46/05/19
12 جمادى الأولى 1445
14 نوفمبر 2024
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحأفضا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (السادس): وأولياء النعم وعناصر الأبرار
شرح قوله عليه السلام: «وأولياء النعم وعناصر ودعائم الأخيار».
قال الإمام الهادي عليه السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة واصفاً الأئمة عليهم السلام: «وأولياء النعم»، أولياء جمع ولي، وهو الأولى والأحق الذي يلي التدبير، والنعم جمع نعمة بكسر النون، أي ما يتنعم به الإنسان، والنعم جمع شامل لجميع النعم الإلهية، وهي ثلاثة:
الأول: النعم الظاهرة الدنيوية، وهي التي تكون مرئية في السماء والأرض وما بينهما مما نشاهده.
ثانياً: النعم الباطنة الدنيوية، فهي لا تكون مرئية ولكنها نعم معنوية يدركها الإنسان، كنعمة المعرفة ونعمة الإيمان، وهكذا نعمة الصفات والكمالات الأخلاقية والنفسية، هذه كلها نعم غير مرئية تُرى بحقيقة البصيرة. نعم، نحن نرى آثارها، مثلاً: صفة الكرم، هذه صفة راسخة في ذات الكريم، أنت ترى آثار الكرم، وهكذا صفة العدالة أنت لا ترى العدالة ولا ترى الإيمان، لكنك ترى آثار الإيمان من وتهجم إلى آخره.
النعمة الثالثة: النعم الأخروية، هي التي يتفضل بها علينا رب العالمين في الآخرة، كنعمة الكوثر ونعمة الشفاعة ونعمة الدرجات العالية. قال تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).
سؤال: قال عليه السلام: «وأولياء النعم» أي الأولى والأحق بنعم الله، فما هو وجه أحقّيتهم عليهم السلام في نعم الله تبارك وتعالى؟
الجواب: هذا يتضح من خلال مراجعة الروايات الشريفة، مثل حديث جابر. قال: «قرأ رجل عند أبي جعفر عليه السلام (الإمام الباقر) (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)، قال: أما النعمة فهو النبي وما جاء به من معرفة الله عزّ وجل وتوحيده، وأما النعمة الباطنة فولايتنا أهل وعقد مودتنا، فأعتقد والله قوم هذه النعمة الظاهرة والباطنة، وأعتقدتها قوم ظاهرة ولم يعتقدوا باطنها، فأُنزِلَ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)، ففرح رسول الله صلى الله عليه وآله عند إذ لم يتقبل الله تعالى إيمانهم إلا بعقد ولايتنا ومحبتنا».
ولمزيد توضيح كيف أن أهل البيت عليهم السلام، أو نقرأ هذه الرواية اللطيفة، روى العياشي بإسناده في حديث طويل، قال: «سأل أبو حنيفة» أبو حنيفة النعمان، الإمام الأول من مذاهب العامة، «سأل أبا عبد الله الصادق عن هذه الآية: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم)، فقال: ما النعيم عندك يا نعمان؟
قال: القوت من الطعام والماء البارد.
فقال عليه السلام: لئن أوقف الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه.
فقال أبو حنيفة: فما النعيم جعلت في ذاك؟
قال: نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا أتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للإسلام، وهي نعمة لا تنقطع، والله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم به عليهم، وهو النبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام».
فمن هذه الرواية يفهم قوله: «وأولياء النعم» هم الأحق بالنعم، لأن أهم وأحق نعمة هي نعمة الولاية، لذلك ورد في الرواية عن الإمام الباقر، وهي في "أصول الكافي": «بني الإسلام على خمس: على الصلاة والصوم والحج والزكاة والولاية، ولم يُنادى بشيء كما نودي بالولاية، ثم سأل السائل الإمام الباقر عليه السلام: وما هي أفضلها؟ قال: الولاية، لأنها أساسهن».
