47/11/19
19 ذي القعدة 1447
7 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (الرابع والعشرون): الحج تشييدٌ للدين
جاء في نهاية الخطبة الأولى من نهج البلاغة قول الشريف الرضي رحمه الله: «منها»، ثم قال: «وفرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه ولوه الحمام، جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته، واختار من خلقه سماعًا أجابوا إليه دعوته، وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عنده موعد مغفرته، جعله سبحانه وتعالى للإسلام علمًا، وللعائذين حرمًا، فرض حجه، وأوجب حقه، وكتب عليكم وفادته، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚوَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾»[1] . انتهت الخطبة الأولى من نهج البلاغة.
يُستفاد من كلمة «منها» التي أوردها السيد الشريف الرضي جامع نهج البلاغة أن الشريف الرضي قد حذف من الخطبة شيئًا، إما عمدًا وإما قهرًا، ولعل المحذوف كان يرتبط بالتبري من أعداء أهل البيت عليهم السلام الذين هم عدل القرآن وأحد الثقلين، ولعل ظروف التقية التي كان يعيشها الشريف الرضي كانت تقتضي أن يحذف منها ذلك.
وهذا يقودنا إلى بحث مهم وعميق في نهج البلاغة، فإن الشريف الرضي رضوان الله عليه أولًا لم يجمع جميع كلمات أمير المؤمنين، بل كان بصدد بيان الخطب التي فيها نكات بلاغية، لذلك أسماه نهج البلاغة، فهو بصدد بيان بلاغة وفصاحة أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، ولم يكن بصدد استقصاء وتتبع جميع خطب وكلمات أمير المؤمنين، إذ أنه قسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول الخطب، القسم الثاني الرسائل، القسم الثالث قصار حكم أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. وثانيًا: حتى الخطب والرسائل وقصار الحكم التي أوردها الشريف الرضي كان قد اقتطعها من كلمات أمير المؤمنين، فلربما كان في بداية الخطبة أو في نهايتها أو في وسطها شيء قد حذفه الشريف الرضي.
ومن هنا انبرى العلامة السيد صادق الموسوي ابن المرجع السيد محمد باقر ابن المرجع السيد عبد الله الشيرازي رضوان الله عليهما، وتصدى لإكمال هذه النواقص في الخطب أو الرسائل أو قصار الحكم، وطبع الكتاب تحت عنوان «تمام نهج البلاغة»، وطبعه في عدة طبعات، وطابقه على عدد كبير من النسخ، وصل في طبعته الأخيرة إلى مطابقة كتابه «تمام نهج البلاغة» مع ألف ومئتي نسخة خطية، وربما لا تجد كتابًا قد قوبل مع ألف ومئتي نسخة خطية ومطبوعة، وطبعه مع أسانيده في موسوعة قد تبلغ ثمانية مجلدات طبعتها مؤسسة الأعلمي في بيروت، ثم استخرج متن هذه الكلمات الكاملة بدون الأسانيد والزيادات في مجلد كامل، وطبعه بشكل مرتب كطباعة القرآن الكريم، وأهدى نسخة منه إلى بابا الفاتيكان وإلى شيخ الأزهر في مصر وإلى الأمم المتحدة وإلى مراجع المسلمين العظام في قم والنجف الأشرف.
وكانت للمرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الشيخ عبد الله جوادي آملي حفظه الله الذي فسر القرآن الكريم في ثمانين مجلدًا «تفسير تسنيم»، وشرح نهج البلاغة والزيارة الجامعة، فقال الشيخ جوادي: «لا يمكن شرح نهج البلاغة من دون الرجوع إلى كتاب تمام نهج البلاغة؛ لأن كتاب تمام نهج البلاغة قد ذكر بعض المقاطع المحذوفة من أول الخطبة أو وسطها أو نهايتها أو في أثنائها، وهذه المقاطع ببركة وحدة السياق سيكون لها تأثير في فهم المعنى المقصود». فمن قول الشريف الرضي «منها» يعني من هذه الخطبة في ذكر الحج يُفهم أنه هناك مقاطع حُذفت إما قهرًا أو اختيارًا.
ولنرجع إلى شرح مفردات اللغة: فرض بمعنى أوجب. الحج هو القصد في اللغة، وفي الاصطلاح قصد البيت الحرام بمكة لأداء مناسك مخصوصة. الحرام أي ما يحرم انتهاكه، أو بمعنى المحترم. القبلة هي الجهة التي يصلى نحوها. ورود الماء أي بلوغه. الوله شدة الوجد، وقيل إن الوله هو العكوف والمكث والبقاء عند الشيء. الحمام نوع من أنواع الطيور معروف. الإذعان هو الإقرار والاعتراف. السماع جمع سامع. يحرزون يعني يصيبون ويجمعون. المتجر هو محل التجارة، وقد يطلق على نفس التجارة. العلم بفتح العين واللام بمعنى العلامة. العائذين أي اللاجئين، والحرم هنا ما يحمى الرجل ويدافع عنه. الوفادة القدوم، فتقول الوافدين أي القادمين. هذا تمام الكلام في بيان مفردات اللغة.
