47/05/29
29 جمادى الأولى 1447
20 نوفمبر 2025
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (العشرون): لا تخلو الأرض من حجة
قال أمير المؤمنين عليه السلام في تتمة الخطبة الأولى من نهج البلاغة: «ولم يُخْلِ الله سبحانه خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل أو حجة لازمة أو محجة قائمة، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سُمِّيَ له من بعده، أو غابر عرَّفه من قبله، على ذلك نسلت القرون ومضت الدهور وسلفت الآباء وخلفت الأبناء». صدق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه.
اللغة:
- الحجة: ما يُحتجُّ به.
- المحجة: جادة الطريق.
- نسل: أسرع.
- القرون: جمع قرن وهو مائة سنة.
- سلفت: تقدمت وسبقت.
وقبل أن نشرع في شرح هذا المقطع الشريف من الخطبة الكريمة نشير إلى هذا المطلب المهم في اللغة العربية، إذ يقال: الأصل في العطف هو التأسيس لا التوكيد، والسر في ذلك: أن المتكلم إذا تكلم فالأصل فيه أنه يأتي بمعنى جديد ومطلب جديد، فإذا جاءنا عطف ودار الأمر بين أن يكون عطف توكيد أو عطف بيان وبين أن يكون هذا العطف بالواو أو ثم إشارة إلى فكرة جديدة ومطلب جديد، فإذا شككنا هل العطف عطف بيان أو عطف على مطلب جديد، فعند الشك نرجع إلى الأصل، والأصل هو أن يكون المتكلم قد شرع في بيان مطلب جديد.
في هذه الخطبة الشريفة ذكر أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين أربعة أمور: أمران منها متغايران قطعاً، ويبقى الكلام في الأمر الثالث والرابع، هل هما متغايران مع الأول والثاني أو هما عطف بيان فيكون الثالث عطف على الأول والرابع عطف على الثاني؟ ولنقرأ المقطع الشريف.
قال عليه السلام: «ولم يُخْلِ الله خلقه من نبي مرسل» - هذا الأول، «أو كتاب منزل» - هذا الثاني، «أو حجة لازمة» - هذا الثالث، «أو محجة قائمة» - هذا الرابع.
الأول نبي مرسل يغاير الثاني كتاب منزل، لكن الثالث حجة لازمة هل يراد به نفس النبي ويراد به أيضاً نفس الكتاب المنزل؟ فإنه حجة لازمة، وأيضاً الرابع قوله عليه السلام «أو محجة قائمة» - المحجة: جادة الطريق. محجة قائمة يعني طريق لا يزال قائماً، هنا هل المراد بالطريق القائم هو النبي والكتاب المنزل أو يراد شيء آخر؟
إذاً الثالث وهو الحجة اللازمة والرابع المحجة القائمة يمكن تطبيقهما معاً على الأول والثاني، على النبي المرسل وعلى الكتاب المنزل - هذا الاحتمال الأول.
الاحتمال الثاني: يمكن تطبيق الثالث على الأول والرابع على الثاني، فيقال: حجة لازمة عطف على نبي مرسل، ومحجة قائمة عطف على كتاب منزل، فالكتاب المنزل هو الجادة والطريقة القائمة إلى يومنا هذا كالقرآن الكريم.
والصحيح: هو الاحتمال الثالث وهو أن تكون هذه الأمور الأربعة متغايرة، لكي يكون العطف بـ «أو» في بيان فكرة جديدة ومطلب جديد.
- الأول: نبي مرسل.
- الثاني: كتاب منزل.
- الثالث: حجة لازمة يراد به الإمام والوصي.
فالله عز وجل بعث 124000 نبي وجعل لهم 124000 وصي، هذا بالنسبة إلى الوصي المباشر، ويوجد أوصياء غير مباشرين وهم الأئمة، فوصي النبي المباشر هو الإمام علي، والأوصياء هم الأئمة الاثنا عشر: أولهم الإمام علي وآخرهم الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. وهذا الوصي لكل نبي كالإمام علي وصي النبي، وشمعون الصفا وصي عيسى، ويوشع بن نون وصي موسى، وهكذا بعض الحواريين من أوصياء عيسى عليه السلام، هذا الوصي هو حجة لازمة أن يحتج الله به على عباده، ويكون كلامه نافذاً ولازماً وإطاعته واجبة.
ويحمل الرابع وهو قوله عليه السلام «محجة قائمة» على الشريعة، يعني هذه الشريعة قائمة وسارية المفعول كشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وآله.
ومن هنا يتضح أن هذه الأمور الأربعة لا يشترط أن تكون متفرقة من ناحية الزمن، فقد تجتمع في زمن واحد كما في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله، فقد اجتمع:
- الأول: وهو النبي المرسل إذ بُعِثَ النبي محمد صلى الله عليه وآله.
- وتحقق الأمر الثاني: الكتاب المنزل إذ أنزل الله القرآن الكريم هدىً للناس.
- وتحقق الأمر الثالث: الحجة اللازمة وهو النص على إمامة الإمام علي ووصايته.
- وتحقق الأمر الرابع: المحجة القائمة - شريعة النبي هي الشريعة الخاتمة والناسخة لجميع الشرائع السابقة.
إذاً الصحيح حمل الحجة اللازمة على الإمام والوصي، والمحجة القائمة على الشريعة.
دليلنا أمران:
- الأول: التمسك بالأصل، إذ أن الأصل هو بيان مطلب جديد وليس عطف البيان، لكن الأصل أصيل حيث لا دليل.
- لكن أيضاً يمكن أن نأتي بدليل على حمل الثالث على الإمام والرابع على الشريعة وهو التمسك بنفس هذا التعبير الوارد في جملة من الروايات والأدعية والزيارات، فقد أُطلِق عنوان الحجة اللازمة على الإمام والشريعة والمحجة القائمة على الشريعة.
تفصيل ذلك يحتاج إلى بحث أوسع، الآن نقرأ الخطبة الشريفة ونشرح معناها:
قوله عليه السلام: «ولم يُخْلِ الله سبحانه خلقه من نبي مرسل».
تكلمنا في الدرس السابق عن قاعدة اللطف، وقلنا إن المراد باللطف عند المتكلمين هو كل ما يقرِّب إلى الطاعة ويبعِّد عن المعصية، وبمقتضى قاعدة اللطف يجب على الله أن يبعث الأنبياء والمرسلين، وقلنا إن الوجوب لا يراد به الوجوب التكليفي بل الإدراك العقلي، أي أنه ينبغي لله بمقتضى لطفه وكرمه أن يبعث الأنبياء نظراً لاحتياج الناس إلى عالم معصوم، إذ أن كل إنسان عنده حجة باطنة وهي العقل، وحجة ظاهرة وهو النبي أو الإمام.
ووظيفة الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين أن يثيروا في الناس دفائن عقولهم، لذلك نجد أن أول بشر خلقه الله هو آدم أبو الأنبياء وأولهم، ولا يوجد زمان خالٍ من الأنبياء والصحف الإلهية والكتب السماوية كصحف إبراهيم خليل الرحمن أبي الأنبياء، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وقرآن محمد صلى الله عليه وآله.
لكن هذا لا يعني أنه في كل زمان لا بد أن يوجد نبي، فكما جاء في خطبة نهج البلاغة عن أمير المؤمنين واصفاً النبي: بعثه الله على فترة من الرسل. يقولون: الفاصل بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله تقريباً 4000 سنة، هذا الفاصل 4000 سنة – أو 400 سنة الحين ما أتذكر، لعله 400 سنة، عموماً يوجد فاصل بين النبي عيسى عندما رُفِعَ إلى السماء وبين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله.
هنا قد يقال: هذه الفترة ليس فيها نبي، صحيح ليس فيها نبي لكن فيها وصي وأوصياء لعيسى، وبعد وفيها شريعة عيسى، هذه الشريعة يعني هذه الأمور الأربعة لا بد أن يوجد واحد منها، يعني إذا النبي لم يوجد، يوجد كتابه، الإنجيل - إنجيل عيسى موجود. بعد إن قلتُ إنجيل عيسى حُرِّف، وصي عيسى موجود، شريعة عيسى موجودة.
قال عليه السلام: «ولم يُخْلِ الله سبحانه خلقه من نبي مرسل».
مضى الكلام عن الفرق بين النبي والرسول: النبي هو الذي يسمع الملَك ولا يعاينه، والرسول هو الذي يسمع الملَك ويعاينه وقد تكون عنده شريعة وقد لا تكون عنده شريعة.
«أو كتاب منزل».
يعني كتاب سماوي ينزله الله عز وجل من السماء إلى الأرض والبشر.
الإمام حجة الله على الخلق.
قال عليه السلام: «أو حجة لازمة أو محجة قائمة»
الحجة يصح إطلاقها على النبي ويصح إطلاقها على الكتاب الإلهي، لكن مقتضى أن الأصل في العطف هو المغايرة لا التوكيد ولا البيان، فحينئذ نحمل الحجة على الوصي أي الإمام والخليفة الشرعي الذي يخلف النبي بصورة شرعية وبانتخاب واختيار من الله تبارك وتعالى.
ومقتضى قاعدة اللطف هو وجوب بعثة الأنبياء واستمرار رسالتهم وتبليغهم بالأوصياء والأئمة، وهذا من مسلمات عقائد الشيعة الإمامية، وقد دل على ذلك الأخبار الصحيحة والروايات المتواترة عن أهل البيت عليهم السلام.
منها ما روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال: «والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم إلا وفيها إمام يُهتدى به إلى الله، وهو حجته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة لله على عباده»[1] .
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله»[2] .
ومن عقائد الشيعة الإمامية أن الأرض قائمة بلطف وجود الإمام عليه السلام، ولو انقطعت الإمامة لحظة لساخت الأرض بمن عليها، إذاً لا بد من وجود إمام وحجة.
ويكفي لذلك حديث الثقلين المروي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: «إني تارك فيكم الثقلين» - وفي رواية: «إني مخلِّف فيكم الثقلين» على قراءة أخرى - «كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».
هنا من قوله عليه السلام «لن يفترقا» لعل فيه دلالة واضحة على وجود الإمام في كل زمان ومكان، يعني في كل زمان وكل مكان يوجد القرآن وأيضاً يوجد الإمام المعصوم إلى جانبه، يعني يوجد القرآن الصامت المطبوع ويوجد القرآن الناطق وهو الإمام المعصوم الذي يفسر القرآن.
طبعاً، هذا الحديث روي في مصادر العامة «وسنتي»، وأول من جاء بلفظ «وسنتي» هو الإمام مالك بن أنس، وهو ولد سنة 95 هجرية وتوفي سنة 179 هجرية، فهو ليس من الصحابة حتى يروي هذا الحديث، ولم يذكر لهذا الحديث سنداً معتبراً، لكن بعض مصادر السنة روجت لهذا الحديث وذُكِر في المناهج الدراسية لكثير من البلدان، مع أن حديث «أهل بيتي» «عترتي أهل بيتي» رواه الإمام مسلم في صحيحه وجملة من علماء العامة.
مقاومة الأنبياء
قال عليه السلام: «رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ولا كثرة المكذبين لهم».
أنبياء الله أرواحهم كانت أنواراً، وفي عالم الأرواح اختبرهم الله: هل يتحملون أداء الرسالة أو لا؟ لأن إرشاد الناس وهداية العباد إلى الله عز وجل يواجه الكثير من التحديات منها قلة العدد والناصر وكثرة الأعداء والمعارضين والمكذبين، فعزيمة النبي المعصوم لا تفلها قلة العدد وكثرة المكذبين.
لذلك اتُّهِم الكثير من الأنبياء - كنبينا محمد صلى الله عليه وآله - بالكذب والسحر والجنون، وهذه التهم ما زادتهم إلا شوكة في ذات الله، فازدادوا صلابة وتحدياً ومقاومة.
المقطع الأخير من هذا المقطع: الأنبياء يعرف بعضهم بعضاً، يعني السابق ينص على اللاحق واللاحق يذكر بالسابق.
قال عليه السلام: «من سابق سُمِّيَ له من بعده».
«من سابق» أي من نبي سابق «سُمِّيَ له» أو «سَمَّى له» - سَمَّى له يعني ذكر اسمه «من بعده» يعني النبي الذي جاء بعد السابق، إذاً «من سابق سَمَّى له من بعده» أي أن النبي الذي جاء بعد النبي السابق سَمَّى وذكر اسم النبي السابق، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله في القرآن ذكر آدم ونوحاً وإبراهيم ويوسف وإسحاق وعيسى وموسى وداود وشعيب وصالح، ذكر الأنبياء السابقين.
قال عليه السلام: «أو غابر عرَّفه من قبله».
الغابر: اللاحق، «أو غابر عرَّفه من قبله» يعني أو النبي اللاحق الذي عرَّفه النبي الذي جاء قبله.
إذاً المعنى: أو نبي جاء معروفاً لدى الناس بتعريف النبي السابق إياه، كما بشَّر عيسى عليه السلام بالنبي محمد وذكر الحواريين به.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾[3] .
الأناجيل الموجودة اليوم 64 إنجيل أشهرها 4 أناجيل: إنجيل متى ولوقا ويوحنا ومرقس، واحد من هذه الأناجيل الـ64 لازال الآن فيه البشارة بالنبي وهو إنجيل برنابا، هذا إنجيل برنابا أقرب الأناجيل إلى القرآن، ذكر بعض الأمور المذكورة في القرآن الكريم.
قال عليه السلام: «على ذلك نسلت القرون» يعني أسرعت القرون.
«ومضت الدهور» - جمع دهر: الزمن.
«وسلفت الآباء» يعني تقدمت الآباء.
«وخلفت الأبناء» الأبناء نِعْم الخَلَف لنِعْم السَلَف من آبائهم.
يعني على تعريف النبي السابق باللاحق وذكر اللاحق للسابق، انقضت القرون ومرت الأيام ومضى الآباء وتوالت الأجيال وتصرَّمت الأعوام وانقرضت الأمم واستأنفت الأقوام حتى جاء دور خاتم الأنبياء أبو القاسم محمد صلى الله عليه وآله ووصيه الإمام أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين.
هذا تمام الكلام في بيان ذكر حجج الله على خلقه، ثم يخص الكلام أمير المؤمنين بخصوص بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله.
لاحظوا: نهج البلاغة الخطبة الأولى فيها ترتيب وفيها تدرج من التوحيد إلى العدل إلى خلق الكون إلى بيان حجج الله على خلقه إلى بيان الحجة الخاتمة بعثة النبي، حيث قال أمير المؤمنين: «إلى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله لإنجاز عدته» يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.