47/05/17
الصورة الثانية لمورد جريان الأصل العملي عند الشك في النفسية أو الغيرية
الموضوع: الصورة الثانية لمورد جريان الأصل العملي عند الشك في النفسية أو الغيرية
[تمهيد الصورة الثانية]
الصورة الثانية لمورد جريان الأصل العملي عند الشك في النفسية أو الغيرية:
هي أن يعلم إجمالًا بوجوب إما الوضوء وإما الزيارة فكلاهما واجب نفسي، فيُفرض أن هذا الوضوء مردد بين كونه واجبًا نفسيًّا أو واجبًا غيريًّا من أجل وجوب الزيارة، فإذا ثبت وجوب الزيارة نفسًا، ثبت وجوب الوضوء غيرًا. فهنا يتشكل علم إجمالي بوجوب أحد الفعلين: إما الوضوء وإما الزيارة، لأن الوضوء إن كان واجبًا بالوجوب النفسي فهو واجب، وإن لم يجب بالوجوب النفسي فالزيارة واجبة فيكون الوضوء واجب بالوجوب الغيري. إذًا يحصل علم إجمالي بوجوب أحد الفعلين: إما الوضوء وإما الزيارة المقيدة بالوضوء.
[محور البحث: منجزية هذا العلم الإجمالي]
وحينئذ يقع الكلام في منجزية هذا العلم الإجمالي، فهل هو منجِّز ويوجب تعارض الأصول في الطرفين، أو أنه غير منجِّز؟
وقد بين عدم منجزية العلم الإجمالي في المقام بأحد بيانين:
البيان الأول: الانحلال الحقيقي، أي انتفاء العلم.
البيان الثاني: الانحلال الحكمي، أي انتفاء العهدة فلا يثبت شيء في الذمة والعهدة.
وسيتضح إن شاء الله أن الانحلال الحقيقي ليس بتام، لكن الانحلال الحكمي تام، فلا تثبت منجزية العلم الإجمالي وبالتالي لا يثبت ذلك.
تفصيل الكلام:
البيان الأول: الانحلال الحقيقي
وهو أن يُقال: إن العلم الإجمالي بوجوب أحد الفعلين (إما الوضوء وإما الزيارة) منحل إلى العلم التفصيلي بوجوب الوضوء والشك البدوي في وجوب الزيارة، فتجري أصالة البراءة الشرعية عن وجوب الزيارة.
[توضيح جهة العلم التفصيلي]
أما العلم التفصيلي بوجوب الوضوء، فلأن الوضوء يجب بأحد احتمالين:
الاحتمال الأول: أن يجب الوضوء بالوجوب النفسي.
الاحتمال الثاني: أن يجب الوضوء بالوجوب الغيري، وذلك إذا ثبت وجوب الزيارة.
فينحل هذا العلم الإجمالي بوجوب إما الوضوء وإما الزيارة إلى العلم التفصيلي بوجوب خصوص الوضوء.
ويحصل الشك في وجوب الزيارة فتجري أصالة البراءة الشرعية وينحل العلم الإجمالي، لاحظ الانحلال الحقيقي مفاد نفي العلم، الانحلال الحقيقي يعمد إلى كسر أصل وجود علم إجمالي، يقول هنا: يوجد علم تفصيلي بوجوب الوضوء ولا يوجد علم إجمالي بوجوب إما الوضوء وإما الزيارة، بل الصحيح هو وجود علم تفصيلي بوجوب الوضوء وشك بدوي في وجوب الزيارة، ولا تقل علم بوجوب الزيارة.
[نتيجة دعوى الانحلال الحقيقي]
فالانحلال الحقيقي يعمد إلى نفي العلم، وكسر أصل وجود علم.
