« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث النهج البلاغة

47/06/20

بسم الله الرحمن الرحيم



20 جمادى الثاني 1447
11 ديسمبر 2025

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (الثاني والعشرون): ما خلفه رسول الله في الأمّة

 

قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في تتمّة الخطبة الأولى من نهج البلاغة: «وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أُمَمها، إذ لم يتركوهم هَملاً بغير طريق واضح ولا علم قائم، كتاب ربّكم فيكم مبيِّنًا حلاله وحرامه وفرائضه وفضائله وناسخه ومنسوخه ورُخَصه وعزائمه وخاصّه وعامّه وعِبَره وأمثاله ومُرسَله ومحدوده ومُحكَمه ومتشابهه، مفسِّرًا جُمَله ومبيِّنًا غوامضه، بين مأخوذ ميثاق علمه وموسّع على العباد في جهله، وبين مثبَت في الكتاب فرضه ومعلوم في السنّة نسخه، وواجب في السنّة أخذه ومرخّص في الكتاب تركه، وبين واجب بوقته وزائل في مستقبله، ومباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبول في أدناه وموسَّع في أقصاه»، صدَقَ سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين.

في هذا المقطع يذكر أمير المؤمنين عليه السلام أربعة وعشرين قسم من أقسام آيات القرآن الكريم، وواقعًا أتعجّب حينما أنظر إلى نهج البلاغة وخصوصًا الخطبة الأولى: هل كان الحاضرون يفهمون هذه المعارف المختلفة والمفصّلة التي أشار إليها أمير المؤمنين؟ وفي هذا المقطع ندرك جيّدًا إلمام أمير المؤمنين عليه السلام بمعارف القرآن والتفاصيل التي وردت في كتاب الله تبارك وتعالى.

شرح مفردات اللغة

الفرائض: جمع فريضة، وهي الأمور الواجبة. ومصطلح الفريضة له عدّة معانٍ، أشهرها أن يُراد بالفريضة في مقابل النافلة، أي الواجب في مقابل المستحبّ. وأحيانًا يُطلَق الفريضة في كتاب الله على ما فرَضه الله عزّ وجلّ، ففي الأحكام الشرعيّة تُطلَق الفريضة أحيانًا على ما فرضه الله، والسنّة على ما فرضه النبيّ. مثال ذلك: الصلاة، فالركعتان الأولتان من الصلاة فرضهما الله تبارك وتعالى، والركعتان الثالثة والرابعة فرضهما النبيّ صلّى الله عليه وآله. لذلك في القصر تسقط الركعتان اللتان فرضهما النبيّ وتبقى الركعتان اللتان فرضهما الله عزّ وجلّ. فهنا يُراد بالفريضة ما فرضه الله، وبالسنّة ما سنّه وفرضه النبيّ صلّى الله عليه وآله.

الفرائض هنا في هذه الخطبة بمعنى الواجبات، ما افترضه الله على الإنسان.

الفضائل: الصفات الحميدة أو الأفعال المستحبّة. فهنا الفضائل بمقتضى المقابلة بينها وبين الفرائض يُراد بها المستحبّات.

والنسخ: هو الإزالة في اللغة.

والرُّخَص: جمع رُخصة، وهي التسهيل والتخفيف.

والعزائم: جمع عزيمة، وهي الإرادة المؤكّدة الواجبة، هي الفريضة والواجب.

والعِبَر: جمع عِبرة، وهي ما يعتبر به الإنسان من القضايا والقصص.

والأمثال: جمع مَثَل.

والمُرسَل: هو المطلَق.

والمحدود: هو المقيّد.

والغوامض: جمع غامض، وهو الأمر المبهم المُغلَق وما خفي معناه.

المُباين: ما فُرّق فيه.

وأرصَد: أي أعدّ.

هذا تمام الكلام في بيان بعض مفردات هذا المقطع الشريف.

