1404/09/26
بسم الله الرحمن الرحیم
ثم قال شيخنا الاستاذ قدس سره ان المرجع الديني اذا اتم رسالته العملية علم اجمالا ان بعض ما افتى به فيها يكون مخالفا للحجة؛ و ان ابيت عن ذلك و قلت ان المجتهد يعلم بكون ما افتى به موافقا للحجة و لكن مع ذلك يعلم بمخالفة بعض فتاويه لحكم الله سبحانه و تعالى واقعا فيعلم بان بعض ما اسنده الى الله تعالى يكون مخالفا للواقع و حينئذ كيف يجوز له نشر رسالته؟ و اجاب قدس سره عن هذا الاشكال بان الكل يتفقون على جواز نشر الرسالة مع وجود العلم الاجمالي المزبور و هذا يكشف عن عدم محذور و اشكال في الاسناد في المقام و ان العلم الاجمالي المذكور لايمنع عن جواز الاسناد.
اقول:
ان جواز كتابة الرسالة و نشرها لايتوقف على جواز الاسناد حتى نقول بان جواز كتابتها يكشف عن جواز الاسناد لانحصار الطريق فانّه یمکن القول بجوازها و لو مع حرمة الاسناد فان الفقيه لايسند في رسالته و لايخبر عن حكم الله تعالى بل انما يقول بان المكلف يكون معذورا في واقعة فلانية و يكون الحكم منجزا عليه في واقعة اخرى لا ان يخبر عن الحكم فان الافتاء و التقليد لايتوقفان على الاسناد و الاخبار و يصحان مع بيان التعذير و التنجيز خصوصا على مسلك مثل المحقق الاخوند حيث انه اختار ان مفاد الحجية في باب الامارات هو التعذير و التنجيز لا جعل الحكم المماثل و لا جعل الطريقية و العلمية فلايجوز للفقيه ان يخبر عن الحكم لانه لايعلم به حتى يجوز له الاسناد و انما يجوز له ان يقول بالتعذير و التنجيز.
ثم انه استشکل المحقق النایینی قدس سره علی استصحاب عدم الجعل بانّ الاثر انما یترتب علی المجعول لا الجعل فانا لو علمنا بالجعل وحده لم یترتب علیه اثر فانّ وجوب الطاعة انما يترتب على المجعول اى الحكم الفعلي و لايترتب على الحكم الانشائى اى الجعل اثر اصلا لان الحكم الانشائي المحض لايكون له اثر من وجوب الطاعة و حرمة المعصية و لو مع العلم به. نعم ان اللازم العقلي لاستصحاب عدم الجعل هو عدم المجعول و لكن اللوازم العقلية للاصول لاتكون بحجة. مثلا انا اذا نفينا اصل الجعل فلامحالة لايكون هنا مجعول فعلي فلاتجب الاطاعة و لكن ترتب عدم المجعول على عدم الجعل عقلي و ليس بترتب شرعي و الاستصحاب لايدل على حجية لوازم الاصول العقلية كما قرر في محله.
و قد اجاب المحقق الخويي قدس سره عن هذا الاشكال بانّ المقام یکون نظیر الواجبات المشروطة فان الواجب المشروط يكون الجعل فيه فعليا و حاليا لان الجعل عبارة عن التصور و الفرض و لايخفى ان التصور و الفرض و الاعتبار تكون حالية في الواجبات المشروطة و لو قبل تحقق شرطها مع ان المعتبَر و المفروض و المتصوَّر یکون استقبالیا کما هو الحال فی باب الوصیة التمليكية فان الموصِی یعتبر فعلاً الملکیة لما بعد الموت للموصی له و لکن المعتبَر ای الملکیة استقبالي تحصل بعد موت الموصِی. و قد ذُکر ان جمیع القضایا الحقیقیة في باب الجعل يرجع الى قضية شرطية يكون موضوعها شرطا و مقدر الوجود و يكون الحكم فيها مجعولا بعنوان تالي القضية و بعنوان الجزاء فیها، مثلا انّ قضیة "الخمر حرام" یکون مرجعها الی قضیة شرطية اى "اِن وُجد الخمر فهو حرام" فکما ان الواجبات المشروطة لاتجب فيها الطاعة قبل تحقق شرطها فكذلك الحال في مثل "الخمر موجود" حيث ان موضوعها هو بمنزلة الشرط في الواجبات المشروطة، فقبلَ تحقق الموضوع الذی هو بمنزلة الشرط لا طاعة و لامعصية اصلا. فتحققُ الاحكام الشرعية التي تجب طاعتها يتوقف على امرين:
الاول جعلُ المولى فانّ زوال الشمس علی تقدیر تحققه ان لم يجعل الله تعالى له حكما فلا اثر له و لو علی تقدیر العلم به
الثاني تحققُ الموضوع فان الله تعالى لو جعل الحكم و لكن لم يتحقق موضوعه خارجا فلایجب امتثال ذلک الحکم اصلا.