[نقد الانحلال الحقيقي: التغاير في السنخ]
لكن الانحلال الحقيقي هنا ليس بتام، نظراً لتغاير سنخ المعلوم التفصيلي مع سنخ المعلوم الإجمالي، ولكي يتحقق ويثبت الانحلال الحقيقي لا بدّ أن يكون المعلوم التفصيلي من نفس سنخ المعلوم الإجمالي، فإذا تغايرا في السنخية، لا يتعقل الانحلال الحقيقي.
[تطبيق الكبرى على المقام]
ولنطبق هذه الكبرى على مقام بحثنا: فما هو العلم الإجمالي الذي يراد حله، إنه العلم الإجمالي بوجوب إما الوضوء، وإما الزيارة، يعني هذا العلم الإجمالي ناظر إلى الوجوب النفسي، يعني إما الوضوء يجب نفساً وإما الزيارة تجب بالوجوب النفسي، وليس متعلق العلم الإجمالي جامع الوجوب، الأعم من الوجوب النفسي والوجوب الغيري، بل متعلق العلم الإجمالي خصوص الوجوب النفسي، فإنا نعلم إجمالاً بوجود وجوب نفسي إما للوضوء وإما للزيارة.
بخلاف العلم التفصيلي الذي يراد به حل العلم الإجمالي فمعلومه جامع الوجوب الأعم من الوجوب النفسي والوجوب الغيري.
[سنخ المعلومين مختلف:]
إذاً سنخ العلم التفصيلي مغايرٌ لسنخ العلم الإجمالي، فسنخ المعلوم الإجمالي هو خصوص الوجوب النفسي، وسنخ المعلوم التفصيلي الوجوب الأعم، من الوجوب النفسي والوجوب الغيري.
إذاً لا ينحل العلم الإجمالي بسنخ الوجوب النفسي بالمعلوم التفصيلي بجامع الوجوب الذي هو سنخ أعم من الوجوب النفسي والوجوب الغيري.
وبالتالي لا ينحل العلم الإجمالي بمثل هذا العلم التفصيلي، نعم، ينحل العلم الإجمالي بعلم تفصيلي إذا كان المعلوم التفصيلي من نفس سنخ المعلوم الإجمالي، إذا الانحلال ودعوى الانحلال الحقيقي ليست تامة.
[الفارق بين الانحلال الحقيقي والحكمي]
ولاحظ في الانحلال الحقيقي يعمد إلى نفي العلم، ما يوجد علم.
في الانحلال الحكمي يسلم أنه يوجد علم لكن ما يدخل في العهدة حكم العلم وهو الدخول في الذمة والعهدة ما يثبت.
البيان الثاني: دعوى الانحلال الحكمي
[تعريف الانحلال الحكمي]
فيقال: إن العلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين نفسيٌ وإن كان غير منحل بالانحلال الحقيقي ولكن على الرغم من ذلك تجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للزيارة، ولا يعارضها إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، وهذا ما يُسمى بالانحلال الحكمي، أي الانحلال بلحاظ جريان الأصل في أحد الطرفين من دون معارض.
إذ أن أصالة البراءة تجري في الوضوء ولا تجري في وجوب الزيارة، وبالتالي نقول: إن إجراء أصالة البراءة الشرعية عن وجوب الزيارة لا يعارضه إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لأن أصالة البراءة لا تجري في وجوب الوضوء.
الآن نبيِّن كيف أن أصالة البراءة لا تجري في الوضوء، وبالتالي تجري أصالة البراءة في وجوب الزيارة من دون معارض.
[السؤال التوضيحي]
سؤال: ما المراد بأصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء؟ يعني ما هي الغاية المتوخاة من إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي؟
الجواب: يوجد احتمالان، وكلاهما ليس بتام، فلا تجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء.
[الاحتمال الأول: التأمين عن العقاب على ترك الوضوء]
الاحتمال الأول: التأمين ونفي أصل العقاب فيما إذا تُرِك الوضوء، وهذا غير معقول لأن ترك الوضوء فيه مخالفة قطعية، ولا تجري البراءة في مورد المخالفة القطعية، لأن ترك الوضوء مساوق لترك الواجب المعلوم إجمالًا، أي فيه مخالفة قطعية.
