47/11/12
12 ذي القعدة 1447
30 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (الثالث والعشرون): توصيف آيات القرآن في الخطبة الأولى من نهج البلاغة
ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عدة أقسام لآيات القرآن الكريم، فقد ذكر أربعةً وعشرين نوعًا من أنواع آيات القرآن الكريم، وقد تطرقنا إلى بعضها ونكمل اليوم البقية، إذ قال عليه السلام: «وعِبَرِهِ وأمثالِهِ ومُرسَله ومَحدوده ومُحكَمه ومُتشابهه»، وسنتطرق أولاً إلى معاني هذه الأقسام والأنواع الأربعة والعشرين، وثانيًا سنذكر الآيات التي تمثل مصاديق هذه الأنواع الأربعة والعشرين.
ولنبدأ أولًا ببيان المفاهيم والمعاني لهذه العبائر التي عبَّر بها أمير المؤمنين واصفًا آيات كتاب الله العظيم، فقال: «وعِبَرِهِ»، العِبَر جمع عِبرة، والعِبرة ما يعتبر به الإنسان، وهي مأخوذة من العَبْر، والمراد بالعابر العبور أي انتقال الجسم من موضع إلى موضع آخر، فتقول: عَبَرْتُ النهر، عَبَرْتُ البحر، أي انتقلتُ من ضفة إلى ضفة أخرى في النهر أو البحر، والمراد بالعِبرة ما ينتقل به الذهن من المصائب الواقعة بالغير أو الأمور المكروهة عند نفسه فيُقدِّرها كأنها نازلة به فيحصل له عزوف عن الدنيا وتصغر الدنيا في عينه.
مثال ذلك: حينما ينظر الإنسان إلى الملوك والسلاطين الذين تجبروا وظلموا وقتلوا وجمعوا الأموال، لكنهم رحلوا عن هذه الدنيا بعد أن سكنوا القصور فأخذهم الموت بغتةً فأصبحوا ترابًا تذروه الرياح، ربما لا يُدرى أين قبورهم وأجسادهم، كما جاء في شعر الإمام الهادي عليه السلام الذي وعظ به المتوكل العباسي فقال:
باتوا عَلَى قُلَلِ الْجِبَالِ تَحْرُسُهُمْ … إلى آخر الأبيات، إلى الشعر، إلى أن يقول:
نَادَاهُمْ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا قُبِرُوا … أَيْنَ الْأَسِرَّةُ وَالتِّيجَانُ وَالْحُلَلُ؟
أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنَعَّمَةً … مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الأَسْتَارُ وَالْحُلَلُ؟
فَأَفْصَحَ الدَّهْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَأَلَهُمْ … تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ يَقْتَتِلُ
لطَالَمَا أَكَلُوا دَهْرًا وَمَا شَرِبُوا … فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا
وجاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام: «ما أكثر العِبَر وأقل الاعتبار»[1] ، حتى بالنسبة إلى نفس الحكام الظلمة يرون غيرهم ممن ظلم كيف كانت عاقبته، لكن الإنسان ذاكرته ضعيفة ينسى ويغفل ويظن أن ما أصاب غيره لن يصل إليه، أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ رحلوا.
ثم قال عليه السلام: «وأمثالِهِ»، أي أمثال القرآن، الأمثال جمع مَثَل، والمَثَل له أثر عجيب في النفس، فكلنا نعلم أن الظلم قبيح وأن الظالم لا يدوم، لكن إذا سمعنا كيفية موت الحجاج بن يوسف الثقفي وقد مات ذليلًا فإننا نتأثر، مع أن هذه العاقبة لهذا الظالم أو ذاك معلومة، لكن حينما نسمع أن فلانًا ظلم الناس لكنه ابتُلي بالأمراض والذلة والعار والصَّغار فهذا يكون له أثر كبير في النفس، لذلك تطرق القرآن الكريم إلى القصص والأمثال لما لهما من أثر بالغ في نفس الإنسان.