فاستصحاب عدم الجعل و ان لم یترتب علیه اثر عند عدم تحقق الموضوع و لکن مع تحققه یکون له اثر و هو انتفاء وجوب الامتثال لان وجوبه یتوقف علی امرین کما عرفت فبانتفاء احدهما ینتفی وجوب الامتثال کما انه ان ثبت اصل الجعل و لکن لم یتحقق الموضوع خارجا لم یجب الامتثال ایضا. و قال قدس سره انّ القول بانقسام الحکم بقسمین الانشائی و الفعلی مسامحی فانه یکون من باب وصف للشئ بحال متعلقه كما في "زيد قائم ابوه" فان وصف زيد بالقيام انما هو بملاحظة ابيه لا بملاحظة نفسه. و هكذا حال الحكم فان المولى حينما يُنشئ الحکم تتحقق فعلیة الحكم ايضا مع نفس انشائه فانّ حکم المولی عبارة عن انشائه و لايخفى انّ انشائه فعلی ففی الحقیقة يكون اتصافه تارة بالانشائي و اخرى بالفعلي بملاحظة موضوع الحكم لا الحكم نفسه فاذا وجد الموضوع نعبر عنه بفعلية الحكم بملاحظة فعلية موضوعه.
و عليك ان تتامل في هذا المثال الذي نذكره لك كى تتبين لك حقيقة الحكم الفعلي في كلام المحقق الخويي: انا اذا رمينا السهم وقع السهم على الارض في اربع مائة امتار مثلا و هذا هي مرحلة الانشاء فان الحكم صار فعليا بنفس انشائه كما ان الرمى تحقق و صار فعليا بمجرد وقوعه في ذلك المكان، فاذا ذهبنا خلفه و وصلنا بذلك السهم بعد عشرة دقائق فلايقال ان السهم وقع الان في هذا المكان بل يقال انه وقع فيه قبل عشر دقائق و انما وصلتَ به الآن، و هذا نظیر الفعلیة فان وقوع السهم فی ذاک المکان صار متحققا و لا دخل لوصولنا الی ذلک المکان في وقوع السهم فیه و هكذا الامر في باب الحكم فان الحكم صار فعليا بنفس انشائه و لا دخل في تحقق موضوعه في فعلية الحكم. و حينئذ تعرف ان وجوب الامتثال موقوف على تمامية الامرين:
الجعل و تحقق موضوع الجعل مع العلم به فبانتفاء احدهما ينتفي موضوع وجوب الامتثال فاذا تحقق الموضوع فلنا ان نجري استصحاب عدم الجعل بغرض نفى وجوب الامتثال. ثم ذكر قدس سره نقضا و هو ان ما اشتهر من استصحاب عدم النسخ انما هي عبارة عن استصحاب عدم الجعل بمعنى ان المولى لم يرفع اليد عما جعله اولا فلو لم يكن اثر في بقاء الجعل فكيف قالوا باستصحاب عدم النسخ الذي هي عبارة اخرى عن استصحاب بقاء الجعل؟!