والسر في ذلك: أن الوضوء إما واجب بالوجوب النفسي، أو واجب بالوجوب التبعي تبعًا لوجوب الزيارة. فلا يجوز ترك الوضوء مطلقًا، لأن الوضوء إما واجب بالوجوب النفسي فلا تؤمِّن عنه أصالة البراءة، وإما الوضوء واجب لكونه قد أُخذ كقيد في الواجب وهو الزيارة، فلا يجوز تركه.
فالتأمين عن وجوب الوضوء تأمين وترخيص في المخالفة القطعية، لأن الوضوء إن كان هو الواجب النفسي فقد تُرِك، وإن كان هو الواجب الغيري إذاً فقد تُرِك الواجب النفسي الذي هو الزيارة بسبب ترك مقدمته التي لا بد منها وهي الوضوء.
إذًا يكون ترك الوضوء على كلا الحالين ترخيص في المخالفة القطعية، والعقاب على المخالفة القطعية غير قابل للرفع لا عقلًا ولا عقلائيًّا، فلا يوجد تأمين للعقاب لأن الأصل لا يقدر على هذا التأمين، وإنما الأصل العملي يؤمِّن في مورد المخالفة الاحتمالية لا في مورد المخالفة القطعية.
هذا تمام الكلام في الاحتمال الأول، أن يكون الغاية من إجراء البراءة عن وجوب الوضوء هو التأمين، وقد اتضح أنه لا تأمين في مورد المخالفة القطعية.
[الاحتمال الثاني: التأمين عن عقاب محتمل آخر]
الاحتمال الثاني: أن يُراد من إجراء الأصل العملي في وجوب الوضوء التأمين بلحاظ عقاب آخر محتمل غير العقاب على نفس الوضوء، وهذا العقاب محتمل وليس قطعيًّا، فهذا ترخيص في المخالفة الاحتمالية وليس ترخيصًا في المخالفة القطعية.
إذًا الاحتمال الثاني يقول: الغاية من إجراء أصالة البراءة عن الوضوء ليس هو الترخيص في المخالفة القطعية عن الوضوء، بل الترخيص في المخالفة الاحتمالية لعقاب آخر غير الترخيص في المخالفة القطعية.
والجواب: هذا مجرد احتمال وهو معلوم العدم ولا نحتمله أصلًا، لأننا لا نحتمل وجود أكثر من واجب واحد، ولا يوجد أكثر من عقاب واحد بمقدار ما نعلم، فالعقاب الثاني غير محتمل فلا يجرى فيه الأصل ليؤمَّن العبد منه.
إذًا إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء لغو لا يُعقل تأمينه، بخلاف إجراء أصالة البراءة عن وجوب الزيارة، فإذا شكينا هل الزيارة تجب بالوجوب النفسي أو لا؟ وأن المكلف يُعاقب على مخالفة الزيارة - هذه مخالفة احتمالية - تجري أصالة البراءة عن ماذا؟ عن وجوب الزيارة، ولا يعارضها جريان أصالة البراءة عن وجوب الوضوء، لأن أصالة البراءة لا تجري عن وجوب الوضوء إذ هي ترخيص في المخالفة القطعية، فتجري أصالة البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض، إذ أن ترك الزيارة غير مساوق للمخالفة القطعية.
[تحليل دقيق لحالات المخالفة]
لكن لاحظ معي الدقة والنكتة: متى ما تصير مخالفة قطعية؟ فيما لو توضأ، إذا توضأ وما زار هنا يكون ترك الزيارة مخالفة احتمالية، لكن إذا ما توضأ وما زار يصير مخالفة قطعية، لأن الوضوء واجب على كل تقدير: إما واجب بالوجوب النفسي، وإما واجب بالوجوب الغيري إذا أُخذ قيدًا في الزيارة.
