47/04/23
23 ربيع الثاني 1447
16 أكتوبر 2025
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (الثامن عشر): اصطفاء الأنبياء
جاء في تتمة الخطبة الأولى من نهج البلاغة المنسوبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "واصطفى سبحانه من ولده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدَّل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكِّروهم منسيَّ نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويُروهم آيات المقدرة من سقفٍ فوقهم مرفوع، ومهادٍ تحتهم موضوع، ومعايش تُحييهم، وآجالٍ تُفنيهم، وأوصابٍ تُهرمهم، وأحداثٍ تتابع عليهم". صدق أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين.
مفردات اللغة:
- اصطفى: انتخب واختار.
- الأنداد: الشركاء والأمثال.
- اجتالتهم: أدارتهم وحوَّلتهم.
- واتر: أي أرسل الأنبياء وترًا وترًا، أي واحدًا واحدًا بعد واحد.
- يثير: يُقال أثار الأرض أي قلبها للزراعة.
- الأوصاب: الأمراض.
- الأحداث: النوائب والمصائب.
بيان المعنى
لما فرغ أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من بيان التوحيد في بداية خطبته وما يتعلق بالتوحيد من خلق السماوات والملائكة وآدم عليه السلام، وما جرى له في الجنة وهبوطه إلى الأرض وتناسل الذرية، انتقل إلى بيان النبوة وهي الأصل الثالث من أصول الدين. ففي بداية الخطبة "أول الدين معرفته" تكلم عن توحيد الله وعدله، فتناول الأصل الأول والثاني للدين: التوحيد والعدل، وجاء دور الأصل الثالث وهو النبوة، في هذا المقطع.
قال عليه السلام: "واصطفى سبحانه من ولده أنبياء"، أي من ولد آدم أنبياء. اصطفى أي اختار، وفي هذه اللفظة تصريح بأن انتخاب واختيار الأنبياء بيد الله وحده لا شريك له، وأن إرسال الرسل والأنبياء ليس بيد الناس، واختيار وانتخاب الأنبياء والأوصياء والأئمة المعصومين إنما يختص به الله تبارك وتعالى وحده.
وقد دلَّت آيات القرآن الكريم على ذلك:
قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[1] ، فهي تصرِّح بأن الله هو الذي يجعل الخليفة.
وقال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[2] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[3] .
إذًا عهد الله بيد الله وحده، وهذا بحثٌ مهم في النبي ووصي النبي وهو الإمام، فكما أن تعيين النبي من الله كذلك تعيين الإمام المعصوم من الله تبارك وتعالى، وللإمام ما للنبي عدا منصب النبوة، كما في حديث المنزلة حيث خاطب النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين فقال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"[4] .
الميثاق على أداء الرسالة
قال عليه السلام واصفًا الأنبياء: "أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم".
الوحي يُذكر ويُشرح في علوم القرآن، وسابقًا كانت تُذكر مباحث علوم القرآن في مقدمات التفسير كمقدمة تفسير التبيان للشيخ الطوسي ومقدمة تفسير مجمع البيان لأمين الإسلام الطبرسي، ولكن في الزمن المتأخر فُصل التفسير عن علوم القرآن وكُتبت كتب خاصة في علوم القرآن تتناول مباحث المكي والمدني والناسخ والمنسوخ والتفسير والتأويل، وهناك يُبحث مبحث الوحي وتُذكر عدة معاني إلى الوحي.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ﴾[5] ، هنا الوحي بمعنى الإلهام والإلقاء في الروع، وهذا ينسجم مع المعنى اللغوي، الوحي هو الإلهام والإلقاء في الروع، وتُذكر له أربعة معاني هناك، ولكن المراد بالوحي هنا خصوص الوسيلة التي يوصل بها الله عز وجل مراده إلى أنبيائه ورسله.
"أخذ على الوحي ميثاقهم"، ميثاق من الوثوق، وهذا اللفظ يُذكر للأمر المبرم والمحكم. تقول: أوثقت الناقة، أي ربطتها ربطًا محكمًا قويًا مبرمًا، فالميثاق يشير إلى الشيء المحكم القوي المبرم.
"أخذ على الوحي ميثاقهم" أي أخذ منهم كلمة وعهدًا قويًا مبرمًا محكمًا.
"وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم"، تبليغ على وزن تفعيل من البلوغ، والمراد بالبلوغ الانتهاء، وسُمي التبليغ تبليغًا لأن فيه إيصال رسالة الله وانتهاء رسالة الله إلى البشر، أي وأخذ الله على تبليغ الرسالة أمانتهم، يعني أخذ الأمانة من الأنبياء على تبليغ الرسالة.
