47/11/11
11 ذي القعدة 1447
29 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
المحاضرة (الخامسة والتسعون): مفتاح النجاح والفلاح
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وخطابه المجيد: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾[1] . آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
الحديث عن «مفتاح الفلاح». كل إنسان ينشد النجاح والفلاح، فما هي وسيلة النجاح؟ وما هو المفتاح الذي إن حازه الإنسان أفلح في الدنيا والآخرة؟ هذا السؤال يقودنا إلى بحثٍ، وهو أن الناس متساوون كأسنان المشط، فما هو أساس التفاضل والتميز بين الناس؟ الناس سواسية، «كلكم لآدم وآدم من تراب»، فبِمَ يتفاضل الناس؟ وما هي المعايير التي توجب تقديم البعض على البعض؟
هذا بحث مهم جدًا يمكن أن يُبحث في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولنقتصر على ما أفاده القرآن الكريم. فقد ذكر ثلاثة أسس للتفاضل، ثلاثة ضوابط طرحها القرآن الكريم، وعلى أساسها يتفاضل الناس. فما هي هذه الأسس الثلاثة؟
الأساس الأول: العلم. قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[2] ، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[3] . إذًا كلما ازداد علم الإنسان، كلما ازدادت معرفة المسلم، كلما ارتفعت درجته عند الله تبارك وتعالى.
لذلك من المفارقات والأقيسة غير الصحيحة أن تقيس نفسك على المعصوم. المعصوم، الإمام المعصوم، إمام الإنس والجن، إمام العالمين، يطّلع على عوالم خفية، عنده علم الظاهر والباطن. أنت عندك بعض علم الظاهر ويخفى عليك علم الباطن. هذا الإمام يطّلع على عوالم أنت لم تطّلع عليها ولا يتسنى لك أن تطّلع عليها.
إذًا الأساس الأول في التفاضل بين الناس: لماذا قُدِّم الأنبياء؟ لماذا قُدِّم الأئمة عليهم السلام؟ قُدِّموا لعدة أمور ولعدة أسس. الأساس الأول في تقديمهم هو العلم.
مثلًا علم أمير المؤمنين واضح جدًا أنه أفضل رجل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى أن ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة كتابه شرح نهج البلاغة قال: «لله الذي قدّم المفضول على الفاضل»، يعني هو يصرّح أن الأول والثاني والثالث مفضول وأن الإمام علي فاضل. وهذه مسألة كلامية موجودة عند الإمامية والمعتزلة. الإمامية يقولون: يقبح تقديم المفضول على الفاضل ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل، فكيف يُقدَّم الثلاثة على علي؟ لكن المعتزلة يقولون: يمكن تقديم المفضول على الفاضل ويجوز ذلك. عمومًا بحثنا ليس بحثًا كلاميًا، بحثنا بحث أخلاقي. الأساس الأول في تقديم المسلم على المسلم الآخر هو العلم.
الأساس الثاني: الجهاد في سبيل الله. قال تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ إذًا القائم أفضل من القاعد، ﴿ۚوَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾[4] . كلٌّ إلى خير ما دام متمسكًا بدينه، ولكن العالِم المجاهد أفضل من العالِم غير المجاهد، العالِم القائم غير العالِم الذي لم يتسنَّ له القيام. جميع أئمتنا عليهم السلام من القائمين. إذًا توفّر في جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين: أولًا الأساس الأول وهو العلم، وثانيًا الأساس الثاني وهو الجهاد في سبيل الله.
الأساس الثالث وهو الأهم: التقوى. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[5] . المعيار الأساسي الذي يطرحه القرآن الكريم في القرب من الله هو التقوى. يعني الآن لو عندنا ثلاثة: واحد عنده علم أكثر، والثاني مجاهد أكثر، والثالث تقواه أقوى وأشد، فأيهم المقدَّم؟ الأتقى هو المقدَّم. لماذا؟ علم وجهاد بلا تقوى خرط، وجودهما كالعدم، بل حتى الكاف زائدة، لأنه ما الفائدة عنده علم وعنده جهاد لكن ما عنده تقوى، ربما علمه يقوده إلى النار لا يوصله إلى الجنة. نعم، إذا توفرت التقوى وإلى جانبها توفر العلم والجهاد، فهذا ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾[6] .
لاحظ الآية الكريمة التي صدّرنا بها الكلمة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[7] ، لم تقل: قد أفلح من علم، قد أفلح من جاهد، قالت: قد أفلح من زكّاها، أي من زكّى النفس. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾[8] ، التدسية هي عبارة عن الإخفاء، والمراد بتدسية النفس: إلقاء النفس على عواهنها من دون محاسبتها.