شرح المعنى: قال أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المقطع الأخير من الخطبة الأولى: «وفرض عليكم حج بيته الحرام»، أي أوجب الله على الناس حج بيته الحرام، أي أداء مناسك الحج، فأوجب عليهم قصد مكة المكرمة لأداء مناسك الحج حول الكعبة الشريفة. وإنما سُمي البيت الحرام حرامًا لأنه يحرم فيه أشياء تحل في غيره كالصيد وغيره من محرمات الإحرام، فالمراد بالبيت الحرام هو البيت الذي يجب احترامه ويحرم انتهاكه بانتهاك محرمات الحرم والبيت الحرام والإحرام.
قال عليه السلام واصفًا البيت الحرام: «الذي جعله قبلة للأنام»، أي أن الله عز وجل جعل البيت قبلة للناس، وجهة يتوجهون إليها في الصلاة وعدة مواضع كذبح الذبيحة وعند دفن الميت، فإنه يُوجه إلى القبلة، وحالة الاحتضار فإن المحتضر يُوجه إلى القبلة. قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾[2] ، أي نحوه.
ثم وصف أمير المؤمنين حال الناس تجاه البيت الحرام فقال: «يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه ولوه الحمام». يردونه، الهاء تعود إلى الأنام، يعني يرد الأنام أي يرد الناس، بمعنى الورود بمعنى الدخول، فكما أن الأنعام من غنم وبقر وجمال تدخل إلى الحظيرة، فكذلك الناس تدخل إلى حظيرة القدس وتطوف حول البيت الحرام، فالناس يدخلون إلى البيت الحرام ويدورون حول الكعبة الشريفة كما تدخل الأنعام المحوطة التي أُعدت لهم، يعني يردونه سواسية لا فرق بين أحد منهم.
ثم قال: «ويألهون إليه»، أي إلى البيت الحرام، «ولوه الحمام». أله بمعنى التحير، ويألهون إليه يعني يتحيرون أي يشتاقون إلى البيت الحرام كما يشتاق طير الحمام. ويُقال إن الحمام أشد الطيور ولهًا وحنينًا، وجه الشبه شوق الطير إلى وكره وفرخه، ولذلك يُقال إن الحمام يطلب وكره ولو أُرسل مئة فرسخ، بل وإن غاب عن وكره سنين عديدة. هكذا يُظهر الحجاج اشتياقهم إلى البيت الحرام، لذلك يُستحب نية العود، وأن نية عدم العود توجب قصم الظهر وقصر الأجل، سبحان الله! وكل من يحج مرة واحدة أو يعتمر مرة واحدة يشتاق أن يرجع.
ثم قال عليه السلام: «جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته»، أي أن الطواف حول البيت الحرام نوع من التعظيم، فالطائف وهو يلبس ثوبي الإحرام مئزرًا وردءًا، هذا فيه نوع تذلل وخشوع وخضوع وتواضع لعظمة الله تبارك وتعالى، فهذا علامة ودليل على تواضع الناس وتواضع المخلوق لعظمة الخالق.
ثم قال: «وإذعانهم لعزته»، وإذعانهم أي إذعان الأنام، والإذعان هو الاعتراف، فهذا اعترافٌ لعزة الله تبارك وتعالى. كيف يكون الإذعان لعزة الله؟ من الملحوظ أن بعض مناسك الحج لا ندرك فلسفتها، مثل: فلسفة الهرولة والركض في المسعى، فبعض ذوي الشأن والمروءة كالرؤساء والقيادات والزعماء قد يصعب عليهم في كبر سنهم الهرولة مع أنها مستحبة، وهو المكان الذي هرولت فيه أمنا هاجر لكي تأتي بالماء لنبي الله إسماعيل جدنا صلوات الله وسلامه عليه. فالبعض قد يستهزء، من لا يدرك فلسفة هذه الأحكام قد يلحد وقد يستهزئ، والإمام عليه السلام في بعض الروايات أجاب بجواب طويل منه قوله: «أن يعرف الفرق بين الطائع المتعبد الذي يطيع ويعمل، وبين الذي يعتمد على فهمه ويتمرد»[3] . قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾[4] . إذًا من يذعن لعزة الله، من يعترف بجلال الله، هذا يحصل على توفيق خاص من رب العالمين، بخلاف الذي لا يذعن ولا يقر.
