« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/05/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الصورة الرابعة لمورد جريان الأصل العملي عند الشك في النفسية أو الغيرية

الموضوع: الصورة الرابعة لمورد جريان الأصل العملي عند الشك في النفسية أو الغيرية

 

الصورة الرابعة والأخيرة لمورد جريان الأصل العملي عند الشك في النفسية أو الغيرية:

هي أن نعلم إجمالًا أن الوضوء إما واجب نفسي وإما واجب غيري لواجب نفسي قد عُلم ثبوت الوجوب النفسي له كالصلاة، وهذا هو الفارق بين الصورة الرابعة والصورة الثانية، ففي الصورة الثانية يدور الأمر بين الوجوب النفسي للوضوء أو الوجوب الغيري للوضوء لكن لصلاة غير معلوم فعلية وجوبها كما لو كانت المرأة حائضة، بينما في الصورة الرابعة نحن نعلم بوجوب الصلاة على كل حال كما لو كان المكلف ذكرًا فيعلم إجمالًا بوجوب الوضوء عليه إما بالوجوب النفسي وإما بالوجوب الغيري للصلاة التي وجبت عليه.

[رأي الميرزا النائيني]

وقد ذكر المحقق النائيني رحمه الله في هذه الصورة أن أصل وجوب الصلاة معلوم وكذلك أصل وجوب الوضوء معلوم، لكن يقع الشك في تقيُّد الصلاة بالوضوء، فتجري البراءة الشرعية عن هذا التقيُّد، ونتيجة ذلك نتيجة النفسية أن يكون الوضوء واجبًا بالوجوب النفسي، فيعلم المكلف بواجبين نفسيين قد دخلا في عهدته وهو وجوب الوضوء ووجوب الصلاة، ويمكن أن يتوضأ وأن يصلي كيفما اتفق سواء توضأ قبل الصلاة أو توضأ بعد الصلاة. يُراجع[1] [2] .

خلاصة كلام الميرزا النائيني

عندنا واجبان معلومان:

الأول: وجوب الصلاة.

الثاني: وجوب الوضوء.

فالوضوء واجب على كل تقدير إما بالوجوب النفسي وإما بالوجوب الغيري للصلاة، فهو واجب على كل تقدير، وعندنا شك في تقيُّد الصلاة بالوضوء فنُجري البراءة عن تقيُّد الصلاة بالوضوء، فتكون النتيجة أن الوضوء واجب بنفسه، فيصير مقتضى الأصل العملي عند الشك في النفسية والغيرية هي ثبوت الوجوب النفسي دون الوجوب الغيري.

[مناقشة السيد الخوئي]

وناقش في ذلك تلميذه الوفي السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله، ومفاد المناقشة إن المكلف يعلم إجمالًا إما بالوجوب النفسي للوضوء أو الوجوب النفسي الضمني لتقيُّد الصلاة بالوضوء، وهذا علم إجمالي منجّز، أي يعلم إجمالًا بأحد وجوبين نفسيين: أحدهما استقلالي وهو الوجوب النفسي للوضوء، والثاني ضمني وهو الوجوب النفسي الضمني لتقيُّد الصلاة بالوضوء.

ودعوى أن الوضوء معلوم الوجوب على كل حال غير مفيدة، إذ الوضوء معلوم الوجوب بالجامع بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري، والوجوب الغيري غير قابل للتنجُّز لأنه لا أثر له عقلًا فلا يتنجَّز، والعلم بالجامع بين ما يقبل التنجُّز وما لا يقبل التنجُّز لا يكون منجِّزًا.

إذًا البراءة عن الوجوب النفسي الضمني للتقيُّد مع إجراء البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء تتعارضان وتتساقطان، فيجب الاحتياط بإيقاع الوضوء قبل الصلاة. يُراجع[3] .