ثم قال عليه السلام: «ومُرسَلِهِ ومَحدودِهِ»، المُرسَل هو عبارة عن الكلمة المطلقة من دون تقييدها، كأن تقول: رأيتُ رجلًا، ولا تقيدها مؤمناً أو فاسقاً، فكلمة رجل مطلقة غير مقيدة فهي مُرسَلة عن القيد والتقييد، والإرسال من إرسال الناقة، فالناقة والبعير قد يُقيَّد بقيد وعِقال، ومن هنا سُمي العقل عقلًا لأنه يمنع الإنسان من الوقوع في الخطأ، فالسر في تسمية العقل عقلًا أنه يمنع الإنسان من الوقوع في الخطأ، وفي مقابل العقل والمنع هو الإرسال.
جاء في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله: «اعقِلْها وتوكَّلْ»[2] ، يعني اربط الناقة وتوكل على الله، هي في حفظ الله، في مقابل عَقْل الناقة إرسال الناقة أي عدم تقييدها، ومن هنا أُطلق على الرواية التي قُطع سندها أو فُقدت إحدى الوسائط من سلسلة سندها بأنها رواية مُرسَلة.
والسر في ذلك: أن متن الرواية مُقيَّد بسلسلة الإسناد، فالرواية والحديث معقول ومُقيَّد بمفردات السند والرجال الواردين في السند، فهذا السند بمثابة السُّبحة التي فيها حبات متصلة، فإذا قطعت السُّبحة تقول: أُرسلت السُّبحة، أي أزلت الخيط الذي يلم جميع حبات السُّبحة، كذلك السند مثل السُّبحة يعني هناك ارتباط بين الوسائط في الطبقات المختلفة في سلسلة السند، فإذا فُقدت واسطة في طبقة ما من طبقات هذا السند يكون السند مُرسَلًا، أي أن الواسطة التي تربط الواسطة التي قبلها والواسطة التي بعدها قد فُقدت فيكون مُرسَلًا، إذًا المراد بالمُرسَل أي المطلق.
ثم قال: «ومَحدودِهِ»، والمراد بالمحدود ما كان محدودًا بحد ومُقيَّدًا بقيد أو شرط، كأن تقول: أعتِقْ رقبةً مؤمنة، فهنا لفظ الرقبة وهو العبد لم يأتِ مُرسَلًا ومطلقًا بل جاء مُقيَّدًا ومحدودًا بحد الإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾[3] ، لفظ البقرة مطلق غير مقيد محدود، لكن بني إسرائيل سألوا: ما لونها؟
في بعض الروايات إن بني إسرائيل ضيَّقوا فضيَّق الله عليهم، الله عزّ وجلّ لم يُقيِّد البقرة بأي وصف وأي شيء، هم بأسئلتهم المتكثرة قد كثَّروا الحدود والقيود، إذًا قول أمير المؤمنين: «ومُرسَلِهِ ومَحدودِهِ» يعني ومطلقه ومُقيَّده، يعني توجد آيات مطلقة وتوجد آيات مُقيَّدة.
ثم قال عليه السلام: «ومُحكَمِهِ ومُتشابهه»، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖفَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗوَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾[4] ، إذًا آيات القرآن تُقسَم إلى قسمين: آيات محكمة وآيات متشابهة، فما المراد بالمحكم والمتشابه؟
المحكم هو الواضح، فالآية المحكمة هي الآية التي لها معنى واحد واضح ولا تعدد لمعناها، فكل عارف باللغة يظهر له معنى الآية المحكمة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[5] ، يعني الله عزّ وجلّ لا يوجد له شبيه ولا مثيل، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[6] ، الأحد هو الذي لا ثاني له، فلِمَ تقل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ واحد﴾؟ قالت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[7] يعني واحد لا ثاني له ولا ثالث، فهذه محكمة أي معناها واحد لا يتعدد وواضح، هي أم الكتاب.
