47/05/22
22 جمادى الأولى 1447
13 نوفمبر 2025
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (التاسع عشر): قاعدة اللطف
قاعدة اللطف: قول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الأولى من نهج البلاغة: "فبعث فيهم رسله ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته".
توجد قاعدة بحثها علماء الكلام والعقائد تُسمى قاعدة اللطف، والمراد باللطف كل ما يُقرِّب إلى الطاعة ويُبعد عن المعصية. وقال العلماء: يجب على الله بمقتضى لطفه أن يُرسل الأنبياء والمرسلين. والمراد بالوجوب هنا ليس الإلزام الشرعي، بل المراد الإدراك العقلي، أي أن العقل يُدرك أن الله لا بد أن يُرسل حجة على البشر لكي يُقربهم إلى الطاعة ويُبعدهم عن المعصية.
فهناك حجتان للإنسان، حجة باطنة وهي العقل، وحجة ظاهرة وهم الأنبياء. ووظيفة الأنبياء إثارة دفائن العقول، أي أن الإنسان بشهواته وبجهله قد يدفن عقله، فوظيفة النبي والرسول والإمام إزالة هذه الدفائن والرواسب التي دفنت عقول الناس.
قال عليه السلام: "فبعث فيهم رسله". الفاء للتفريع، وجاءت هذه الكلمة بعد قوله عليه السلام: "أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدَّل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله"، أي أن الشياطين لما حالت بين بني البشر وبين بارئهم، فلما عملت الشياطين على التفرقة بين المخلوقين والخالق، بعث الله في البشر رسله.
بعث الرسل من مقتضيات قاعدة اللطف: فمن جملة القواعد المشهورة عند علماء الشيعة قاعدة اللطف، وقد ذكروها في الكتب العقائدية واستدلوا عليها بالبراهين العقلية والنقلية في وجوب بعث الأنبياء ونصب الأوصياء، وفسروا اللطف بأنه يجب على الله عقلًا لا حكمًا وتكليفًا أن ينصب الحجة على خلقه. ومعنى الوجوب هنا إدراك العقل قبح العقاب بلا بيان، أن يَقبُح على الله أن يُعاقب البشر من دون أن يُبين لهم الأمور من خلال إرسال الرسل والأوصياء.
وقد دلت على هذا المضمون آيات عديدة كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[1] ، وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾[2] .
ولعل من أفضل من تكلم عن قاعدة اللطف المرحوم الشيخ فخر الدين الطريحي، إذ قال في مجمع البحرين ما نصه: "واللطف في عُرف المتكلمين ما يُقرِّب من الطاعة ويُبعد عن المعاصي، ولا حظ له في التمكين، ولا يبلغ الإلجاء لمنافاته للتكليف، كالجذب من الزنا إلى مجلس العلم. وقد يكون من الله تعالى كخلق القدرة للعبد وإكمال العقل ونصب الأدلة وتهيئة آلات فعل الطاعة وترك المعصية، فيكون واجبًا عليه تعالى.
وإما أن يكون فعل المكلف نفسه كفكره ونظره فيما يجب عليه ويوصل إلى تحصيله، فيجب على الله أن يُعرِّفه ذلك ويوجبه عليه.
وإما أن يكون فعل غيرهما من المكلفين مثل الإعانة في تحصيل مصالحه ورفع مفاسده، والتأسي به في أفعاله وإيمانه وطاعته، والانزجار عن أفعاله الفاسدة اعتبارًا به، فيشترط في التكليف بالملطوف فيه العلم بأن ذلك الغير يفعل اللطف"[3] .
إذًا اللطف هو ليس إلجاءً من الله لمخلوقين، وإنما تهيئة الأمور للمخلوقين لكي يقتربوا من الطاعة ويبتعدوا عن المعصية باختيارهم لا بإجبارهم.
ثم قال عليه السلام: "وواتر إليهم أنبياءه"، واتر أي أرسلهم وترًا وترًا، أي يتبع بعضهم بعضًا، وواتر إليهم، إلى البشر، أنبياءه، أنبياء الله، أي أن الله أرسل الأنبياء متواتراً في أوقات متقاربة يتبع بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا﴾[4] .
سؤال: ما الفرق بين النبي والرسول؟
النبي والرسول يشتركان في شيء وهو الإخبار عن الله بغير واسطة بشر، بل الإخبار بالوحي. والفرق بينهما أن النبي هو الذي يرى في منامه ويسمع الصوت لكن لا يُعاين الملك، والرسول هو الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويُعاين الملك، إذًا امتياز الرسول عن النبي في معاينة الملَك. والنبي لا يكون إلا من البشر، بينما الرسول قد يكون من الملائكة وقد يكون من البشر، فتقول: رسول الله جبريل أي مبعوث الله. والرسول قد تكون له شريعة مبتدأة كآدم، وقد تكون له شريعة ناسخة كمحمد صلى الله عليه وآله.