توضيح مناقشة السيد الخوئي:

لاحظوا فذلكة مناقشة السيد الخوئي رحمه الله: يقول الأمر هنا لا يدور بين جامع وجوب الوضوء الأعم من الوجوب النفسي والوجوب الغيري، لأن الوجوب الغيري بنفسه غير منجّز لأنه لا أثر له عقلًا، والجامع بين منجّز وغير منجّز ليس منجّز، إذًا لا تقل إن الأمر يدور بين جامع الوجوب للوضوء الأعم من النفسي والغيري، بل:

الأمر يدور بين وجوبين نفسيين:

الأول: هو الوجوب النفسي للوضوء.

الثاني: هو الوجوب النفسي الضمني لتقيُّد الصلاة بالوضوء.

وكلاهما منجِّز، كلاهما وجوب نفسي، الأول استقلالي وهو الوجوب النفسي للوضوء، والثاني وجوب ضمني يعني ضمن وجوب الصلاة يجب الوضوء، يعني يجب تقيُّد الصلاة بالوضوء، ولا نعلم أيهما تحديدًا هو الواجب، هل الواجب هو خصوص الوجوب النفسي للوضوء أو الواجب هو تقيُّد الصلاة بالوضوء؟

هنا تتعارض البراءتان، يعني أنت تشك في وجوب الوضوء نفسًا تجري البراءة "لا تنقض اليقين بالشك"، إجراء البراءة في الوجوب النفسي للوضوء يعارض إجراء البراءة في الوجوب النفسي الضمني للوضوء يعني ضمن وجوب الصلاة، تتعارض البراءتان تتساقطان، يتنجَّز العلم الإجمالي، يصير مقتضى الاحتياط أن لا تصلي قبل الوضوء، مقتضى الاحتياط أن تتوضأ أولًا وتصلي ثانيًا.

[دفع مناقشة السيد الخوئي]

لكن إشكال السيد الخوئي رحمه الله على أستاذه الميرزا النائيني رحمه الله قابل للدفع والمناقشة في صورة وحدة الواقعة لا في صورة تعدُّدها، فبناءً على مبنى الميرزا النائيني والشهيد الصدر في باب تنجيز العلم الإجمالي لا يرد إشكال السيد الخوئي، ولا بد من توضيح تسلسل الأفكار في المقام، فلنوضح كلام السيد الخوئي رحمه الله ثم بعد ذلك يأتي كلام الميرزا النائيني والشهيد الصدر وتحقيق المسألة.

[بيان الفرق بين الصورة الثانية والرابعة]

التوضيح: قد يُقال: ما هو الفرق بين الصورة الثانية المتقدمة والصورة الرابعة التي مورد بحثنا؟

فكما علمنا إجمالًا في الصورة الرابعة بالوجوب النفسي للوضوء أو الوجوب النفسي لتقيُّد الصلاة بالوضوء، كذلك علمنا إجمالًا في الصورة الثانية بالوجوب النفسي للوضوء أو الوجوب النفسي للزيارة، وغاية الفرق بينهما أن طرفي العلم الإجمالي في الصورة الثانية كانا عبارة عن وجوب نفسي مستقل.

[تحليل العلم الإجمالي في الصورة الثانية]

في الصورة الثانية أنت تعلم إجمالًا إما بوجوب الوضوء مستقلًّا وإما بوجوب الزيارة مستقلًّا، ففي الصورة الثانية يكون العلم الإجمالي دائرًا بين وجوبين نفسيين مستقلين: إما الوضوء النفسي أو وجوب الزيارة بنفسها.

[تحليل العلم الإجمالي في الصورة الرابعة]

ولكن في الصورة الرابعة يدور الأمر بين وجوب نفسي وهو وجوب الوضوء نفسًا ، وبين وجوب ضمني، يعني الأول وجوب نفسي استقلالي وجوب الوضوء نفسًا استقلالًا، والطرف الثاني وجوب الوضوء نفسًا لكن ضمناً ضمن وجوب الصلاة.

إذًا في الصورة الرابعة التي هي مورد بحثنا أصبح أحد طرفي العلم الإجمالي عبارة عن وجوب نفسي نفسي ضمني وهو وجوب التقيُّد يعني وجوب تقيُّد الصلاة بالوضوء.