و انکر المحقق الاصفهاني قدس سره ایضا مرتبة الفعلية للحكم و قال انه ليست للحكم الا مرتبتان: الانشاء و التنجز، و لاتكون للحكم مرتبة الفعلية اصلا فان الفعلية اِما ان يراد بها الفعلية من قبل المولى و هذا نفس مرحلة الانشاء و اِما ان يراد بها الفعلية من قبل العبد و هذا ما يسمي بمرحلة التنجز فلا واسطة بينهما تسمى بمرحلة الفعلية. نعم بناء على ما سلكه الاخوند قدس سره من تفسیر حقیقة الحكم بالارادة تُتصور مرحلة الفعلية لان الفعلية عبارة عن تعلق الارادة بفعل العبد و تلك الارادة لو كانت مقيدة بالوصول بمعنى انه تتعلق الارادة على تقدير وصول الحكم الى العبد فهذا ما يسمى بمرحلة الفعلية و تكون الفعلية فيها مقيدة، و اما مرحلة التنجز فالفعلية فيها مطلقة اى تكون ارادة المولى لفعل العبد في هذه المرحلة فعلية لان الحكم وصل الى العبد فی هذه المرحلة فتكون الارادة فعلية غير متقيدة بشئ و لايخفى ان مرحلة التنجز تلازم اطلاق الفعلية.
اقول:
انّ الذي يبدو الى الذهن ان السيد الخويي اراد امرا آخر غیر ما یترائی من ظاهر کلامه و هو انه یکون فی المقام ثلاثة اعدام: عدم الجعل و عدم المجعول الانشائي و عدم المجعول الفعلي فاذا حكم الشارع بوجوب الجلوس في يوم الجمعة فقد انتقضت الاعدام الثلاثة بالنسبة الى يوم الجمعة و بقيت بالنسبة الى يوم الخميس و نشك في يوم السبت و حينئذ نستصحب بقاء المجعول الفعلی و لکن نستصحب عدم المجعول الانشائی ایضا لانه لا مجعول انشائی بالنسبة الى يوم السبت قبل تحقق الجعل بالنسبة الى يوم الجمعة و نشك بعده في تحقق المجعول الانشائي بالنسبة الى يوم السبت فنستصحب ذلك العدم. فنحن نستصحب عدم المجعول الانشائي لا عدم الجعل حتى يقال بان الجعل لايترتب عليه اثر اصلا حتى ننفي باستصحاب عدمه ترتب ذلك الاثر. و الشاهد على کون هذا مراد المحقق الخویی انه بصدد بيان الجواب عن ايراد المحقق الناييني من طريق بيان ان الحكم ليست له مرحلة الفعلية فركيزة جوابه بيان تصوير المجعول و الحكم الانشائي فهو اراد استصحاب ذلك المجعول الانشائي لا عدم الجعل الذي هو امر تكويني فانه ليس بمشكوك اصلا لان الجعل تحقق اولا و تم امره و لم يتحقق ثانيا و انما شككنا في المجعول سعة و ضيقا لا في الجعل. بل ان تجدد الجعل ثانيا كان جعلا ثانيا مغايرا للجعل الاول فلا معنى لاستصحابه. فيكون مراده ان استصحاب فعلية المجعول يعارض استصحاب عدم المجعول الانشائي. اللهم الا ان يقال ان مراده ما يكون ظاهر كلامه من استصحاب عدم الجعل بدعوى ان الاثر يكون اثرا لمجموع الامرين معا: الجعل و المجعول، فينتفي الاثر بانتفاء كل واحد منهما. و لكن هذا ما ينكره المحقق الناييني حيث انه قال ان الجعل لايترتب عليه اثر كى يُنفَی ذلک الاثر باستصحاب عدم الجعل، و استصحاب عدم الجعل لاثبات عدم فعلیة المجعول مثبت.