أنت من دون ولاية، كيف تعرف الصلاة الصحيحة؟ كيف تعرف الزكاة الصحيحة من غير الصحيحة؟ كيف تعرف الحج الصحيح من غير الصحيح؟
ثم قال عليه السلام: «وعناصر الأبرار» عناصر، جمع عنصر بمعنى الأصل والحسب والنسب. والأبرار جمع بر بالفتح، بمعنى البار وهو فاعل الخير، إذ البر اسم جامع للخير، فيكون البار بمعنى فاعل الخير والبر.
فسر الأبرار بأنهم هم المطيعون لله المحسنون في أفعالهم، ولا شك أن أهل البيت هم الأبرار في صفتهم، وهم الأصل والأساس للأبرار في عنصرهم، لكن نسأل هذا السؤال: ما المراد بكون الأئمة عناصر الأبرار، يعني أصل أهل الخير وأهل البر هم الأئمة، لماذا هم الأصل؟ وما المراد بالأبرار؟
نذكر أربعة تفاسير، وهذه التفاسير الأربعة تنسجم مع الآيات ورواية نحن في شرحنا للصحيفة السجادية المدّار في الشرح على مفاد الآيات والروايات الشريفة، وكفى.
الوجه الأول: تفسير الأبرار بنفس الأئمة المعصومين عليهم السلام، ويشهد له ظاهر عموم قوله تعالى: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً)[1] ، وقد نزلت هذه السورة "سورة الإنسان" في أهل البيت عليهم السلام، فأهل البيت هم أصل الأبرار بهذا المعنى، أي أن كل واحد من أهل البيت خلف من هو سيد الأبرار، فيكون الأئمة أصولاً وعناصر للأبرار، فالمراد بالأبرار نفس المعصومين الأربعة عشر، ويراد بأنهم عناصر الأبرار يعني أصل الأبرار، يعني الأصل الذي أنجب الأبرار، الأصل الأول النبي هو النبي صلى الله عليه وآله ونتسلسل من النبي إلى المهدي فهم عناصر الأبرار أي الأصل الذي أنجب الأبرار.
المعنى الثاني: تفسير الأبرار بمطلق البار وأهل الخير، وليس خصوص أهل البيت عليهم السلام، ويشهد لعموم لفظ الأبرار لكل خير قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم)، وحينئذٍ نسأل: إذا كان الأبرار هم مطلق أهل الخير وليس خصوص أهل البيت عليهم السلام، فكيف يكون أهل البيت عناصر الأبرار؟ يعني أصل الأبرار.
والجواب: إن المؤمنين والأبرار يهتدون بهدى أهل البيت، فالأبرار ينتسبون إلى أصل أصيل ويرجعون إلى ركن وثيق، وهم الأئمة، فيكون الأئمة أصل الأبرار، أي الركن الركين والحصن الحصين الذي يلجأ إليه جميع الأبرار والأخيار في العالم.
المعنى الثالث: «الأئمة عناصر الأبرار» أي أنهم السبب لإيجاد العالم وخلق الأبرار، فقد خلق الأبرار والأخيار ببركتهم، ويشهد لذلك ما جاء في الحديث الشريف: «يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك»، وحديث الأنوار: «إن الله عزّ وجل أول ما خلق خلق نور نبينا صلى الله عليه وآله، ثم اشتق من نور محمد نور علي» ثم بعض الروايات التي تشير أن الله خلق الدنيا كرامة لمحمدٍ وآل محمد.
المعنى الرابع المراد بـ «عناصر الأبرار» أن الأئمة هم الأصل لشيعتهم الأبرار، فالمراد بالأبرار الشيعة، والمراد بالعناصر الأصل، إذ أن الشيعة قد خلقوا من فاضل طينة أهل البيت عليهم السلام، فالائتمه أصل والشيعة فرع، فالأئمة عناصر الأبرار يعني أصول طينة الشيعة الأبرار.