ثم قال عليه السلام: «واختار من خلقه سماعًا أجابوا إليه دعوته»، وفي بعض النسخ «أجابوا له دعوته». أي دعوة الله التي جاءت على لسان إبراهيم. قال تعالى مخاطبًا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾[5] . فنادى إبراهيم: هلموا إلى الحج، فأجابه من أجابه في أصلاب الرجال: لبيك داعي الله، فمن أجابه مرة حج مرة، ومن أجابه مرات حج مرات، ومن لم يلبه لم يحج، كما في الكافي[6] ، ومن لا يحضره الفقيه[7] .
ويمكن أن يكون المقصود من قوله عليه السلام «أجابوا إليه دعوته» هو ما دعوت الله في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[8] . في بعض الروايات النبي يقول: «أنا دعوة جدي إبراهيم»[9] ، لأنه في دعاء النبي إبراهيم بعد أن دعا الناس إلى الحج قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾[10] ، فيقول النبي: «أنا استجابة دعاء جدي إبراهيم خليل الرحمن».
ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه». فالمراد بتصديق الكلمة هو الطاعة والمجيء إلى بيته الحرام وامتثال أمر الله عز وجل، والوقوف بعرفة ومزدلفة والمبيت بمنى، فهذه مواقف وقف فيها أنبياء الله، لأن أكثر أنبياء الله قد حج البيت الحرام. عندنا موضعين عندنا جامع الكوفة أو مسجد الكوفة، عندنا رواية: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد صلى في مسجد الكوفة»[11] ، لذلك إذا تزور مسجد الكوفة تجد مقام آدم، مقام إبراهيم، هذه يعني المواضع التي صلى فيها آدم وإبراهيم، وأيضًا هؤلاء، أيضًا أكثر الأنبياء قد صلوا في البيت الحرام. «ووقفوا مواقف أنبيائه» يعني وقفوا في المواقف التي وقف فيها الأنبياء كعرفة ومزدلفة ورمي الجمار بمنى.
ثم وصف الحجاج قائلًا: «تشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه»، لأن ملائكة الله كانوا يطوفون حول العرش، ثم أمرهم الله أن يطوفوا حول البيت المعمور، فالطائفون حول الكعبة تشبهوا بالملائكة الطائفين حول العرش. توضيح ذلك: عندنا الكعبة وهي البيت العتيق، مقابل الكعبة في السماء الرابعة يوجد البيت المعمور ويطوف حوله الملائكة، ومقابل البيت المعمور وفوقه في السماء السابعة يوجد عرش الله تبارك وتعالى. إذًا الكعبة التي هي البيت العتيق هي في سمت البيت المعمور في السماء الرابعة الذي هو في سمت العرش الذي هو في السماء السابعة، فحينما نطوف حول البيت العتيق نحن في امتداد طواف الملائكة حول البيت المعمور في السماء الرابعة في مقابل العرش وحملة العرش في السماء السابعة. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾[12] .
ثم قال عليه السلام: «يحرزون الأرباح في متجر عبادته». شبه الإمام علي الحج بالتجارة أو محل التجارة، وشبه الحجاج بالتجار الذين يحضرون السوق لجلب المكاسب والأرباح، يعني تجارة مع الله، وهذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[13] . «يحرزون الأرباح» يعني يحصلون على الأرباح وهي الثواب في متجر عبادته، يعني في محل عبادته وهي الكعبة والبيت الحرام.
ثم قال عليه السلام: «ويتبادرون عنده موعد مغفرته». يتبادرون يعني يتسارعون إلى أداء المناسك التي توجب غفران الذنوب، فيرجع الحاج كيوم ولدته أمه كما في الروايات[14] .
ثم قال عليه السلام: «جعله سبحانه وتعالى للإسلام علمًا»، يعني علامة، «وللعائذين حرمًا»، أي من يعوذ ويلوذ بالبيت يكون حرمًا وحصنًا، لأنه البيت الحرام من يلجأ إليه، مثلًا لو شخص عليه حد لا يجوز إقامة الحد داخل البيت الحرام، لو سارق ولجأ إلى البيت الحرام لا يُقام عليه الحد، فيلوذ بالبيت الحرام الهلاك، أي إن هذا البيت هو حرم آمن. قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾[15] .
ثم قال عليه السلام في آخر كلمة من خطبته الأولى: «فرض حجه»، أي أوجب حجه، «وأوجب حقه»، يعني أوجب حق البيت الحرام حرمته، «وكتب عليكم وفادته»، والمراد بالوفادة الذهاب إليه، فلا بد من تلبية الدعوة. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾[16] ، يعني قصد البيت الحرام وأداء المناسك، ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾، يعني لمن استطاع، ﴿إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ﴾، يعني من ترك الحج هو كافر، يعني كفرًا عمليًا ليس كفرًا اعتقاديًا، كفر عملي، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[17] .
هذا تمام الكلام في الخطبة الأولى، الخطبة الثانية يأتي عليها الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.