[تقريب عدم الفرق بين الصورتين]

وهذا الفرق ليس فارقًا، فإنه كما كنا نقول في الصورة الثانية حينما دار العلم الإجمالي بين وجوب الوضوء نفسًا أو وجوب الزيارة نفسًا، كنا نقول إن البراءة عن وجوب الزيارة لا تعارضها البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء.

والسر في ذلك: أن ترك الوضوء يستلزم المخالفة القطعية لأن الوضوء واجب على كل حال إما واجب نفساً وإما واجب غيراً، فالترخيص في ترك الوضوء ترخيص في المخالفة القطعية وهذا قبيح، بخلاف الترخيص في وجوب الزيارة فإنه ترخيص في المخالفة الاحتمالية وهذا معقول وليس بقبيح.

[تطبيق التقريب على الصورة الرابعة]

إذًا كما قلنا في الصورة الثانية أن البراءة الشرعية تجري عن وجوب الزيارة ولا يعارضها إجراء البراءة الشرعية عن الوجوب النفسي للوضوء، لأن الترخيص في مخالفة الوضوء ترخيص في المخالفة القطعية، فالبراءة لا تجري عن الوضوء، فيصير شك بدوي في وجوب الزيارة فتجري البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض.

هذا قلناه في الصورة الثانية، وأما هنا في الصورة الرابعة فيمكن القول إن إجراء البراءة عن وجوب تقيُّد الصلاة بالوضوء لا يعارضها إجراء البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لأن ترك الوضوء يستلزم الترخيص في المخالفة القطعية والتأمين عن العقاب مع المخالفة القطعية غير معقول، بخلاف الترخيص في تقيُّد الصلاة بالوضوء فهذا ترخيص في المخالفة الاحتمالية.

تصير الصورة الرابعة حكمها حكم الصورة الثانية، يعني في الصورة الثانية تجري البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض إذ أن البراءة لا تجري عن وجوب الوضوء، الترخيص فيه يكون مخالفة قطعية، كذلك في مورد بحثنا البراءة لا تجري عن وجوب الوضوء لأنه ترخيص بالمخالفة القطعية، ويحصل عندنا شك بدوي في تقيُّد الصلاة بالوضوء فتجري البراءة الشرعية عن تقيُّد الصلاة بالوضوء.

هكذا قد يُشكل على السيد الخوئي رحمه الله.

بحث عميق ودقيق يحتاج إلى تنبُّه جيد.

[جواب السيد الخوئي عن هذا التقريب]

لكن السيد الخوئي رحمه الله لو أُلقي عليه هذا الإشكال أمكنه أن يجيب بوجود فارق بين الصورة الثانية لو دار الأمر بين وجوب الوضوء ووجوب الزيارة، وبين الصورة الرابعة لو دار بين وجوب الوضوء نفسًا أو وجوب الوضوء ضمنًا.

والفارق كما يلي:

إذ أنه في الصورة الثانية البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء لا تفيد، فهي لا تفيدنا في أصل العقاب لأننا نقطع بالمخالفة، ولا تفيد نفي عقاب ثانٍ لأننا نقطع بعدم وجود عقاب ثانٍ نظرًا لأننا نقطع بوجود وجوب واحد نفسي لا أنه يوجد وجوبان نفسيان.

[بيان عدم فائدة البراءة عن الوضوء في الصورة الثانية]

هذا واضح، هذا أخذناه فيما سبق، قلنا هناك: لماذا في الصورة الثانية قلنا لماذا لا تجري البراءة عن الوضوء؟

الجواب: نسأل: ما الفائدة من إجراء البراءة عن الوضوء؟

إن كان يوجد احتمالان:

الاحتمال الأول: نُجري البراءة للتأمين عن العقاب الحاصل من ترك الوضوء.

الجواب: هنا لا يحسن التأمين لأنها مخالفة قطعية فكيف يؤمَّن عنها؟

الاحتمال الثاني: التأمين عن عقاب آخر لا على هذا الوضوء وإنما على شيء آخر محتمل.

الجواب: لا يوجد احتمال آخر لأن عندنا وجوب واحد وليس وجوبين.