القسم الثاني: الآيات المتشابهة، أي الآيات التي يخفى معناها وتحتاج إلى التفسير والتأويل، والمتشابه من التشابه، وسمي المتشابه متشابهًا لأنه يُشبه بعضه بعضًا، فهذا الشَّبَه قد يوقع في الخطأ والالتباس، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾[8] ، فقد تتوهم أن مجيء الرب بالرِّجلين، والله عز وجل ليس بجسم، فيكون التأويل: وجاءت رحمة ربك. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[9] ، ناظرة قد يُتوهَّم أنها تنظر إلى الله، والمنظور إليه هو الجسم فيكون محدودًا، والمحدود فقير محتاج وليس بغني، والله غني، إذًا لا يمكن أن يُراد بالنظر النظر المادي، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[10] أي إلى رحمة ربها ناظرة، فنُرجع الآية المتشابهة ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾[11] ، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾[12] ، ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[13] إلى آية محكمة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[14] .
ثم قال عليه السلام: «مُفسَّرًا جُمَلُهُ ومُبيَّنًا غوامضُهُ»، أي أن القرآن يُفسِّر بعضه بعضًا، فبعض الجُمَل نفس آيات القرآن تُفسِّره، وبعض الغوامض جمع غامض أي ما كانت غير ظاهرة المعنى، فبإرجاعها إلى الآية المحكمة يرتفع الغموض، كالغموض بالنسبة إلى التجسيم ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[15] ، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾[16] ، هذا الغموض فيما يتعلق بالتجسيم يرتفع بالإرجاع إلى الآية المحكمة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[17] ، فالمطالب المجملة والأمور الغامضة قد فسَّرها وبيَّنها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: «بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ»، أي أن الله عزّ وجلّ كلَّف العباد به فأخذ منهم وثيقة وعهدًا أن يعلموه ويتعلموه، مثل ماذا؟ العلم بوجود الله وتوحيد الله والعلم بالتكاليف الشرعية مثل وجوب الصلاة والصوم والحج والخمس والزكاة، هذه التكاليف مأخوذ ميثاق علمها يعني الله عزّ وجلّ طلب من الناس أن يعلموها وأوجب عليهم أن يتعلموها إذ أخذ الميثاق عليهم.
ثم قال عليه السلام: «ومُوسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ»، أي أن بعض آيات القرآن لا يجب معرفتها ولا يجب تعلمها، فالله عز وجل وسَّع على العباد في جهلها، كمعرفة معنى أوائل السور: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿الم﴾[18] ، ﴿حم﴾[19] ، ﴿كهيعص﴾[20] ، ما هو معناها؟ أكثر الناس وأكثر المسلمين لا يعرفون ذلك ولا يجب عليهم أن يعرفوا ذلك، مُوسَّع عليهم في عدم معرفة معنى هذه الآيات.
ثم قال عليه السلام: «وبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ ومَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ»، أي أن بعض الآيات وبعض الأحكام قد ثبتت في القرآن الكريم ولكن في السنة النبوية الشريفة قد نُسخ حكمها وأُلغي حكمها، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾[21] ، معناها أن الزانية تُحبَس في البيت إلى أن تموت، وهذا الحكم لا يُعمَل به إذ دلت الروايات على أن الزانية إن كانت محصنة فإنها تُرجَم، وإن كانت غير محصنة فإنها تُجلَد مئة جلدة.
ثم قال عليه السلام: «وَوَاجِبٍ فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ ومُرَخَّصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ»، أي أن بعض الأحكام كانت واجبة قبل نزول القرآن فلما جاء القرآن نسخها، كالتوجه إلى بيت المقدس، فقبل نزول القرآن كان المسلمون يتوجهون إلى بيت المقدس بفلسطين، ثم جاءت الآية: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾[22] ، فالتوجه إلى بيت المقدس لم يُذكَر في القرآن الكريم، ذُكر في السنة، لكن نُسخ التوجه إلى بيت المقدس والأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام جاء في القرآن الكريم.
ثم قال عليه السلام: «وبَيْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ»، مثل الواجبات المؤقتة كصلاة الجمعة وصلاة العيدين، فهي واجبة وقت الجمعة ووقت العيدين، فإذا انتهى وقت الجمعة والعيدين زال زمن الوجوب، وهكذا الواجبات المؤقتة بوقتٍ كالعهد أو اليمين فإنها تنتفي بانتفاء ذلك الوقت.
ثم قال عليه السلام: «ومُبَايِنٍ بَيْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ»، أي أن الحرمة تتباين وتختلف من حكم إلى حكم ومن ذنب إلى ذنب، فبعض الذنوب كبيرة أوجب الله عليها النار كالقتل، القاتل يخلد في نار جهنم.
ثم قال عليه السلام: «أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ»، يعني هناك ذنب صغير تناله مغفرة الله ورضوانه إذا تاب هذا المؤمن عن هذه الصغيرة.
ثم قال عليه السلام في الختام: «وبَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ ومُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ»، مقبول في أدناه كتلاوة القرآن، فإن أقل القليل منه ولو آية من كتاب الله أو كلمة من كتاب الله مقبول، ومُوسَّع في أقصاه ولك السعة في أن تقرأ كل القرآن الكريم.
هذا تمام الكلام في بيان معاني الأنواع الأربعة والعشرين.
الآن تطبيق، الأمر الثاني: تطبيق هذه الموارد الأربعة والعشرين، نذكرها سريعًا مع ذكر الآيات من دون شرح:
الأول: حلاله، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾[23] ، ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾[24] .
الثاني: حرامه، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾[25] ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾[26] .
الثالث: فرائضه، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾[27] .
الرابع: فضائله، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[28] .
الخامس: ناسخه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾[29] .
السادس: منسوخه، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾[30] .
السابع: رخصه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾[31] ، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾[32] .
الثامن: عزائمه، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾[33] .
التاسع: خاصه، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ﴾[34] ، فهذه خاصة بالنبي، طبعًا أيضًا الناسخ والمنسوخ آية النجوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾[35] ، هذا منسوخ، لم يعمل بهذه الآية إلا الإمام علي، ناجى النبي وتصدق، ثم الآية التي بعدها نسخت، نسخت لزوم دفع الصدقة عند المناجاة.
العاشر: عامه، قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[36] .
أحد عشر: عِبَره، حكاية عن فرعون: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ﴾[37] .
الثاني عشر: أمثاله، قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾[38] .
الثالث عشر: مرسله، كقوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾[39] .
الرابع عشر: محدوده، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾[40] .
الخامس عشر: محكمه، قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[41] ، ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[42] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾[43] .
السادس عشر: متشابهه، ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾[44] ، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَائِكَةُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا﴾[45] .
السابع عشر: مأخوذ ميثاق علمه، قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾[46] .
الثامن عشر: موسع على العباد جهله، قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾[47] ، ﴿حم﴾[48] ، ﴿عسق﴾[49] ، ﴿الم﴾[50] ، بقية أوائل السور.
التاسع عشر: مثبت في الكتاب فرضه ومعلوم في السنة نسخه، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾[51] ، قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾[52] ، هذا خاص بخصوص غير المحصن وأما المحصن فإنه يرجم.
العشرون: واجب في السنة أخذه ومرخص في الكتاب تركه، كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
الحادي والعشرون: واجب بوقته وزائل في مستقبله، قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾[53] ، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾[54] .
الثاني والعشرون: مباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه، قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾[55] .
الثالث والعشرون: أو صغير أرصد له غفرانه، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾[56] ، إلا اللمم الذنوب الصغير مثل ماذا؟ النظرة العابرة.
الرابع والعشرون والأخير: وبين مقبول في أدناه وموسع في أقصاه، كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[57] .
هذا تمام الكلام في بيان أربعة وعشرين نوعاً من أنواع الآيات القرآنية، وبعد أن انتهى أمير المؤمنين عليه السلام من وصف آيات القرآن الكريم، تطرق إلى فريضة الحج فقال: «وفرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام»، يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.