وفي هذين المقطعين إشارة إلى أن النبوة والرسالة حمل ثقيل، ولا يستطيع أي أحد أن ينهض بأعباء النبوة وتبليغ الرسالة والهداية، لأن الناس تواجهه إذ أن النبي والرسول يواجه شهوات الناس ومصالح الناس فيتعرض إلى حملة شعواء، والقليل من الناس يمكن أن يصمد أمام هذه الموجات، فلذلك أخذ الله على الأنبياء العهود المؤكدة والموثقة على الاستقامة والاستمرار في تبليغ الرسالة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾[6] .
إذًا الرسالة كالأمانة عند الأنبياء والمرسلين، وكل الأنبياء بُعثوا لتبليغ أمرين: التوحيد أولًا، والمعاد ثانيًا، أي أن النبي يذكِّر بالمبدأ والمنتهى، وهذه أسئلة فطرية. تجد الولد يقول: بابا، أنا من وين جيت؟ ويسأل الإنسان: إلى أين سأنتهي؟ والسؤال الثالث: كيف أعبر الحياة من المبدأ إلى المنتهى؟
فهذه أسئلة فطرية ثلاثة: المبدأ والمنتهى والواسطة بين المبدأ والمنتهى، من أين جئت؟ وإلى أين سأذهب؟ وكيف أسلك الطريق بين المبدأ والمنتهى؟
وهذا يشير إلى أصول الدين الثلاثة: المبدأ هو التوحيد، والمنتهى هو المعاد يوم القيامة، والواسطة هي النبوة ويلحق بها الإمامة، هي التي تأخذ بيدك من المبدأ إلى المنتهى.
ثم قال عليه السلام: "لما بدَّل أكثر خلقه عهد الله إليهم".
في هذا المقطع إشارة إلى عالم الذر والفطرة، وكل إنسانٍ يمر بعوالم ستة أو سبعة، وقد تُذكر أربعة، ولنشرحها تباعًا لكي نرى أنها أربعة أو ستة أو سبعة، لكن المشهور أن الإنسان يمر بمراحل ست.
الآن نذكر العوالم السبعة وسنجعلها ستة:
العالم الأول: عالم الأرواح، وقد دلَّت الروايات على أن الله عز وجل خلق أرواح الناس قبل أبدانهم بألفي عام. وعالم الأرواح عالم التجرد من الزمان والمكان، فكيف يُقال إن الأرواح قد خُلقت قبل الأبدان بألفي عام؟ لذلك حملها البعض على التقدم الرتبي لا التقدم الزماني، أي أن عالم الأرواح متقدم رتبة على عالم الأبدان، والإشارة بألفي عام كناية عن بُعد المسافة بين عالم الأرواح وعالم الأبدان.
فبلحاظ عالم الأبدان، أول بدن خُلق هو أبونا آدم عليه السلام، ولكن بلحاظ عالم الأرواح فإن أول روح خُلقت هي روح نبينا محمد صلى الله عليه وآله، ففي الرواية: "إن أول ما خلق الله نور نبيكم، ثم اشتق من نوره نور علي، ثم اشتق من نوره نور فاطمة ـ سلام الله عليهم ـ، ثم الحسن ثم الحسين".
فبلحاظ عالم الأرواح وعالم النور ويسمونه عالم الملكوت الأعلى، وجود النبي متقدم على آدم، بلحاظ عالم الأبدان، وجود آدم متأخر.
إذًا هذا العالم الأول: عالم الأرواح. والله عز وجل خلق الجن والنسناس قبل الإنسان بأربعة آلاف عام، كانوا في الأرض، لذلك اعترضت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾[7] ، لأن الجن والنسناس عاثوا في الأرض فسادًا قبل الإنسان حيث خُلقوا قبله بأربعة آلاف عام.
إذًا العالم الأول: عالم الأرواح أو عالم الملكوت الأعلى.
العالم الثاني: عالم الذر، وقد خلق الله الناس على شكل ذرات في صلب آدم عليه السلام.
بيان ذلك: الجسم إما كثيف وإما لطيف، جسم الإنسان كثيف أو لطيف؟ كثيف. ولكن جسم الجن، جسم الملائكة لطيف، يعني الجن له روح وله جسم، ولكن جسمه خفيف لطيف.
فجميع الناس خُلقوا في صلب آدم على شكل ذرات خفيفة ولطيفة. إذًا عالم الذر، من عالم الأرواح أو من عالم الأبدان؟ من عالم الأبدان وليس من عالم الأرواح. بعض الكتب تشتبه، تقول: عالم الذر عالم الأرواح، عالم الذر عالم الأبدان.
المرحلة الثالثة: عالم الأرحام، يعيش الإنسان في رحم أمه تسعة شهور.
العالم الرابع: عالم الدنيا. بعض الكتب تعبِّر: عالم الأبدان، عالم الدنيا هو عالم الملك في مقابل عالم الملكوت.
