذٍ يكون الترك يساوق ترك استقبال المنارة عن قُرْب دون العكس، إذ أن ترك الاستقبال للمنارة عن قُرْب لا يستلزم ترك وجوب استدبار حائط الصحن.
المثال: الواجب الأول ما هو؟ استقبال المنارة عن قُرْب، يعني قريب منها ويستقبلها، ترك هذا الاستقبال عن قُرْب يتحقق حتى باستقبال المنارة عن بُعْد، ويتحقق بالبُعد عن المنارة سواء استدبر حائط الحرم أو لم يستدبره. واضح أو لا؟
متى يتحقق استقبال المنارة عن قُرْب؟ إذا قريب من المنارة، إذا ابتعد عن المنارة حتى لو استقبل المنارة ما يصدق عليه أنه استقبل المنارة عن قُرْب، فترك استقبال المنارة عن قُرْب أخصُّ، لا يستلزم استدبار حائط الحرم. واضح أو لا؟
بخلاف العكس وهو ترك استدبار حائط الصحن فهو يساوق ترك استقبال المنارة عن قُرْب، كما لو افترضنا أن حائط الصحن بعيد عن المنارة، فسواء استدبر أو لم يستدبر يكون ماذا؟ بعيد عن هذه المنارة. فهنا ترك الاستدبار مساوقٌ لماذا؟ ترك الاستقبال عن قُرْب، فيصير ترك الاستقبال هذا ماذا؟ هذا أعمّ، بينما الاستقبال عن قُرْب هذا أخصّ.
هنا ماذا يقولون؟ هنا تجري البراءة عن الأخصّ، تجري البراءة عن وجوب استقبال المنارة عن قُرْب ولا تجري البراءة عن وجوب استدبار الحائط. واضح المثال؟
الضابطة واضحة بعد. الأعمّ يشمل الأخصّ والأخصّ ما يشمل الأعمّ، فالبراءة تجري في الأخصّ ولا تجري في الأعمّ لأنها إذا جَرَت في الأعمّ شملت الأعمَّ والأخصَّ معاً.
[المقام الرابع: موارد الأقل والأكثر الارتباطيين (بالمعنى الأعم والأخص)]
المقام الرابع: موارد الأقل والأكثر الارتباطيين بالمعنى الأعم الشامل للشك في الجزء والشرط ولدوران الأمر بين التعيين والتخيير.
وموارد الأقل والأكثر الارتباطيين لها معنى أخصّ ولها معنى أعمّ. أما المعنى الأخصّ فهو يختص بخصوص موارد الشك في الشرط أو الجزء، كما لو شك أن عدد أجزاء الصلاة تسعة أو عشرة، هذا شك في عدد أجزاء الصلاة، هنا يدور الأمر بين الأقلّ تسعة أجزاء وبين الأكثر عشرة أجزاء، وهذا بينهم ارتباط، بخلاف الشك بوجوب تسبيحة واحدة أو ثلاث تسبيحات، هذا أقلّ وأكثر غير ارتباطيان: الأقلّ تسبيحة والأكثر ثلاث تسبيحات.
ويوجد أقلّ وأكثر بالمعنى الأعم إذ يعمّ موارد الشك في الجزئية والشرطية ويعمّ أيضاً موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، كما لو دار الأمر بين إكرام إنسان أو إكرام حيوان.
هنا أيهما الأقلّ وأيهما الأكثر؟ الحيوان هو الأقلّ والإنسان هو الأكثر لأنه يقيَّد قيد الناطقية للحيوان، هذا يقولون موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، يعني إما الإنسان معيَّناً أو مخيَّراً بينه وبين الحيوان. واضح أو لا؟
هذا موارد الشك بين التعيين والتخيير، بين تعيين خصوص إكرام الإنسان أو مخيَّراً بينه وبين الحيوان، هنا يوجد أقلّ ويوجد أكثر: الأقلّ هو الحيوان، الأكثر هو الإنسان قيد زائد قيد الناطقية.
إذاً المقام الرابع هو دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين بالمعنى الأعمّ، يعني ما يعمّ ويشمل موارد الشك في الجزئية وموارد الشك في الشرطية وموارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، كدوران الأمر بين وجوب إكرام حيوان وهو الأقلّ أو خصوص الإنسان وهو الأكثر.
فمخالفة وجوب الأقلّ تستلزم مخالفة الأكثر دون العكس، يعني مخالفة وجوب إكرام الحيوان الذي هو الأقلّ يستلزم مخالفة وجوب إكرام الإنسان دون العكس مخالفة وجوب إكرام الإنسان لا يستلزم مخالفة وجوب إكرام الحيوان. واضح إن شاء الله.
نعم، توجد ضابطة أخرى للانحلال الحكمي، هذه الضابطة الثانية تتوفر في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بالمعنى الأخصّ، يعني في خصوص الجزئية والشرطية، ففي مثل هذا المورد توجد ضابطتان للانحلال الحكمي.
الضابطة الأولى: ما أخذناها، إذا وُجِد حكمان ومخالفة أحدهما تستلزم مخالفة الآخر دون العكس، جَرَت البراءة في الثاني ولم تَجْرِ في الأول، هذه الضابطة أخذناها. هنا أيضاً نفس الشيء نطبقها على موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر.