إلى هنا اتضح أن القرآن الكريم يذكر ثلاثة أسس للتفاضل والتكامل: الأساس الأول العلم، الأساس الثاني الجهاد، الأساس الثالث التقوى.
سؤال: ما المراد بالتقوى؟ وما الفرق بين التقوى والورع؟
الجواب باختصار: التقوى هي اجتناب الذنوب، والورع هو اجتناب الشبهات. هذا باختصار. الآن نفصّل بشكل موجز. التقوى من وقى يقي وقاية، أي اجتنب. والإنسان المتقي هو من جاء بالواجبات وترك المحرمات، فاجتناب المحرمات واجتناب ترك الواجبات هذا عبارة عن اجتناب للذنوب.
وأما الورع فله معنيان: معنى أعم ومعنى أخص. المعنى الأعم للورع هو نفس التقوى، والمعنى الأخص للورع هو اجتناب الشبهات.
إذًا الورع بالمعنى الأعم هو نفس التقوى أي اجتناب الذنوب، والورع بالمعنى الأخص هو عبارة عن اجتناب الشبهات.
مثلًا: أعلم أن هذا لحم خنزير فأتركه، أعلم أن هذا خمر فأجتنب شربه، هذا اجتناب للذنب. لكن أحيانًا لا أدري: هل هذا لحم خنزير أو لحم غنم؟ لا أدري: هل هذا خمر أو هذا خل؟ لكن أجتنبه لمكان الشبهة، هذا اجتناب للشبهة، هذا ورع.
إذًا الورع بالمعنى الأخص أي اجتناب الشبهات مرتبة أرفع من الورع بالمعنى الأعم والتقوى وهي اجتناب الذنوب.
سُئل الإمام الشهيد القائد السيد علي الخامنئي رحمه الله عن أهم شروط الولي الفقيه، وقد توجّه مجلس الخبراء، خبراء القيادة، إلى الإمام الشهيد القائد بهذا السؤال حينما طُرحت عدة أسماء مرشحة لخلافة الإمام القائد الخميني رحمه الله، وقالوا له: أشِر إلى من تريد، فأبى.
ثم قالوا له: اذكر بعض الإشارات وإن لم تُسمِّ بالاسم، فلم يقبل.
ثم قالوا له: الإمام الخميني رضوان الله عليه كان في حياته قد أشار إليك بإشارة، لذلك بعد رحيل الإمام الخميني لم نحتر وتم انتخابك بسرعة، فهلّا أشرت ولو بنحو الإشارة من بعيد إلى خلفك الصالح؟
قال: أنا أمتنع، لكنكم لن تحتاروا من بعدي، لن تحتاروا في انتخاب الولي الفقيه من بعدي.
قالوا له: إذًا اذكر لنا أهم شروط القائد.
أول شرط أول شرط ذكره الإمام السيد علي الخامنئي في الولي الفقيه هو الورع المالي، لأن أموال المسلمين ستكون عند ولي الأمر، في هذه الأموال ينبغي أن يجتنب الذنوب وأن يجتنب المحرمات، وهذه هي التقوى، هذا أولًا. وأن يجتنب الشبهات ثانيًا، يعني أي مورد في الصرف فيه شبهة يتجنبه.
وهكذا كان الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، وهكذا خلفه الصالح ابنه البار سماحة آية الله المجاهد السيد مجتبى أيده الله.
هاتان الشخصيتان فيهما صفات لا يعرفها الكثيرون، من أهم هذه الصفات: الزهد في الدنيا. الإمام الخامنئي أيام ما كان رئيس جمهورية كان يلبس ثيابًا مرتبة، ولكن من أول يوم استلم فيه القيادة لم يلبس الجبّة، يلبس الصاية. في الأسبوع يوم واحد فقط يأكل دجاج، ويوم واحد لحم، ثلاث ليالي يتعشى خبز وبطاطا. وإذا أراد شراء الفواكه يشتري الفواكه من أرخص مكان في طهران «حسن آباد». عمومًا هذه الأمور ربما تخرج في المستقبل أو لا تخرج، هو يعيش الزهد في حياته.
تريد أعطيكم مثال، هذا مثال أنا أعرفه عن قرب، مثال اعرفه عن قرب. في يوم من الأيام السيد الخامنئي، السيد علي الخامنئي، كان عنده اجتماع مع المسؤولين. بعد نهاية الاجتماع قال: أنا أعرف طالبًا فقيرًا يريد أن يتزوج لكن ما عنده مهر، ما عنده شيء. من جهتي أنا أزكّيه، أزكّي هذا طالب العلم، لكن من جهة أخرى هو لا مال له، فمن منكم يزوّجه؟
كل واحد يتكلم مع الثاني نزوج فقير ما عنده فلوس؟!
