« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/05/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهة الثانية الأصل عند الشك في النفسية والغيرية

الموضوع: الجهة الثانية الأصل عند الشك في النفسية والغيرية

 

[مقدمة البحث]

تُعقد هذه الجهة لتأسيس الأصل اللفظي والأصل العملي فيما إذا شك في كون واجب أنه نفسي أو غيري، كما لو قال المولى: "توضأ"، فشككنا في أن الوضوء واجب نفسي أو واجب غيري للصلاة مثلاً، فما هو مقتضى الأصل؟ هل هو النفسية أو الغيرية؟

[تقسيم البحث إلى مرحلتين]

من هنا يقع الكلام في مرحلتين:

المرحلة الأولى: مقتضى الأصل اللفظي.

المرحلة الثانية: مقتضى الأصل العملي.

 

المرحلة الأولى: في تأسيس الأصل اللفظي

[المدخل: رجوع البحث إلى الإطلاق في صيغة الأمر]

وقد تقدم الكلام حينما تطرقنا إلى الإطلاق في صيغة الأمر، وقلنا إن إطلاق صيغة الأمر يقتضي كون الواجب نفسياً عينياً تعينياً. وذكرنا هناك عدة تقريبات، أبرزها خمسة، بعضها تام وبعضها ليس بتام، لكن جميع التقريبات الخمسة تُثبت النفسية، فيكون مقتضى الأصل اللفظي هو حمل الواجب على الواجب النفسي لا الواجب الغيري.

[فهرسة التقريبات الخمسة للإطلاق]

ولا بأس أن نُفهرس عناوين تقريبات الإطلاق المتقدمة لنرى كيف أن جميع التقريبات الخمسة تُثبت النفسية دون الغيرية:

التقريب الأول: التمسك بالإطلاق الأحوالي لمفاد الهيئة

وهذا يقتضي أن يكون الواجب نفسياً، فنتمسك بإطلاق "توضأ"، "تيمم"، "صلِّ"، وهذه الهيئة مطلقة سواء وجب شيء آخر أو لم يجب شيء آخر، أي أنه يجب الوضوء سواء وجب شيء آخر كالصلاة أو الزيارة أو لم يجب، فمقتضى إطلاق الهيئة والصيغة هو أن الواجب واجب نفسي لا غيري.

التقريب الثاني [التمييز بين الخصوصية الوجودية والخصوصية العدمية]:

دعوى أن الوجوب النفسي متخصص بخصوصية عدمية وهي عدم النشوء من الغير، والوجوب الغيري متخصص بخصوصية وجودية وهي النشوء من الغير، وكلما دار الأمر بينهما تعيَّن بالإطلاق نفي الخصوصية الوجودية وإثبات الخصوصية العدمية، وبالتالي يثبت الوجوب النفسي لأن فيه خصوصية عدمية، ولا يثبت الوجوب الغيري لأن فيه خصوصية وجودية تحتاج إلى مؤونة ومزيد بيان.

إذاً التقريب الثاني يُثبت الوجوب النفسي.

التقريب الثالث: أن يتمسك بإطلاق المادة[التمسك بإطلاق مادة دليل الواجب ذي المقدمة]

فنتمسك بإطلاق دليل الواجب الذي يُحتمل كون الوضوء مقدمة له، مثل دليل "صلِّ"، فنتمسك بإطلاق مادة الصلاة لنفي كون الوضوء قيداً في الصلاة، فيثبت كون الوضوء واجباً نفسياً.

أُعيد: عندنا دليل "صلِّ" وعندنا دليل "توضأ"، ونشك: هل الوضوء واجب بنفسه؟ أو الوضوء واجب لغيره كالصلاة؟ وهنا نتمسك بإطلاق مادة الدليل الثاني الذي هو الصلاة الذي يُفترض أنه ذو المقدمة، فنقول: "صلِّ" مطلق، يعني سواء توضأت أو لم تتوضأ، تقييد الصلاة بالوضوء يحتاج إلى مؤونة زائدة، فتجب مطلقاً: توضأت أو لم تتوضأ، إطلاق مادة الصلاة ينفي الوجوب الغيري للوضوء، فيصير الوضوء واجباً بنفسه لا أنه واجب لغيره.