ثم ان صاحب المنتقی قدس سره قال ان الجعل و المجعول متلازمان فانّه لایمکن عقلاً ان یتحقق الجعل من دون المجعول فانهما کالایجاد و الوجود فانه لا معنی لتحقق الایجاد و لا وجود. فاذا استصحبنا الجعل ثبت حينئذ الجعل الظاهری الثابت بالاستصحاب و تحقَّقَ و ثبت به المجعول الظاهری ايضا لانّه لایُعقل ان یکون هناک جعل ظاهرا و لا مجعول اصلاً و لایخفی انه اذا ثبت المجعول ظاهرا وجب امتثاله لان العقل حاکم بوجوب الامتثال و لو بالنسبة الى الاحكام الظاهرية لان حکم العقل بلزوم الطاعة حكم ثابت للاعم من الحكم الظاهري و الواقعي. و هذا بخلاف الحال في جانب العدم فانّ عدم الجعل اذا ثبت بالاستصحاب و فی الظاهر فعدم المجعول ایضا و ان ثبت فی الظاهر و لکنه لایجدی لان العقاب المحتمل عند احتمال الواقع يترتب على نفس الواقع لا على الظاهر ، فلا بد من إثبات عدم المجعول واقعا بالتعبد الظاهري بعدم الجعل واقعا. و من الواضح ان إثباته انما يكون بالملازمة العقلية للتلازم واقعا بين عدم الجعل و عدم المجعول. فيكون الأصل حینئذ من الأصول المثبتة. و من هنا لا وجه للنقض الذی ذکره المحقق الخویی من استصحاب عدم النسخ لانّ بقاء الجعل فی مرحلة الظاهر يتقوم ببقاء المجعول ظاهرا و ثبوت الحكم الظاهري يكفي في صحة ترتيب الآثار. و هذا بخلاف استصحاب عدم الجعل فانه و ان ترتب عليه عدم المجعول ظاهرا لكنه لا ينفع في ترتب الأثر العملي. و ما يترتب عليه الأثر العملي و هو عدم المجعول واقعا لا يثبت إلاّ بالملازمة فيكون الأصل مثبتا(١).
و فيه ما لا يخفى فانّ نفى الجعل ظاهرا الملازم لنفى المجعول ظاهرا یجدی فی نفی وجوب الطاعة لانّ التعبد بالنفی تعبد بنفی المجعول واقعا فانه لا معنی لنفی المجعول ظاهرا فقط فانه مما لا اثر له فالتعبد بالنفی تعبد بنفی الواقع کما لایخفی .
هذا مضافا الی ان ما ذكره صاحب المنتقى من عدم معقولية ثبوت الجعل من دون المجعول مخدوش لان هذا الامر انما يتم في الامور التكوينية كالخلق و لايتم في الاعتباريات فانها خفيفة الموونة فيمكن ان يُتصور الجعل من دون المجعول کما یمکن ان نتصور اجتماع النقیضین لانّ فرض المحال لیس بمحال و انما المحال وقوعه خارجا لا تصوره فی وعاء الذهن کما لایخفی(٢).
ثم ان شیخنا الاستاذ قدس سره اختار اولا التعارض بین استصحاب المجعول و استصحاب عدم الجعل و لکنه عدل عن هذا القول و قال بان استصحاب عدم الجعل حاکم علی استصحاب بقاء المجعول فیُقدَّم علیه.
و فیه انه لو ارید من استصحاب عدم الجعل ما ذکرنا من عدم المجعول الانشائی فهو فی رتبة استصحاب بقاء المجعول فلا معنى للقول بحكومته عليه. و اما ان اريد من استصحاب عدم الجعل ما يترائى من ظاهره اى عدم الجعل فهو و ان يكون مقدما علیه حیث انه يستتبع عدم المجعول و لكن هذا الاستتباع و الترتب يكون عقليا لا شرعيا فيكون من الاصول المثبتة التي لم يلتزم شيخنا الاستاذ بحجيتها.
ثم ان السید الصدر استشکل علی التعارض بایراد آخر و هو ان الجعل امر تکوینی و المجعول امر وهمی فرضی فاذا اردنا ان نجری الاستصحاب فانما نتمکن من احد الاستصحابین لا کلیهما لان المستصحب فی احدهما امر فرضی و فی الآخر امر تکوینی و لایمکن ان ننظر الی الامر التکوینی و الفرضی معا الا اذا کان الناظر احول العین.
و فیه انا تارة ننظر الى امر تكويني فنستصحبه و اخرى ننظر الى امر وهمي فنستصحبه ايضا فلاننظر بنظر واحد الى امر واحد يكون ذلک الامر وهميا و تكوينيا بل ننظر بنظرين الى امرين احدهما تكويني و الاخر فرضي و لا ضير فيه كما لايخفى.
__________________________________
١)اقول:
ان ترتب عدم المجعول ظاهرا على عدم الجعل ظاهرا ترتب عقلي لانه لا معنى لاثبات جعل ظاهرى من دون مجعول و هكذا الامر في جانب العدم و حيث ان هذا الترتب عقلي فلايترتب.
٢)اقول:
ان نفس التصور امر تكويني فلايعقل تحققه من دون المتصوَّر. نعم یمکن تصور تحقق التصور من دون المتصوَّر و لکنه اجنبی عن محل الکلام.