47/10/05
5 شوال 1447
25 مارس 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
المحاضرة (الثانية والتسعون): موجبات هلاك الأمم
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وخطابه المجيد: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾[1] آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
الحديث عن موجبات هلاك الأمم: مرت البشرية بمجموعة من الأمم والمجتمعات والملوك والرؤساء، فما الذي أطاح بهم؟ وما الذي أوجب زوال ملكهم؟ وفقاً لما يقرره القرآن الكريم، يمكن ذكر عدة أسباب، نقتصر على ثلاثة أسباب ذُكرت في القرآن الكريم والروايات الشريفة. توجد ثلاثة أسباب أدت إلى هلاك الأمم والقرى والحضارات:
السبب الأول: العلو والكبرياء.
السبب الثاني: الطغيان والفساد والفسق.
السبب الثالث: كفران النعمة.
هذه أسباب ثلاثة ولها شواهد في القرآن الكريم. لو راجعنا مفردة “العلو” ومشتقاتها في القرآن الكريم لوجدنا بعض الآيات التي أشارت إلى أنه ﴿كَانَ مِنَ الْعَالِينَ﴾[2] ، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾[3] ، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾[4] كما في الآية ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾[5] . العلو والكبرياء وادعاء العظمة والتعاظم من موجبات هلاك الإنسان وهلاك الأمم.
جاء في الحديث القدسي عن سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد عن الله عز وجل: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي». فرعون حينما قال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾[6] ، ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[7] ، ادعاء الربوبية أو التعالي أو التعاظم من موجبات الهلاك. إذا رأيت رئيساً من الرؤساء أو ملكاً من الملوك تصرف تصرفات المتعالي، فاعلم أن هذا يؤذن بقرب هلاكه. إذاً السبب الأول من أسباب هلاك الأمم والملوك هو التعالي.
السبب الثاني من الأسباب الموجبة للهلاك هو الطغيان والفساد، والقرآن الكريم يشير إلى قاعدة عامة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾[8] . انتشار الفساد، انتشار الفسق موجب لهلاك الأمم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[9] . الفاء تفيد التفريع والمباشرة: «فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم»، يعني لما يكثر الفساد مباشرة الله عز وجل يهلك المفسدين.
السبب الثالث من أسباب هلاك الأمم وهلاك الملوك: كفران النعمة. قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[10] . هنا الكفر ليس المراد به الكفر بالله، كفران النعمة، الكفر في مقابل الشكر يعني كفران النعمة، هذا أيضاً من موجبات الهلاك.
الإنسان كائن مادي وحسي يألف بالمحسوسات وقد يتأثر كثيراً فيفكر دائماً في المعادلات المادية ويغفل عن المعادلات الغيبية والإلهية. سبحان الله، لو رجعت إلى التاريخ لوجدت أن الله أهلك الطغاة بأبسط الأمور وأحقرها. إن الله عز وجل أهلك فرعون بماء، وأهلك قارون بتراب إذ ابتلعته الأرض، وأهلك نمرود بحشرة دخلت في منخره فأصابه الوجع فكان يضرب رأسه بالجدار من شدة الألم، وأهلك الحجاج بن يوسف الثقفي بوجع في بطنه.
لما أُدخل سعيد بن جبير على الحجاج بن يوسف الثقفي، قال: «أنت شقي ابن كسير؟» قال: «أنا سعيد بن جبير». قال: «بل شقي ابن كسير». قال: «أسمتني أمي سعيداً». فلما حاججه سعيد بن جبير بالقرآن وغضب الحجاج، قال: «خذوه فاقتلوه»، فضحك سعيد بن جبير. فقال: «ما لك تضحك؟» قال: «أضحك لجرأتك على الله وحلم الله عليك». ثم رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم لا تسلطه على أحد بعدي أبداً». فكان ينام لمدة أسبوع ويرى سعيد بن جبير يأخذ بتلابيبه ويقول له: «لِمَ قتلتني؟» فكان يستيقظ ويقول: «ما لي ولسعيد بن جبير؟ ما لي ولسعيد بن جبير؟» حتى أهلكه الله ولم يقتل أحداً بعد سعيد بن جبير، وأذله. ويمكن مراجعة التاريخ لنرى ذلة الحجاج بن يوسف الثقفي وكيف أُذلته طليقته، ولا نريد أن ندخل في الشواهد التاريخية.
