47/05/11
الدرس (مائتان وثمانية وخمسون): النكتة الثانية في دخول الفعل في العهدة دون المصلحة
الموضوع: الدرس (مائتان وثمانية وخمسون): النكتة الثانية في دخول الفعل في العهدة دون المصلحة
[تمهيد]
أن المولى قد يتفق أنه يجعل ذات المقدمة في عهدة المكلف مباشرة دون ذي المقدمة حذراً من أن يخطئ العبد صدفةً في مورد ويتوهم العجز عن الوصول إلى ذي المقدمة. فهذا العبد لو جرب المقدمة الفلانية واتضح له أنه لم يصل من هذه المقدمة إلى ذي المقدمة، فقد يتوهم أنه لا يمكن الوصول إلى ذي المقدمة.
[مثال قرآني توضيحي: الصلاة والانتهاء عن الفحشاء والمنكر]
مثال ذلك: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾[1] ، فالصلاة مقدمة للانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وذو المقدمة هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وذو المقدمة يتحقق بعدة مقدمات، فقد يكون الانتهاء عن الفحشاء والمنكر بالصلاة أو الصوم أو الحج أو الزكاة.
[بيان الإشكال لو لم يوجب المولى المقدمة]
فلو لم يوجب المولى على المكلف فعلاً من الأفعال أو ومقدمة من المقدمات، و أوجب عليه مباشرة ذا المقدمة وقال: "يجب عليك أن تنتهي عن الفحشاء والمنكر"، وجرب هذا العبد الصوم فلم ينته، وجرب الحج فلم ينته، فقد يُصاب باليأس ويقول: "يعجز الانتهاء عن الفحشاء والمنكر".
[الحكمة من إيجاب المقدمة دون ذيها]
فيوجب عليه المولى مقدمة من المقدمات لكي يتحفظ على الغرض الأصلي، فيقول له: "يجب عليك أن تصلي"، وأدخلت وجوب الصلاة في ذمتك وعهدتك حتى لو قطعت بأن الصلاة لن تنهاك عن الفحشاء والمنكر. فيوجب المولى المقدمة على العبد حتى لو قطع العبد بأن المقدمة لن توصل إلى ذي المقدمة، وحينئذ يحكم العقل على المكلف بلزوم امتثال المقدمة، وبالتالي يضمن المولى الحفاظ على غرضه الأصلي وعلى غرضه الأساسي، ويضمن المولى عدم خطأ واشتباه العبد.
وهذا كثيراً ما يحصل في المقدمة غامضة النتائج مجهولة الجوانب.
[مثال عرفي ثانٍ: حفظ النظام الاجتماعي]
مثال آخر: لو أراد المولى حفظ النظام الاجتماعي وأوجب على المكلف التعاون مع إخوانه، فلو أوجب المولى نفس حفظ النظام الاجتماعي ولم يوجب إحدى المقدمات، فقد يُصاب هذا المكلف باليأس ويقول: "هذا المجتمع لا فائدة فيه، تعاونت أو عدلت أو أحسنت لا فائدة فيهم"، وقد يصل إلى نتيجة أنه يعجز المكلف عن حفظ النظام الاجتماعي. فلكي يضمن المولى المصلحة الأصلية وهي حفظ النظام الاجتماعي، يوجب على المكلف مقدمة من المقدمات، فيقول له: "يجب عليك التعاون" حتى لا يعتمد العبد على ذوقه ويقع في الخطأ والاشتباه.
[خلاصة النكتة الثانية]
وهذه نكتة توجب أن يُدخل المولى الفعل والعمل في عهدة المكلف دون المصلحة، فيوجب عليه التعاون ولا يوجب عليه حفظ النظام الاجتماعي، يوجب عليه الصلاة ولا يوجب عليه الانتهاء، لأن المولى لو ترك العبد وتشخيصه فلربما يشتبه ويخطئ. هذا تمام الكلام في النكتة الثانية.