إذاً التقريب الثالث يُثبت الوجوب النفسي للوضوء.

[التقريب الرابع: أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت]

التقريب الرابع: التمسك بإطلاق - بمعنى التمسك بأصالة التطابق بين مقام الإثبات أي الخطاب ومقام الثبوت أي الإمكان.

فكما أن المولى في قوله "توضأ" حرَّك المكلف بالاستقلال في عالم الإثبات، لأن "توضأ" لفظ وخطاب، ففي عالم الإثبات لفظ "توضأ" حرَّك المكلف مطلقاً، أي سواء جاء بالصلاة أو لم يأتِ بالصلاة. إذاً ثبت الاستقلال وعدم التقييد في العالم الخطابي والإثبات، والأصل هو التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، فإذا "توضأ" في عالم الخطاب والإثبات مستقل ومطلق - يعني توضأ سواء صليت أو لم تصلِّ - إذاً في عالم الثبوت وعالم الواقع الوضوء مطلق ومستقل ويُحرِّك بالاستقلال من دون تقييده بقيد الصلاة.

إذاً محركية الوضوء استقلالية لا تبعية، محركية الوضوء ليست تبعاً لمحركية الأمر بالصلاة بل المحركية تبعية، وبالتالي أثبتنا أن الوضوء واجب نفسي لا غيري ببركة أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، ففي مقام الإثبات والخطاب ثبت التحريك الاستقلالي لا التبعي، إذاً يثبت التحريك الاستقلالي لا التبعي في عالم الثبوت والإمكان.

نتيجة التقريب الرابع: ثبوت الواجب النفسي.

التقريب الخامس: التمسك بإطلاق المادة في خطاب "توضأ"

والفرق بين التقريب الأول والتقريب الثاني أن التقريب الأول يتمسك بإطلاق الهيئة "افعل"، والتقريب الخامس بإطلاق المادة "الوضوء"، لأن هذا الخطاب "توضأ" إذا كان غيرياً - فبناءً على ما هو الصحيح في نظرنا من وجوب خصوص المقدمة الموصلة لا مطلق المقدمة – يعني الوجوب الواجب هو خصوص الوضوء الموصل إلى الصلاة، دون مطلق الوضوء سواء أوصل إلى الصلاة أو لم يوصل، هذا إذا قلنا إن الوضوء واجب بالوجوب الغيري، يصير الوضوء الواجب بالوجوب الغيري هو خصوص الوضوء الذي تليه الصلاة، خصوص المقدمة الموصلة.

إذاً بناءً على الصحيح من اختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة، حينئذٍ يكون الوضوء بنفسه مقيداً بالإيصال إلى ذي المقدمة.

وأما بناءً على أن يكون الوضوء واجباً نفسياً فهو على إطلاقه سواء صلى بعد الوضوء أو لم يصلِّ، فنتمسك بإطلاق المادة "توضأ" لنفي أخذ قيد التوصل في متعلق الخطاب، وبالتالي نستكشف من عدم أخذه قيداً في الخطاب عدم كونه واجباً غيرياً، فيثبت أنه واجب نفسي.

أُعيد وأكرر: خطاب "توضأ" فيه هيئة "افعل"، "افعل" مطلقاً سواء صليت أو لم تصلِّ، هذا التقريب الأول. وفيه مادة "الوضوء". الوضوء إذا كان واجباً بالوجوب الغيري لا بد أن يُقيَّد بقيد الإيصال إلى الصلاة، يقول: "توضأ الوضوء الموصل للصلاة"، لكن مادة الوضوء في قوله "توضأ" مطلقة، يعني توضأ مطلقاً سواء صليت أو لم تصلِّ، سواء أوصلك الوضوء إلى الصلاة أو لم يوصلك إلى الصلاة، فنتمسك بإطلاق مادة الوضوء لنفي القيد الزائد، ما هو القيد الزائد؟ في الوجوب الغيري يصير هكذا: توضأ، الوضوء المقيد بإيصالك إلى الصلاة، توضأ الوضوء الذي تليه الصلاة، هذا القيد غير موجود، فنتمسك بإطلاق مادة الوضوء لإثبات الوجوب النفسي للوضوء. وأما إثبات الوجوب الغيري للوضوء فهذا يحتاج إلى مؤونة زائدة، يحتاج إلى تقييد المادة بأنها موصلة إلى ذي المقدمة.