هكذا قلنا في الصورة الثانية، وبذلك التزمنا بأن البراءة لا تجري عن وجوب الوضوء النفسي، وبالتالي تجري البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض.

[إمكان جريان البراءة عن الوضوء في الصورة الرابعة]

هنا يمكن أن يجيب السيد الخوئي رحمه الله بأن البراءة يمكن أن تجري عن الوضوء في الصورة الرابعة (أستغفر الله، مورد بحثنا)، إذ أن إجراء البراءة عن الوجوب النفسي في الصورة الرابعة مفيد لا لنفي أصل العقاب حتى يُقال هذا ترخيص في المخالفة القطعية والترخيص في المخالفة القطعية قبيح، بل لنفي عقاب آخر، وذلك بالنسبة لمن ترك الوضوء والصلاة معًا.

[ثمرة البراءة في الصورة الرابعة]

فإن الوضوء لو كان مقدمة للصلاة وترك المكلف الوضوء والصلاة معًا فإنه لا يستحق إلا عقابًا واحدًا على مخالفة الوجوب النفسي للصلاة، لكن لو كان وجب عليه وجوبان وجوب الصلاة نفسًا ووجوب الوضوء نفسًا وتركهما فحينئذ يستحق عقابين: عقاب على ترك الصلاة وعقاب على ترك الوضوء.

[نتيجة تعارض البراءتين]

بالتالي، حلو يا حلو! لاحظ المطلب الحلو:

السيد الخوئي يقول: تتعارض الأصول، لا تقس الصورة الرابعة على الصورة الثانية.

في الصورة الثانية تقول: لا يمكن إجراء البراءة عن وجوب الوضوء النفسي وبالتالي تجري البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض هذا في الصورة الثانية، وتقيس عليه الصورة الرابعة وتقول: لا تجري البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء لأنه ترخيص في المخالفة القطعية، وتجري البراءة عن تقيُّد الصلاة بالوضوء، هكذا صور.

السيد الخوئي يقول: البراءة كما يمكن أن تجري في الثاني وهو تقيُّد الصلاة بالوضوء، يمكن أن تجري أيضًا بالنسبة إلى الأول وهو الوجوب النفسي.

[النتيجة النهائية]

لا تقل إن البراءة لا تجري عن الوجوب النفسي للوضوء لأنه ترخيص في المخالفة القطعية، فيكون الجواب: هذا لو قلنا إن الغاية من إجراء البراءة التأمين عن المخالفة القطعية، لكن لو قلنا بالاحتمال الثاني وهو أن الثمرة والغاية من إجراء البراءة هو التأمين عن العقاب الآخر، وبالتالي توجد ثمرة لإجراء البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، إذ أن الوضوء لو وجب نفسًا وترك المكلف الصلاة والوضوء معًا لاستحق عقابين، فبإجراء البراءة يثبت عليه عقاب واحد على ترك الصلاة فقط، وينتفي عنه العقاب الثاني وهو العقاب على ترك الوضوء، لأن إجراء البراءة يثبت أن الوضوء وجب بالوجوب الغيري لا بالوجوب النفسي.

النتيجة النهائية: لاحظ، كما أن إجراء البراءة الشرعية ممكن بلحاظ الوجوب الضمني للوضوء، أيضًا يمكن إجراء البراءة الشرعية بلحاظ الوجوب النفسي الاستقلالي للوضوء، فتتعارض البراءتان وتتساقطان، فيتنجَّز العلم الإجمالي، فيصير مقتضى الاحتياط يتوضأ أولًا ويصلي ثانيًا، ولا يجوز أن يصلي أولًا ثم يتوضأ ثانيًا.

هذا تمام الكلام، في تعميق وتوضيح كلام السيد الخوئي في رده على الميرزا النائيني، يبقى الآن الكلام في الانتصار للميرزا النائيني على السيد الخوئي، يأتي إن شاء الله.


[3] . أجود التقريرات، السيد الخوئي، ج1، ص170.محاضرات الفياض، تقرير بحث السيد الخوئي، ج2، ص392.
logo