[النكتة الثالثة: إدخال الفعل في العهدة كمقدمة لتحقق عنوان الطاعة]
النكتة الثالثة:
إن إدخال الفعل في العهدة قد يكون بنفسه من مقدمات الوصول إلى المصلحة والغرض النفسي. مثال ذلك: لو كانت المصلحة والغرض في عنوان الطاعة والامتثال دون مجرد الفعل من دون امتثال.
[تحليل فلسفة التكليف هنا]
في هذه الحالة يجعل المولى الفعل كالصلاة والتعاون في عهدة المكلف لكي يصبح العبد قادراً على الامتثال، فيصير نفس الفعل كالصلاة والتعاون مقدمة لتحقق عنوان الطاعة. هو كيف يطيع؟ إذا صلى. كيف يطيع؟ إذا تعاون. فالمولى يوجب عليه الفعل ويقول له: "أضف إليه قصد امتثال أمر المولى لكي يتحقق عنوان الطاعة".
[احتمال الخطأ لو أوجب المولى الطاعة مباشرةً]
وأما لو قال له مباشرة: "عليك بالطاعة، عليك بالامتثال"، ربما يخطئ يخطئ في تحقيق عنوان الطاعة والامتثال، لكن إذا حدد له الفعل يكون قد حدد له المقدمة المحققة لعنوان الطاعة والامتثال. واضح إن شاء الله النكتة الثالثة؟
يعني لو أوجب عليه المصلحة وقال له: "عليك بالطاعة وعليك بالامتثال وعليك بالانقياد لله تبارك وتعالى"، هنا قد يخطئ المكلف في مصداق الطاعة ومصداق الامتثال، قد يشرب الخمر ويتوهم أن هذا امتثال وطاعة. لكن لو حدد له الفعل وقال: "عليك بالصلاة، عليك بالصوم، عليك بالحج"، فهنا يكون بتحديد الفعل وإدخاله في الذمة قد حقق مقدمة الطاعة، فإن الطاعة ليست مجرد الفعل بل الطاعة هي الفعل مع قصد الامتثال.
[النكتة الرابعة: في الملاك غير المعرف بحدوده للمكلف]
النكتة الرابعة:
قد يكون الملاك موجوداً لكن لا يُعرِّفه المولى بحدوده للعبد. إذاً عندنا نحوان من الملاك: ملاك يمكن أن يُعرِّفه المولى بحدوده، وملاك لا يمكن أن يُعرِّفه المولى بحدوده، وبالتالي ما دام المولى لم يُعرِّف الملاك بحدوده فإنه يشير إلى الفعل المحقق لذلك الملاك كأن يقول له: "حصِّل الملاك الذي يحصل بالصلاة". هذا العبد إذا تجيء في ملاك الصلاة وعروج المؤمن يمكن ما يفهم معنى عروج المؤمن. فيقول له: "حصِّل الملاك الذي يحصل بالصلاة، حصِّل الملاك الذي يحصل بالزكاة والخمس". وهذا أسلوب عرفي يجعل الصلاة رأساً في العهدة لا الملاك، والكثير من الناس لا يتوجه إلى الملاك والمصلحة، يهمه الفعل الذي يدخل في ذمته وعهدته.
[النكتة الخامسة: تفاوت درجات اهتمام المولى بسدّ أبواب عدم الغرض]
النكتة الخامسة والأخيرة:
إن المولى قد لا يكون اهتمامه بغرض معين إلى حد يهتم بسد جميع أبواب عدمه، بل قد يكون يهتم المولى بدرجة يتطلب منه سد باب معين بأن يهتم بغرضه بمقدار مقدمة واحدة من مقدماته فقط، ويجعل حصول غرضه بحصول باقي المقدمات على عهدة الصدفة والاتفاق.