فقال الدكتور حداد عادل: سيدنا، أنا أزوّجه ابنتي.
قال: جيد.
ثم الدكتور حداد عادل سأل السيد علي الخامنئي: سيدنا، لم تذكر لي اسم هذا الطالب الفقير.
فقال: إنه ولدي السيد مجتبى الخامنئي.
فعلًا جاءت زوجة الدكتور حداد عادل مع زوجة السيد الخامنئي لكي يتزوج السيد مجتبى الخامنئي من زهراء حداد عادل الشهيدة، استُشهدت رضوان الله عليها، استُشهدت، مؤمنة جدًا.
الآن زوجة السيد الخامنئي منصورة خجلة جدًا من زوجة الدكتور حداد عادل لأنها ليس لديها ذهب تقدّم هدية إلى البنت، قلادة، طقم ذهب، ما موجود عندها.
أحد وكلاء القائد الخامنئي أعرفه، هو حي يُرزق، لا أريد أن أذكر اسمه، في الخليج زوّج ابنته، هذه البنت قدّم لها زوجها طقم ذهب. هذه البنت قدّمت طقم الذهب هدية إلى السيد الخامنئي.
أنا يحدّثني الواسطة يقول: فاتصلت إلى سماحة آية الله الحجازي، موجود آية الله الحجازي مدير مكتب السيد القائد في طهران، قلت له: سيدنا، توجد هدية إلى الإمام الخامنئي، تمر وطقم ذهب.
يقول: فانفرجت أساريرُ السيد الحجازي، قال: هذه الهدية جاءت في وقتها. قال: كيف؟ قال: التمر لن يقبلوه، السيد الأمور التي فيها أكل من ناحية أمنية لا ينقلونها إليه، ولكن طقم الذهب هذا جاء في محله، لأن زوجة السيد الخامنئي تريد أن تقدّم هدية إلى زوجة الدكتور حداد عادل ولا يوجد شيء. الآن جاء طقم الذهب في وقته، وقُدِّم طقم الذهب كهدية.
السيد الخامنئي منذ نعومة أظفاره يعيش الزهد، رحمه الله. في بيته لا توجد إلا سجادة واحدة، وهي سجادة زوجته منصورة حينما جهّزت البيت حينما تزوجوا، هي أسّست وجهّزت البيت، جاءت بهذه السجادة. على كل حال، مفتاح الفلاح: التقوى والورع عن محارم الله.
نختم الآن، نختم. ما هي أهم وسيلة لتحقيق التقوى؟
الجواب: التزكية، تزكية النفس. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[9] . الزكاة بمعنى النمو: زكا يزكو زكاة، أي نما. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[10] ، قدّم التزكية على التعليم.
رحمة الله على السيد الإمام الخميني. هذا أبو الفتوح، السيد روح الله الموسوي الخميني، له مقطع مؤثر، لو أسمعه مليون مرة أتأثر، لو مليون مرة أسمعه أتأثر. في هذا المقطع الشريف يقول: أحيانًا علم الفقه والأصول يؤدي إلى النار، أحيانًا علم الأخلاق يؤدي إلى النار، أحيانًا علم العرفان يؤدي إلى النار. الذي يوجب النجاة: التزكية لا العلم. العلم وسيلة، لكن مفتاح الفلاح وسر الفلاح ومفتاح المفاتيح: هو التزكية.
أحيانًا الإنسان تغرّه العناوين: هذا عنده علم، وهذا عنده جهاد. يا أخي، ركّز على: هذا عنده تقوى وورع أو لا؟
قيل للإمام الخميني رضوان الله عليه، وانتشر، قالوا: فلان أعلم من فلان. فقال الإمام الخميني: «فلان» ـ وهو الشهيد رجائي ـ «عقله أكبر من علمه، وفلان ـ الذي يفضّلونه دكتور ـ علمه أكبر من عقله». المهم أن يكون عقلك أكبر من علمك، هذا هو المهم.
أختم يا إخوة، يا أحبة. أسألك سؤالًا: إذا بتصادق، بتصادق من؟ إذا بتتزوج، تتزوج من؟ إذا بتمشي وبتصادق، تصادق من؟ أول خصلة: التقوى. أول خصلة.
هذا الرجل، هذه المرأة، تجتنب الغيبة، تجتنب النميمة، تجتنب السخرية والاستهزاء، تخاف الله صدق أم لا؟ لا تمشِ إلا مع الذي يخاف الله، هذا أهم شيء. النجاة في هذا. أنت ما تريد تنجو؟ يمكن ما عندك علم، ما عندك جهاد، لكن عندك تقوى الله وتزكية النفس، فهنيئًا لك. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[11] .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.