هنا إجراء البراءة في الأقلّ مثل التسعة يستلزم زوال الأكثر (بعد تروح العشرة ما يمكن)، والعكس ليس بصحيح جريان البراءة عن الأكثر وهو الجزء العاشر لا يستلزم زوال الأقلّ وهو التسعة. إذاً الضابط الأول للانحلال الحكمي متوفر.
يوجد ضابط ثاني، ما هو هذا الضابط الثاني؟
البراءة ماذا تقول؟ "رُفِع عن أمتي ما لا يعلمون"، يعني رفعنا عنهم المشقة، رفعنا عنهم الشيء الصعب عليهم اللي ما يعرفونه وما يعلمونه، هذا لسان حال البراءة.
والإطلاق أمر سهل وليس بشاق حتى يُرفَع، إذاً البراءة ما ترفع الإطلاق لأن لسان حال أدلة البراءة هو الامتنان برفع المشقة، والإطلاق ليس فيه مشقة.
يلا لاحظ معي: إن البراءة عن المطلق لا تجري، لأن وجوب المطلق ينحل إلى أمرين:
الأول: وجوب ذات المطلق
الثاني: إطلاقه
أما الأول وهو وجوب ذات المطلق فالمطلق معلوم ولو ضمن المقيَّد، المطلق موجود إما على حاله أو بتقييده، فذات المطلق موجود. وأما إطلاق المطلق فليس ثقيلاً وضيقاً حتى يشمله دليل البراءة، فإنما مفاد دليل البراءة هو التوسيع.
إذاً اجتمع عندنا قانونان للانحلال الحكمي.
القانون الأول يشمل المقامات الأربعة التي ذكرناها، وهو كون مخالفة أحد الحكمين مستلزمةً لمخالفة الحكم الآخر، حينئذٍ تجري البراءة عن الحكم الثاني ولا تجري البراءة عن الحكم الأول.
هذا القانون الأول يشمل المقامات الأربعة.
القانون الثاني للانحلال الحكمي يختص بقسم خاص من المقام الرابع، المقام الرابع ما هو؟ دوران بين الأقلّ والأكثر بالمعنى الأعم، هذا الحكم الثاني يشمل دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بالمعنى الأخصّ، يعني عند الشك في الجزئية أو الشرطية، وهو أنه لا معنى لشمول البراءة لوجوب المطلق، إذ ذات المطلق معلوم الوجوب وإطلاقه ليس ثقيلاً حتى يُرفَع.
فبالتالي إذا شككنا أن الصلاة تسعة أجزاء أو عشرة أجزاء، ما هو الأقلّ؟ تسعة. ما هو الأكثر؟ عشرة. يقولون هكذا: تجري البراءة عن وجوب الأكثر، يعني عن وجوب الجزء العاشر.
إلى هنا اتضح عندنا قانونان للانحلال الحكمي:
القانون الأول: إذا كانت مخالفة الحكم الأول تستلزم مخالفة الحكم الثاني دون العكس، جَرَت البراءة في الحكم الثاني دون الحكم الأول.
القانون الثاني: البراءة لا تجري في الإطلاق وإنما تجري في التقييد بلا معارض.
لاحظ كيف يصير الانحلال الحكمي؟ لو قلنا هذه البراءة تجري عن التقييد أو عن الإطلاق؟ الجواب: البراءة لا تجري عن الإطلاق وإنما تجري عن التقييد، يعني لو دار الأمر بين التسعة المطلقة أو التسعة المقيَّدة، لأن الصلاة إما تسعة أجزاء أو عشرة أجزاء، هنا تجري البراءة عن التسعة المقيَّدة بالعاشر ولا تجري البراءة عن التسعة المطلقة.
إذ أولاً: ذات المطلق موجود سواء التسعة مطلقة أو مقيَّدة. وثانياً: الإطلاق ليس فيه مؤونة ومشقة حتى يحتاج إلى أن يُرفَع بالبراءة.
فهنا بالنسبة إلى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين بالمعنى الأخصّ، البراءة لا تجري في المطلق وتجري في المقيَّد بلا معارض بملاكين:
الملاك الأول: انتفاء الأقلّ موجود ضمن... ، إذا انتفى الأقلّ انتفى الأكثر والعكس ليس بصحيح، بالتالي ما تجري البراءة في الأقلّ وتجري البراءة في الأكثر بلا معارض. هذا القانون الأول.
القانون الثاني: لو دار أمر البراءة في الجريان بين المقيَّد وبين المطلق، فالبراءة لا تجري في المطلق وتجري في المقيَّد.
نتيجتهما واحدة هنا، يعني تجري البراءة عن وجوب الأكثر بلا معارض، يبقى الأقلّ.
إما لأن انتفاء الأقلّ يستلزم انتفاء الأكثر (هذا كما في القانون الأول للانحلال الحكمي)، وإما لأن البراءة تجري في المقيَّد ولا تجري في الإطلاق (كما هو القانون الثاني).
تتمة الحديث تأتي.