[المثال التطبيقي: النظام الاجتماعي]
مثال ذلك: لو كان الغرض المولى حفظ النظام الاجتماعي للبشر، لكنه يعرف أن البشر مليء بالشهوات والنزوات التي قد تضر بالنظام الاجتماعي والسلم الأهلي، فيوجب على المكلف سد باب من أبواب العدم وهو التعاون، يقول: "عليك بالتعاون" لأن التعاون إعدام للخلل الاجتماعي، ولا يوجب عليه باقي المقدمات كالإحسان والصدقة والتزاور وغير ذلك، هذه يتركها إلى الصدفة. فالنظم الاجتماعي يحصل بعدة مقدمات، من هذه المقدمات التعاون، من هذه المقدمات العدل، من هذه المقدمات الإحسان، من هذه المقدمات القيام بالأعمال الخيرية، لكن المولى لا يوجب جميع هذه المقدمات، المولى لا يهتم بسد جميع أبواب العدم، بل المهم عنده مقدمة من مقدمات سد أبواب العدم. أهم مقدمة ما هي؟ التعاون، فيوجب عليه خصوص التعاون ويُدخل في ذمة العبد خصوص هذه المقدمة وهي التعاون، وأما المقدمات الأخرى فلا يوجبها عليه وقد تحصل صدفة واتفاقاً. هذا معقول، نعم. قد يكون المولى مهتماً بسد جميع أبواب العدم، وقد لا يكون مهتماً بسد جميع أبواب العدم، نعم مقدمة ناجزة عنده لسد أبواب العدم هي التي يوجبها.
[جواب الاعتراض الأول: لماذا لا يوجب الغرض نفسه؟]
إن قلت: كان بإمكان المولى أن يوجب على العبد ذلك الغرض مشروطاً بتحقق باقي المقدمات، يعني كان يمكن للمولى أن يقول: "يجب عليك حفظ النظام الاجتماعي وأن تأتي بجميع المقدمات التي توجب حفظ السلم الأهلي والنظام الاجتماعي"، يمكن هذا.
قلنا:
أولاً: إن الهدف هو بيان وتحصيل نكتة عرفية في عدول المولى عن إيجاب المصلحة والملاك إلى إيجاب الفعل الذي هو مقدمة للغرض، والمولى بالخيار، يمكن أن يوجب جميع المقدمات ويمكن أن يوجب مقدمة أو مقدمتين أو ثلاثاً من المقدمات. فكلامنا في عالم الثبوت، وفي عالم الثبوت والإمكان يمكن أن يهتم المولى بسد باب ويقدمه على سد ألف باب، فيوجب مقدمة ولا يوجب ألف مقدمة أخرى.
إذاً التوصل إلى الغرض والملاك قد يكون بسد جميع أبواب العدم وإيجاب جميع المقدمات كما اعترض المستشكل، وقد يكون بسد باب أو بعض الأبواب دون الجميع، فيوجب المولى مقدمة أو مقدمتين دون الجميع ويترك الباقي للصدفة.
[جواب الاعتراض الثاني: شك المكلف في قدرته]
وثانياً: قد يتفق أن العبد لا يعرف أن المقدمات الأخرى هل سوف تحصل أو لن تحصل؟ فيعالج المولى الموقف بإدخال تلك المقدمة في العهدة بدلاً عن إدخال أصل الغرض في العهدة. يعني هذا العبد يقول: "وما يدريني أنني سأكون قادراً..."، هذا إذا افترضنا أن المقدمات اختيارية، من قال لك أنني سأقدر على التعاون والعدل والإحسان والأعمال الخيرية؟ أنا من؟ أنا البنك المركزي؟ يمكن أنا ما أقدر. فقد يشكك المكلف في قدرته على إتيان جميع المقدمات، وهنا يحدد المولى له مقدمة من المقدمات أو فعلاً من الأفعال ويقول له: "من المحرز أنك قادر على التعاون ولم نوجب عليك غيره، وما أوجبنا عليك التعاون إلا لقدرتك عليه".
[خاتمة البحث: في علاقة الأحكام بالمصالح والمفاسد الواقعية]
[إشكال في إطلاق القاعدة]
وفي الختام: نقول مقولة إن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية، هل هي صحيحة على إطلاقها؟ أولم يختلف الفقهاء؟ فقال البعض كالمحقق الأصفهاني أن المصلحة قد تكون في نفس الجعل لا في متعلق الجعل؟ وهل نحن ندرك جميع المصالح والمفاسد الواقعية؟ فقد يكون هناك غرض لا نلتفت إليه.