ويشهد لذلك حديث بشر بن أبي عقبة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: «إن الله خلق محمداً صلى الله عليه وآله من طينة من جوهرة تحت العرش، وإنه كان لطينته نضج فجبل طينة أمير المؤمنين من نضج طينة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان لطينة أمير المؤمنين نضج فجبل طينتنا من فضل، جبل من الجبلة أي الخلق.
«فجبل طينتا من فضل طينة أمير المؤمنين عليه السلام» يعني طينة الأئمة، «وكان لطينتنا نضجٌ» يعني جميع الأئمة، «فجبل طينة شيعتنا من نضج طينتنا، فقُلوبهم تحن إلينا وقلوبنا تعطف عليهم تعطف الوالد على الولد، ونحن خير لهم وهم خير لنا، ورسول الله لنا خير ونحن له خير».
وهكذا ما جاء في الرواية: «شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا من ماء ولايتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا».
واليك حديث أبي الحجاج قال: «قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الحجاج، إن الله خلق محمداً وآل محمد من طينة عليين، وخلق قلوبهم من طينة فوق ذلك، وخلق شيعتنا من طينة دون عليين، وخلق قلوبهم من طينة عليين، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمد، وإن الله خلق عدوّ محمد من طين سجين، وخلق قلوبهم من طين أخبث من ذلك، وخلق شيعتهم من طين دون طين سجين، وخلق قلوبهم من طين سجين، فقلوبهم من أبدان أولئك، وكل قلب يحن إلى بدنه».
هذا تمام في شرح قوله عليه السلام: «وعناصر الأبرار».
ثم قال عليه السلام: «ودعائم الأخيار».
دعائم جمع دعامة بكسر الدال، وهي عماد البيت الذي يقوم عليه ويستند البيت إليه ويمنع عن سقوطه، ومنه قوله عليه السلام: «لكل شيء دعامة، ودعامة الإسلام الشيعة» هذه المقولة قد لا تكون رواية، وإنما مقولة.
والأخيار جمع خير بالتشديد، وهو الرجل صاحب الخير وذو الخير. وقيل: الخير هو من صلح عمله بعدما صلح دينه. والخير في اللغة: هو ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل، والشيء النافع، وضده الشر. والخيرات هي الأعمال الصالحة، وفسر الخير بمكارم الأخلاق.
فأهل البيت دعائم الأخيار، أي الركن الأساس لعمل الخير، وبدون هذا الركن الأساس ينتفي الخير.
وإليك هذه الرواية اللطيفة عن حفص بن غياث حديث أبي الجارود، قال: «قلت لأبي جعفر: يا ابن رسول الله هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي إياكم؟
فقال: نعم.
قلت: فإني أسألك مسألة تجيبني فيها، فأنا مكفوف البصر قليل الماشي، ولا أستطيع زيارتك كل حين.
قال: هات حاجتك.
قلت: أخبرني،..» لاحظ هؤلاء الرواة كيف محظوظون بقربهم من الأئمة.
«قلت: أخبرني بدينك تدين الله عزّ وجل به أنت وأهل بيتك، لأدين الله عزّ وجل به» خوش سؤال.
«فقال الباقر عليه السلام: إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عزّ وجل به، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وآله، والإقرار بما جاء به من عند الله، والولاية لولينا، والبراءة من عدونا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع»[2] .
وجاء في حديث محمد بن مسلم قال: « سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كل من دان الله عزّ وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير، والله شانئ لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها.
ثم قال: وكذلك والله يا محمد، من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عزّ وجل ظاهر عادل، أصبح ضالاً تائهاً، وإن مات على هذه الحالة، مات ميتة كفر ونفاق» الحمد لله على نعمة الولاية.
هذا تمام الكلام في شرح قوله عليه السلام: «ودعائم الأخيار»، في نسخة البلد للكفعمي: «دعائم الجبار»، أي الدعائم التي جعلها الله في أرضه وسمائه لدينه وشريعته، أي دعائم الدين الذي الجبار تبارك وتعالى، الدعائم الأئمة عليهم السلام.
إلى أن يقول: «وساسة العباد» يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.