هؤلاء الطغاة الذين تعالوا وعتوا أذلهم الله في الحياة الدنيا قبل الآخرة.
وفي عالمنا اليوم وفي يومنا هذا رأينا علو وتجبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورأينا جرأته على الله وعلى أولياء الله، إذ أقدم وهو يتفاخر على قتل ولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي رحمه الله، مرجع كبير من مراجع المسلمين وولي أمر المسلمين. ونجد أن الرئيس دونالد ترامب بكل وقاحة وبكل غطرسة يقدم على قتله. وهكذا رأينا علو بني إسرائيل ووقاحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
هذه الأحداث لن تمر دون عقاب دنيوي فضلاً عن العقاب الأخروي. كلامي بحسب المعادلات الإلهية فضلاً عن المعادلات المادية. من ناحية المعادلات المادية: لله الحمد والشكر والمنة، الجمهورية الإسلامية في إيران قوية ومحكمة وقد أعدت العدة لمواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[11] .
الآن الكفة في الميدان تغيرت، لله الحمد، والأحبة في الجمهورية الإسلامية عندهم دراسة وخطة كاملة متكاملة تمر بمراحل.
المرحلة الأولى هي مرحلة الإنهاك: إنهاك الدفاعات الجوية في الخليج والمنطقة وفلسطين المحتلة ما يسمى بإسرائيل. استخدمت الجمهورية الإسلامية الصواريخ القديمة، صواريخ صغيرة وقديمة غرضها إنهاك الدفاعات الجوية. هذه الدفاعات الجوية في إسرائيل، الصاروخ الواحد ثلاثة ملايين دولار، ينهكونه بمسيرات بعشرين ألف دولار.
وبعد أن انتهت المرحلة الأولى، إنهاك الدفاعات الجوية، جاءت المرحلة الثانية: مرحلة الإيلام. أنتم ترون الآن ليلياً أبطال الحرس الثوري في إيران يدكون مراكز إسرائيل. ليلياً، مثلاً في حرب الاثني عشر يوماً، يكفي شيء واحد، يكفي أن الحرس الثوري سوى معهد وايزمان بالأرض. معهد وايزمان هذا باسم الرئيس الأول للكيان الصهيوني وكان من العلماء، هذا فيه مراكز أبحاث، فيه إمكانات. في الحرب الأولى اثني عشر يوماً سُوي بالأرض.
الآن في هذه الحرب التي بدأت في العاشر من شهر رمضان، استُشهد السيد القائد الخامنئي يوم وفاة جدته السيدة خديجة بنت خويلد، العاشر من شهر رمضان وهو صائم، وفد على الله في شهر الله. الآن الجمهورية الإسلامية، وقد تجاوزنا العيد عيد الفطر، ليلياً يدكونهم ويدكون مراكز أبحاثهم، مراكز دراساتهم، مراكز عساكرهم. وإن شاء الله سيُراق ماء وجه ترامب، وإن شاء الله يصل نتنياهو إلى درك الجحيم. إن شاء الله تكون هذه الأحداث تهيئ الأرضية لظهور ولي الله الأعظم صاحب العصر والزمان الإمام محمد بن الحسن القائم المهدي، اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه واجعلنا من أنصاره وشيعته والمستشهدين بين يديه.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أرنا ذل أمريكا وإسرائيل وانصر ولي أمر المسلمين سماحة آية الله المجاهد السيد مجتبى الخامنئي حفظه الله.
بالمناسبة، الفتى سر أبيه. هناك كثير من الأمور لم تخرج، لعل الزمن يخرجها. من أهم مميزات الإمام السيد علي الخامنئي رحمه الله زهده في الدنيا، زهده في مأكله وملبسه، هذا لم يخرج إلى العلن. إن شاء الله يؤرخ هذا ويُكتب: كيف كان طعامه؟ وكيف كانت معيشته؟ ابنه السيد مجتبى ورث الزهد من أبيه، هذه أسرة أسرة زهد، يعني السيد مجتبى زاهد كأبيه السيد علي، السيد علي زاهد كأبيه السيد جواد. وأما من الناحية القيادية فكان تالي تلو أبيه في مقادير الأمور وإدارة الأمور، تالي تلو أبيه.
نسأل الله تبارك وتعالى لسماحة آية الله السيد مجتبى السلامة والحفظ والتسديد، وإن شاء الله يوصل الراية إلى يد صاحب العصر والزمان، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، إنه غفور رحيم وتواب حليم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.