شرح هذا المقطع الشريف

قوله عليه السلام: «وخلّف فيكم»، أي أنّ رسول الله ترك في الأمّة ما يكون خلَفًا له، فالرسول هو السلَف، وما تركه هو الخلَف. قال: «ما خلّفت الأنبياء في أمَمها»، أي أنّ جميع الأنبياء خلّفت في أمَمها وشعوبها وأقوامها خلَفَاً يتمثّل في الوصيّ من جهة، والكتاب السماوي أو التعاليم من جهة أخرى. أي أنّ الأنبياء خلّفت كتابَين: كتابًا صامتًا وكتابًا ناطقًا. فالكتاب الصامت هو الشريعة إن كان النبيّ صاحب شريعة، وإن لم يكن النبيّ صاحب شريعة فهو قد أوصى بوصايا، فهذه الوصايا والتعليمات والتعاليم تمثّل الكتاب الصامت، لكن وصيّ النبيّ يمثّل الكتاب الناطق.

قال عليه السلام: «إذ لم يتركوهم هَملاً»، أي أنّ الأنبياء لم يتركوا أمَمهم هَملاً، أي لم يُهملوهم بل اعتنوا بهم. والملاحَظ في هذا المقطع الشريف نسبة جميع هذه الأمور إلى الله عزّ وجلّ، فالله هو الذي اصطفى الأنبياء، وهو الذي اختار الأنبياء، وهو الذي أرسل الأنبياء، والله عزّ وجلّ هو الذي خلّف في الأمّة ما خلّفته الأنبياء في أمَمها. إذاً لا مجال للانتخاب والاختيار.

ولنشر إلى نكتة مهمّة لطيفة ظريفة، فأسألكم هذا السؤال: هل سمعتم أنّ نبيًّا من الأنبياء قدّم استقالته لله تبارك وتعالى؟ وهل سمعتم أنّ نبيًّا من الأنبياء أقاله الله عزّ وجلّ وعزله؟ كلّا وألف كلّا.

والسرّ في ذلك: أنّ هذا الاختيار والاصطفاء إلهيّ فليس باختيار النبيّ أو الناس، هذه الاستقالة أو العزل إنّما يكون بالنسبة إلى الناس غير المعصومين، فتجد الشعب ينهال على رجل من الرجال وينتخبه بشكل ساحق وقاطع، وبعد مدّة ينقلب الشعب عليه ويتظاهر لعزله. إذاً الإنسان ناقص ومحدود، وأنى للناقص والمحدود أن يعرف مصلحته الواقعيّة.

إذاً: أوّلاً: اختيار الأنبياء بيد الله.

ثانيًا: اختيار الأوصياء بيد الله.

ثالثًا: تنزيل الكتب السماويّة بيد الله. فهذه الثلاثة معصومة.

قال تعالى واصفًا رسول الله أبا القاسم محمّد صلّى الله عليه وآله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ﴾[1] ، وفي آية أخرى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ...﴾[2] إلى آخر الآية الكريمة. فالأنبياء والأوصياء والأئمّة ﴿لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ﴾[3] .

ثمّ قال عليه السلام: «بغير طريق واضح ولا علم قائم»، بيّن عليه السلام الإهمال الذي نفاه عن النبيّ والأنبياء عليهم السلام: «إذ لم يتركوهم هَملاً»، يعني لم يُهملوهم في أيّ شيء لم يُهملوهم؟ في أمرين:

الأمر الأوّل: «بغير طريق واضح»، إذ أنّ الأنبياء بيّنوا الطريق بذكر الشريعة والكتاب السماوي، والتعاليم الواضحة.

الأمر الثاني: «ولا علم قائم». العَلَم هو الإمام الذي يُهتدى به. قالت الخنساء:

وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ

أي أنّ من يوجد في البادية يهتدي إلى ذلك العَلَم الذي على رأسه نار من مكان بعيد، فالمراد بالوصيّ هو العَلَم والمنار الذي يهدي الأمّة على هدي النبيّ الذي يكون وصيًّا له.