[تطبيق قرآني: الصلاة والانتهاء عن الفحشاء والمنكر]
مثال ذلك: إذا قلنا إن الغرض هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، والصلاة هي مقدمة للانتهاء عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظم لعلكم تذكرون ، فقد يُشكل بأن البعض يصلي صلاة الليل ويسرق، والبعض دائماً في الصف الأول ويكذب ويزني والعياذ بالله، فهذه الصلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر.
[الجواب]
فيقال: من قال إنّ الغرض من تشريع الصلاة هو تحقيق الانتهاء عن الفحشاء والمنكر؟ قد يكون غرض المولى تمرين العبد، قد يكون غرض المولى أن يقف العبد أمامه في هذا الموقف سواء انتهى عن الفحشاء والمنكر أو لم ينته عن الفحشاء والمنكر. إذاً قد تكون المصلحة في نفس الفعل ونحن لا ندرك المصلحة. هذا تمام الكلام في جواب السؤال الأول.
[السؤال الثاني: معنى جعل الفعل في الذمة مع كون المحبوب النفسي هو الملاك]
السؤال الثاني: ما معنى جعل الفعل كالصلاة في الذمة والعهدة مع كون المحبوب النفسي هو الملاك كالانتهاء عن الفحشاء والمنكر؟ أفهل معنى ذلك هو تعلق جعل الحكم والاعتبار بذلك الفعل؟
[فرضية إنكار مرحلة الاعتبار]
فلو قلنا: إن الحكم في عالم الثبوت ليس له عدا مرحلتين: مرحلة الملاك ومرحلة الإرادة، ولا توجد مرحلة ثالثة وهي مرحلة الجعل والاعتبار، فحينئذ يصير لا يُعقل جعل الفعل في العهدة من دون وجود مرحلة ثالثة اسمها مرحلة الجعل والاعتبار، وبالتالي أي أثر لمجرد الاعتبار في باب حكم العقل بوجوب الامتثال؟
خلاصة السؤال الثاني: لو التزمنا بوجود مبادئ الحكم فقط: الملاك والإرادة، وأنكرنا المرحلة الثالثة: الاعتبار والجعل، فحينئذ يمكن الإشكال حينما تقولون: "يعتبر الفعل في الذمة ولا يعتبر المصلحة والملاك في الذمة". يأتي هنا الإشكال: هذا اعتبار الفعل، يعني جعل الفعل في الذمة، هذه مرحلة غير موجودة، نحن ننكرها، وبالتالي ما يحكم العقل بلزوم امتثال، هذه المرحلة الثالثة غير موجودة؟
الجواب: لا تتمسك بحاق لفظ الجعل والاعتبار، هذه مجرد صياغة، المراد والنكتة: إدخال الشيء في الذمة وإدخال الشيء في العهدة، هذا روح المطلب وهذا موجود. ما الذي دخل في ذمتك؟ هل هو الفعل كالصلاة أو المصلحة والملاك كالانتهاء عن الفحشاء والمنكر؟ فإذا دخل وأُدخل في العهدة والذمة نفس الفعل، حكم العقل بلزوم الامتثال.
وبالتالي يمكن أن يحول المولى مصب وجوب الامتثال والدخول في العهدة من المصلحة إلى مقدمة من مقدمات المصلحة، فيقول المولى: "أدخلتُ في ذمتك وعهدتك الصلاة التي هي مقدمة من مقدمات الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، ولم أُدخل في ذمتك نفس الملاك ونفس المصلحة الذي هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر". هذا تمام الكلام في الجهة الأولى: تعريف الواجب النفسي وتعريف الواجب الغيري.
[الجهة الثانية: الأصل عند الشك في النفسية والغيرية]
يبقى الكلام في الجهة الثانية: إذا شككنا، مثلاً دل الدليل على وجوب الوضوء أو الصلاة، وشكينا هذا واجب نفسي أو واجب غيري، فما هو الأصل؟ الأصل عند الشك في النفسية والغيرية، يأتي عليه الكلام.