إذاً التقريب الخامس يُفيد الوجوب النفسي.

نتيجة المرحلة الأولى من الجهة الثانية

[نتيجة المرحلة الأولى]

مقتضى الأصل اللفظي بتقريباته الخمسة أنه إذا جاءنا خطاب وشككنا في أن الواجب نفسي أو غيري، هو الحمل على الوجوب النفسي لا الوجوب الغيري والتبعي.

هذا تمام الكلام في المرحلة الأولى: مقتضى الأصل اللفظي - الإطلاق - خمسة تقريبات للإطلاق كلها تقتضي النفسية دون الغيرية.

المرحلة الثانية: مقتضى الأصل العملي

[المدخل: محل الرجوع إلى الأصل العملي]

لو افترضنا أنه لا يوجد أصل لفظي يُثبت النفسية أو الغيرية، فلا يوجد دليل اجتهادي أو دليل محرز، فتصل النوبة إلى الدليل الفقاهتي والأصل العملي. من هنا نسأل: ما هو مقتضى الأصل العملي عند الشك في النفسية والغيرية؟

[تصوير الصور الممكنة]

وهنا صور نتعرض لها مع تحقيق حالة كل واحدة منها، نذكر عدة حالات لنرى ما هو مقتضى الأصل العملي في هذه الحالة وهذه الصورة:

[الصورة الأولى: كون الواجب المردد مقدمةً لواجب غير فعلي]

الصورة الأولى: أن يكون الوضوء المردد بين كونه نفسياً أو غيرياً – أن يكون على تقدير كونه غيرياً - مقدمة لواجب نفسي غير فعلي في حق المكلف.

[مثال تطبيقي: وضوء المرأة الحائض]

مثال ذلك: المرأة الحائض، لو دار الأمر في وضوئها بين أن يكون الوضوء واجباً على المرأة بالوجوب النفسي على الرغم من وجود عادتها الشهرية والحيض، يجب عليها الوضوء وجوباً نفسياً (هذا الاحتمال الأول)، والاحتمال الثاني: يجب عليها الوضوء بالوجوب الغيري تبعاً لوجوب الصلاة، والحال إن وجوب الصلاة ليس فعلياً في حقها نظراً لتحيُّضها، بالتالي: "ثبت العرش ثم النقش"، إذا الصلاة ليس وجوبها فعلياً في حق الحائض، فهذا الواجب النفسي لم يثبت، فالواجب الغيري - وهو الوضوء - لا يثبت أيضاً بالتبع. وهنا يحصل شك بدوي في وجوب الوضوء النفسي، فتجري البراءة عن إثبات الوجوب النفسي.

[النتيجة الفقهية]

إذاً في مثل هذا الفرض، إذا دار الوضوء بين الواجب النفسي أو واجب الغيري لواجب غير فعلي، لا شك أن مرجع هذا الفرض إلى الشك البدوي في الوجوب النفسي، إذ على تقدير أن يكون الوضوء واجباً غيرياً فلا يوجد وجوب غيري فعلي هنا، إذ أن المرأة حائض ولا وجوب للصلاة فعلاً في حقها حتى يكون الوضوء واجباً فعلاً في حقها، إذا سقط الوجوب الفعلي للصلاة التي هي واجب النفسي، سقط الوجوب الفعلي للوضوء الذي هو واجب تبعاً لوجوب الصلاة. إذاً ما دار الأمر بين وجوب نفسي ووجوب غيري، الوجوب الغيري منتفٍ قطعاً، فيقع الشك في أن هذا الوضوء هل هو واجب نفسي؟ وهذا شك بدوي في الوجوب النفسي، فتجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي بلا إشكال.

بعبارة مختصرة وموجزة: الصورة الأولى موردها أن يعلم بكون الوضوء إما واجباً نفسياً أو غيرياً، واجب غيري لواجب آخر غير فعلي في حق المكلف كالصلاة على الحائض، فهنا ينتفي الوجوب الغيري ويُشك في ثبوت الوجوب النفسي، فتجري البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء.

هذا تمام الكلام في الصورة الأولى من المرحلة الثانية، الصورة الثانية يأتي عليها الكلام.

logo