المرحلة الخامسة: عالم البرزخ، وهو عالم القبر، فاصلة بين الدنيا وبين الآخرة.
العالم السادس: عالم القيامة.
العالم السابع: شنو؟ الجنة أو النار هذا أيضًا يعبِّرون عنه بأنه.
إذًا هذه عوالم سبعة وقد تُجعل ستة.
العوالم السبعة كما يلي:
أولاً: عالم الأرواح.
ثانياً: عالم الذر.
ثالثاً: عالم الأرحام.
رابعاً: عالم الدنيا أو الأبدان.
خامساً: عالم البرزخ والقبر.
سادساً: عالم القيامة.
والعالم الأخير السابع: عالم المصير (تحديد المصير).
بعضهم يجعلها ستة، يدمج عالم القيامة مع ما بعد القيامة، عالم الواقع هو تحديد المصير وتقرير المصير، فيصيرون ستة، بعضهم يدمج عالم الأرحام مع عالم الدنيا يسميه عالم الأبدان.
لاحظ الآن بنذكر ستة عوالم لكن الخلاف في المفردات:
يصير العالم الأول: عالم الأرواح، خُلقت قبل الأبدان بألفين سنة.
العالم الثاني: عالم الذر.
العالم الثالث: عالم الدنيا، عالم الدنيا. القسم الأول: عالم الأرحام، القسم الثاني: ما بعد الخروج من رحم الأم. يجمعهما البدن، عالم الأبدان، وهو عالم الملك.
ثم يأتي عالم البرزخ، ثم يأتي عالم القيامة، ثم عالم المصير.
وبعضهم ما يدمج الأخيرين يفصل بين عالم الأرحام وعالم الدنيا، فيصير:
الأول: عالم الأرواح، وهو عالم الملكوت الأعلى.
الثاني: عالم الذر.
الثالث: عالم الأرحام.
الرابع: عالم الدنيا أو عالم الأبدان أو عالم الملك في مقابل الملكوت، الملك يشير إلى البدن والجسم، الملكوت يشير إلى الأرواح.
ثم عالم البرزخ، ثم عالم القيامة.
هنا قوله عليه السلام: "لما بدَّل أكثر خلقه عهد الله إليهم"، الله عز وجل خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم خلق الأبدان على هيئة ذر في صلب آدم عليه السلام، هناك الله عز وجل أشهدهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا﴾[8] .
هذه الشهادة حصلت في العالم الثاني، في عالم الذر. أحيانًا أنت تتذكر بعض الأشياء، تقول: كأن هذا الموقف مرَّ عليَّ مسبقًا، هذا في عالم الذر.
دلَّ على هذه الشهادة في عالم الذر روايات عديدة، منها:
الرواية الأولى عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "أخرج الله من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة، فخرجوا وهم كالذر، فعرَّفهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه، ثم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾ إلى آخر الآية"[9] .
الرواية الثانية عن أبي بصير رضوان الله عليه، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: "جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه"[10] - يعني في الميثاق.
قال عليه السلام: "لما بدَّل أكثر خلقه عهد الله إليهم"
ما هو حق الله؟ أمران: توحيده وعبادته، الله يريد منك شيئين: أن تقر بوحدانيته وأن تعبده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[11] .
قال: "فجهلوا حقه"، يعني فجهلوا حق الله، يعني لم يعرفوا حق الله. ما هو حق الله؟ توحيده وعدم الشرك به وعبادته.
جاء في رسالة الحقوق المروية عن الإمام زين العابدين السجاد فيها سبعين حق من حقوق الله إلى حقوق الناس، سبعين حق. قال: "حق الله الأكبر عليك أن تعبده ولا تشرك به شيئًا، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة"[12] .
قال: "واتخذوا الأنداد معه"، الأنداد جمع ندّ، والندّ هو الشريك، اتخذوا الشركاء كالأصنام والأوثان.
"واجتالتهم الشياطين عن معرفته"، في نسخة أخرى: "احتالتهم". اجتالتهم: يعني حوَّلتهم الشياطين أدارتهم الشياطين عن معرفة الله، يعني الشياطين صرفت الناس عن معرفة الله.
"واقتطعتهم عن عبادته"، شوف في هل المقطعين يبين: المعرفة والعبادة، هذه حق الله.
"واقتطعتهم عن عبادته"، يعني كما يوجد قُطَّاع طرق بين الناس فإن الشياطين يقطعون الطريق عن عبادة الله تبارك وتعالى.
ثم قال: "فبعث فيهم رسله"، هذه الفاء فاء النتيجة، هذه إشارة إلى قاعدة اللطف، اللطف هو ما يقرِّب إلى الطاعة ويبعِّد عن المعصية، مقتضى لطف الله تبارك وتعالى أن يبعث الأنبياء.
تفصيل الكلام في قاعدة اللطف يأتي، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.