سؤال: كم عدد الأنبياء والأوصياء؟
المشهور أنه مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، ومئة وأربعة وعشرون ألف وصي مباشر. أما الوصي غير المباشر فقد يكون أكثر، فالوصي المباشر لنبينا محمد صلى الله عليه وآله هو علي بن أبي طالب، لكن غير المباشرين أحد عشر وصياً بعد علي، فالأئمة اثنا عشر وهم أوصياء النبي.
قال الشيخ الصدوق في كتاب الاعتقادات ما نصه: "اعتقادنا في عدد الأنبياء أنهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، ومئة ألف وأربعة وعشرون ألف وصي، لكل نبي منهم وصي أوصى إليه بأمر الله تعالى، ونعتقد فيهم أنهم جاؤوا بالحق من عند الله، وأن قولهم قول الله تعالى، وأمرهم أمر الله تعالى"[5] .
وكلامه عن الأوصياء المباشرين، وإلا يوجد أوصياء غير مباشرين، كما بالنسبة إلى عيسى عليه السلام شمعون وصيه المباشر، ويوجد أوصياء غير مباشرين من الحواريين.
قال عليه السلام: "ليستأدوهم ميثاق فطرته"، أي لكي يطلبوا منهم أداء ميثاق الفطرة. فاللام للتعليل، والهمزة والسين والتاء استئداء بمعنى الطلب، أي لكي يطلبوا منهم أداء ميثاق فطرته. وميثاق الفطرة هو التوحيد، فالغرض من إرسال الرسل هو الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله تبارك وتعالى. وعبَّر عن التوحيد هنا بالفطرة لأن البشر مجبول ومخلوق على توحيد الله ومعرفته.
وقد تحدثنا في الدرس السابق عن عالم الذر، ولنتحدث هنا بعض الشيء عن الفطرة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانه"، أي أن المولود يولد على فطرة التوحيد والإسلام ومعرفة الله، بحيث إذا تسأله عن الله يجيب، لكن التربية على اليهودية أو النصرانية أو المجوس الذين يعبدون النار توجب حرف الفطرة الأصلية.
الفطرة بالكسر هي الخِلقة، وهي من الفَطر كالخِلقة من الخَلْق، في أنها للحالة، يعني هذه الكلمة الخَلْق والفطر، هذا يشير إلى حالة وعملية، عملية خلق المخلوق وفَطر المفطور، ثم إن هذه الكلمة جُعلت للخِلقة القابلة لدين الحق على الخصوص، فيُراد بالفطرة الخِلقة القابلة لدين الله، فيكون المعنى: كل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، تشير إليه الآية: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[6] .
الخلاصة: كل إنسان يولد موحدًا بالفطرة، وهنا يقول الإمام عليه السلام: "يطلب منهم أداء ميثاق الفطرة"، يعني هو حينما فطرهم وخلقهم استوثق منهم، كما في حديث عالم الذر: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْۖ قَالُوا بَلَىٰ﴾[7] ، إذًا من وظائف الأنبياء طلب أداء الفطرة وهي توحيد الله وعبادة الله.
ثم قال عليه السلام: "ويذكروهم منسي نعمته"، هذا من باب تقديم الصفة على الموصوف، عندنا موصوف وهو النعمة، وعندنا صفة وهي النسيان، "ويذكروهم منسي نعمته" يعني ويذكروهم نعمته المنسية.
والإنسان إذا وُلد ينسى ذلك الميثاق الذي أعطاه لرب الأرباب، وقد أنعم الله على الإنسان إذ خلقه وفطره على التوحيد، لكن ما إن يخرج من عالم الأرحام إلى عالم الدنيا فإنه ينسى الوعد والميثاق الذي أعطاه لله تبارك وتعالى في عالم الذر، فيأتي هنا دور الأنبياء في تذكير الناس بأنكم قد خُلقتم وفُطرتم على التوحيد، وقد أنعم الله عليكم إذ خلقكم وأخذ منكم الميثاق وأقررتم، لكنكم نسيتم.
إذًا أمر الله تعالى أنبياءه أن يُذكِّروا الناس بتلك النعمة، ما هي تلك النعمة؟ المعرفة المنسية، الإنسان مفطور على التوحيد ومعرفة الله، فوظيفة الأنبياء التذكير بالفطرة الذاتية، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[8] .
ثم قال عليه السلام: "ويحتجوا عليهم بالتبليغ"، أي ويحتج الأنبياء على بني آدم بالتبليغ. التبليغ تفعيل من البلاغ، والبلاغ بمعنى الوصول، "بلغ السيل الزُّبى" أي وصل السيل إلى النهاية. "ويحتجوا عليهم بالتبليغ"، الألف واللام عهدية، يعني يوصلون إليهم رسالة الله ويُبلغونها لهم، فيكون الأنبياء حجة على الخلق بتبليغ وإيصال هذه الرسالة.