فإذا لم يزر ولم يتوضأ هنا ارتكب مخالفة قطعية، قطعًا خالف الحكم الواقعي، لكن إذا توضأ وما زار هنا ارتكب مخالفة احتمالية، يعني يحتمل أنه ترك الزيارة التي يحتمل أن تكون واجبًا نفسيًّا، فهنا تجري البراءة عنها.
[نتيجة البيان الثاني]
الخلاصة: إن أصالة البراءة عن وجوب الزيارة لا يعارض إجراء أصالة البراءة عن وجوب الوضوء، إذ يُعلم على كل حال بترتب عقوبة على ترك الوضوء، إما لأنه واجب نفسي، وإما لأنه واجب غيري يجب تبعًا لوجوب الزيارة، فلا تجري البراءة الشرعية عن وجوب الوضوء، وتجري البراءة الشرعية عن وجوب الزيارة، فهذا انحلال حكمي، يعني وجوب الزيارة ما يدخل في العهدة، ما يدخل في الذمة.
إذًا بلحاظ عالم الأمر لا يوجد انحلال، يعني لا يوجد انحلال حقيقي، لكن بلحاظ عالم العهدة وتحميل المسؤولية يتم الانحلال، لأنه لا يُعلم باشتغال الذمة على كل حال.
إذًا الانحلال الحكمي تام، فلا يكون هذا العلم الإجمالي منجِّزًا.
[الصورة الثالثة: مورد الشبهة غير المحصورة]
الصورة الثالثة:
[فرض الصورة الثالثة]
عين الصورة الثانية، لكن نفرض أن الواجب النفسي المحتمل - والذي فرضنا أنه هو وجوب الزيارة في الصورة الثانية - هو أمر مبهم مردد بين آلاف الأشياء غير المحصورة، يعني يعلم إجمالًا بوجوب إما الوضوء نفسًا، وإما الوضوء غيرًا لواجب. هذا الواجب غير معلوم، هذا الواجب قد يكون وجوب الزيارة، قد يكون هو الدعاء الذي يجب الوضوء عند الدعاء، أو قد يكون هو قراءة القرآن المقيد بالوضوء، أو قد يكون هو الصلاة، فهو يعلم إجمالًا بوجوب إما الوضوء نفسًا، وإما الوضوء غيرًا وتبعًا لواجب غير معلوم ولا تكون الشبهة فيه محصورة، الشبهة غير محصورة.
[حكم الشبهة غير المحصورة]
ومن الواضح أن الأصل العملي وهو جريان البراءة يجري في موارد الشبهة غير المحصورة حتى لو لزم المخالفة القطعية، فضلًا عن عدم وجوب الموافقة القطعية.
[القاعدة الأصولية الحاكمة]
هذا بعد مقرر في بحث جزئية العلم الإجمالي: العلم الإجمالي منجِّزٌ في موارد الشبهة المحصورة، وأما إذا كانت الشبهة غير محصورة فلا يكون العلم الإجمالي منجِّزًا حتى لحرمة المخالفة القطعية، فضلًا عن وجوب الموافقة القطعية، فتجري أصالة البراءة عن جميع الأطراف بما فيها أصل البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، فيجوز ترك الوضوء. ولا تقل: هذا ترخيص في المخالفة القطعية، هذا جائز.
[أمثلة توضيحية]
الآن هذا ماء ألا تقطع بوجود ماء نجس في جميع العالم؟ إذًا ما يجوز شرب الماء، نشرب الماء ها، هذا يلزم العسر والحرج أصلًا، ألا تقطع بوجود لحم غير مذكّى بين لحوم جميع العالم؟ تروح تشتري لباس، ألا تقطع بوجود لباس مغصوب بين جميع الألبسة في العالم؟ هذا علم إجمالي، لكن الشبهة غير محصورة، الشبهة غير محصورة تجوز المخالفة القطعية ولا تجب الموافقة القطعية.
الصورة الرابعة والأخيرة يأتي عليها الكلام.