إذاً، الأنبياء لم يُهملوا الأمّة وعيّنوا أمرين:

الأمر الأوّل: الطريق الواضح، وهو الكتاب السماوي أو التعليمات.

الأمر الثاني: العَلَم القائم، وهو الوصيّ القائم على إرث النبيّ صلّى الله عليه وآله.

ثمّ شرع أمير المؤمنين في بيان الأوّل، وهو الطريق الواضح. ما هو الطريق الواضح في شريعة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله؟

إنّه القرآن الكريم لذلك قال عليّ عليه السلام: «كتاب ربّكم مبيِّنًا»، وقد تُقرأ «مبيِّنًا» فتُقرأ باسم الفاعل «مبيِّنًا» بالكسر، وتُقرأ باسم المفعول «مبيَّنًا» بالفتح. والأوجه هو الكسر «مبيِّنًا»، بمعنى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله خلّف كتاب ربّكم وقد بيّن حلاله وحرامه. وأمّا بناءً على الكسر «مبيِّنًا» فيكون حالاً من الكتاب. بناءً على الأوّل «مبيِّنًا حلاله وحرامه»، هذه «حلاله وحرامه» كلّها منصوبة على المفعوليّة، تصير مفعولاً به: «مبيِّنًا» ماذا بيّن؟ «حلاله وحرامه». وأمّا بناءً على الثاني «مبيَّنًا» يصير «حلاله وحرامه» يصير نائب فاعل.

وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام هنا أحد الثَّقَلَين العظيمَين، وهو القرآن الكريم. وقد قسّم القرآن إلى أربعة وعشرين نوعًا، ونذكر هذه الأنواع الأربعة والعشرين تباعًا، نُبيّن معناها، ثمّ بعد ذلك نذكر لكلّ نوع مثالاً من الأمثلة من آيات القرآن الكريم.

النوع الأوّل: «مبيِّنًا حلاله وحرامه».

«مبيِّنًا» من البيان، البيان أي التوضيح، أي أنّ هذا الأمر واضح ومعلوم عند أهله. والحلال ما أذن الله في فعله كالبيع الصحيح، والحرام ما نهى الله عنه كالزنا والربا.

ثم قال عليه السلام: «وفرائضه وفضائله».

الفريضة ما أوجبها الله على الناس كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ والخُمس.

والفضائل هي الصفات الحميدة كالعفو، أو الأعمال المستحبّة كالنوافل والصدقة. «الفرائض» جمع فريضة، و«الفضائل» جمع فضيلة. وبمقتضى المقابلة هنا بين الفريضة والفضيلة تُحمَل الفضيلة على المستحبّ، فإذا حملنا الفرائض على الواجبات حملنا الفضائل على المستحبّات، أي أنّ القرآن الكريم فيه آيات تبيّن الواجبات وآيات تبيّن المستحبّات، فلفظ الفضائل يُطلَق على الصفات الحميدة.

وهذا بحث في الأخلاق، المحاسن والأضداد. علم الأخلاق يدرس المحاسن وفي مقابلها المساوئ، الفضائل وفي مقابلها الرذائل، المناقب وفي مقابلها المثالب، أي أنّ علم الأخلاق يقول: خُذ هذه الصفات الحسنة من محاسن وفضائل ومناقب، واترك الصفات السيّئة من مساوئ ورذائل ومثالب.

قال عليه السلام: «وناسخه ومنسوخه».

الناسخ هو الحكم الذي جاء لرفع حكم سابق، والمنسوخ هو الحكم الذي ارتفع أمده، فالنسخ شرعًا هو الإعلام بزوال الحكم الثابت بالدليل الشرعي بدليل شرعي آخر متراخٍ عنه، ولولاه لكان الحكم الأوّل ثابتًا.