فكان للناس أن يقولوا يوم القيامة كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾[9] ، فلما بعث الله الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل صلوات المصلين، تمت الحجة بالتبليغ والإنذار.
ثم قال عليه السلام: "ويثيروا لهم دفائن العقول"، هذه الكلمة عظيمة، أي أن وظيفة الأنبياء إثارة وإزالة دفائن العقول، يعني العقول التي دُفنت، أي أن الإنسان عنده حجتان: حجة باطنة وهي العقل، لكنه يدفنها، وحجة ظاهرة وهو النبي، فوظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل صلوات المصلين إزالة الركام والدفن الذي يدفن به الإنسان عقله. وبعبارة أخرى: كل إنسان له قابلية واستعداد لمعرفة الله وبلوغ الكمال، لكنه يدفن هذا الشيء بشهواته ونزواته، ووظيفة الأنبياء إزالة هذه الدفائن.
ثم قال عليه السلام: "ويروهم آيات المقدرة"، وفي بعض النسخ "ويروهم آيات القدرة"، توجد عندنا آيات الأنفس والآفاق، قال تعالى:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[10] ، آيات الأنفس يعني تتأمل في نفسك: كيف تأكل؟ كيف تنظر؟ كيف تسمع؟، آيات الآفاق: تتأمل في آفاق الكون، في الشمس وحركتها، في القمر والكواكب وحركتها، هذا إشارة إلى برهان النظم، برهان النظم إن النظم يكشف عن وجود منظِّم، إن المعلول يكشف عن وجود العلة، إن المسبَّب يكشف عن وجود السبب.
برهان النظم أفضل برهان لعوام الناس، وهو الانتقال من المعلول إلى العلة. البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، أفأرض ذات أفجاج وسماء ذات أبراج ألا يدلان على الصانع اللطيف الخبير؟!، هذا برهان النظم.
قال عليه السلام: "ويروهم آيات القدرة"، أي يُظهرون للناس لكي يروا آيات قدرة الله عز وجل، فالقادر هو الخالق هو الذي خلق المقدور. قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾[11] ، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾[12] ، وقال عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾[13] .
"فلينظر الإنسان مِمَّ خُلق" هذه آيات الأنفس، "فلينظر الإنسان إلى طعامه" هذه آيات الآفاق.
ثم يبين الإمام علي الآفاق التي ينبغي التأمل فيها: "من سقف فوقهم مرفوع"، "من" بيانية، "من سقف فوقهم مرفوع" يعني من السماء التي هي بمثابة السقف الذي رُفع فوق الناس، "ومهاد تحتهم موضوع"، ومهاد من المهد، كيف الطفل يستقر في المهد، والمراد بالمهاد هنا الأرض. "ومهاد تحتهم موضوع"، أي أن الله قد وضع الأرض تحت أقدام الناس بحيث يسهل عليهم المشي والنوم والحركة والجلوس، كما يسهل نوم الطفل في المهد، وهذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾[14] ، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾[15] .
يعني الأنبياء يدعون الناس إلى التأمل في قدرة الله عز وجل، ويُظهرون مظاهر القدرة الإلهية من السماء الشامخة التي فوق رؤوسهم، والأرض المسطحة التي كالمهد الذي يرتاح فيه الطفل.
قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾[16] ، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾[17] .
ثم قال عليه السلام: "ومعايش تحييهم"، يعني أكل وطعام يعيشون به ويحيون، هذه خيرات رب العالمين: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾[18] .
"وآجال تفنيهم"، آجال بعد أعمار مقدرة، تفني أعمار الإنسان.
"وأوصاب تهرمهم"، أوصاب يعني أمراض توجب الهرم، هذا من يصيده مرض القلب والسكري والضغط تشوفه ضعيف قد هرم وتعب.
"وأحداث تتابع عليهم"، يعني أحداث ونوائب تتالى على الإنسان توجب إزالة طراوة الوجه ونضارة البدن، هذه الأمور كلها تدعو إلى التفكر والتأمل في الخالق المصور تبارك وتعالى.
إلى هنا بيَّن الإمام علي في الخطبة الأولى وظائف الأنبياء، ثم يشير إلى أن الأرض لا تخلو من حجة منذ أن خلق الله آدم عليه السلام إلى يوم يُبعثون، الأرض لا تخلو من حجة من نبي أو رسول أو إمام.
قال عليه السلام: "ولم يُخْلِ الله خلقه من نبي مُرسَل أو كتاب منزَل"، يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.