والقدر المتيقَّن من وقوع النسخ في القرآن الكريم هو آية واحدة، وهي آية النجوى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾[4] ، يعني إذا تريد أن تتحدّث مع النبيّ يجب أن تدفع صدقة، ولم يعمل بهذه الآية إلّا شخص واحد، وهو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قدّم صدقة وناجى النبيّ، ثمّ استثقل المسلمون ذلك، فرُفع هذا الحكم بالآية اللاحقة.

إذاً، النسخ في اللغة بمعنى الإزالة. وأمّا في الاصطلاح في بحث علوم القرآن ويُقال: انتهاء أمد الحكم، أي أنّ هذا الحكم في علم الله عزّ وجلّ كان محدَّدًا بفترة ومقيَّدًا بمدّة، لكن لم تُذكَر هذه المدّة، فالحكم المنسوخ هو الحكم المحدَّد والمعيَّن بمدّة معيّنة، فيأتي الحكم الناسخ فيرفع المدّة ويشير إلى انتهاء المدّة، أي أنّ آية النجوى في علم الله تعالى كانت مقيّدة بالمدّة منذ نزولها إلى أن يتصدّق أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ جاءت الآية الناسخة للنجوى للإشارة إلى انتهاء مدّة وجوب ولزوم التصدّق عند مناجاة النبيّ صلّى الله عليه وآله.

إذاً، النسخ في اللغة بمعنى الإزالة. والنسخ يُقسَم إلى ثلاثة أقسام في علوم القرآن: نسخ التلاوة فقط، نسخ الحكم فقط، نسخ الحكم والتلاوة. والصحيح منها هو نسخ الحكم فقط، إذ لا توجد آية نُسخت تلاوتها ولا تُقرأ، أو آية نُسخ حكمها وتلاوتها. لكن توجد آية نُسخ حكمها وبقيت تلاوتها، كآية النجوى. توجد آية أخرى، آية الزنا، سيأتي إن شاء الله، تدلّ على حبس الزانية في البيت حتّى تموت، هذه نُسخت بالتفصيل: بين إن كانت محصَنة فإنّها تُرجَم، وإن لم تكن محصَنة فإنّها تُجلَد.

قال عليه السلام: «ورُخَصه وعزائمه».

الرُّخصة هي التخفيف من الله رِفقًا بالناس وتسهيلاً لهم. والمراد بالرُّخصة الجواز: يُرخَّص للمريض أن يُفطر في شهر رمضان، ولمن اضطرّ يجوز له أكل الميتة أو شرب الخمر بمقدار ما يسدّ رمَقه ويعيش.

والعزائم، أو العزيمة هي أمور فيها إرادة مؤكَّدة من الله، ولا نسخ لها ولا تحتمل التأويل، فالمراد بالعزائم يعني الواجبات، والمراد بالرُّخَص يعني ما أباحه الله وأجازه لظرف معيَّن.

قال عليه السلام: «وخاصّه وعامّه».

الخاصّ هو الحكم المخصوص في مكان خاصّ لشخص معيَّن، كهبت المرأة نفسها للنبيّ صلّى الله عليه وآله أن يستنكحها، هذا من خصائص النبيّ. بالنسبة إلى عامّة الناس لا يجوز لهم النكاح إلّا بالزواج، عقد النكاح، لكن النبيّ من خصوصيّاته يجوز له أن يجمع بين تسع نساء، ومن خصوصيّاته امرأة إن وهبت نفسها للنبيّ جاز أن يستنكحها، هذا موجود في القرآن الكريم، هذا حكم خاصّ بالنبيّ صلّى الله عليه وآله. والعامّ هو الحكم الشامل لجميع أفراد المكلَّفين، كوجوب الصلاة ووجوب الحجّ ووجوب الخُمس وسائر الواجبات.

قال عليه السلام: «وعِبَره وأمثاله».

يأتي الكلام عليه، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 


[1] . النجم: 3-4.
[2] . الحاقّة: 44-45.
[3] . الأنبياء: 27.
[4] . المجادلة: 12.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo