« قائمة الدروس

الأستاذ السيد ابوالفضل الطباطبائي

بحث الفقه

45/11/11

بسم الله الرحمن الرحيم

بناء المسجد بجوار المراقد المشرَّفة/الباب الثالث: هندسة المسجد /فقه‌المسجد (مسجد طراز انقلاب اسلامي)

 

الموضوع: فقه‌المسجد (مسجد طراز انقلاب اسلامي)/الباب الثالث: هندسة المسجد /بناء المسجد بجوار المراقد المشرَّفة

 

استكمالا لما قلنا في الدرس الماضي حول جواز بناء المسجد بجوار المراقد المشرفة نقول:

وأما ما ذكره البعض من أن رسول الله لعن اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مسجداً.[1]

فهذا الحديث لايمكن القول بظاهره ولايمكن الاعتماد على ما يري من ظاهر الحديث، لأنه لايتفق ولايجتمع مع ما يحكى في تاريخ اليهود في القرأن وغيره.

لأن القرآن يحكي عن اليهود بأنهم كانوا يقتلون الأنبياء ويوذيهم، فكيف يمكن القول بأنهم ينبون المساجد على قبور الأنبياء تكريما وتعظيما لهم، فبناء على ذلك لابد من التأمل فيه أكثر.

نعم أنّ تاريخ اليهود يحكي عن قيام سيرتهم على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم و ... ويكفي في ذلك قوله تعالى لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ[2] .

فهذا يحثنا على أن نتنأمل في ما روي عن رسول الله أكثر وأكثر كي ينتج لنا احتمالات أخرى.

منها أنه على فرض صحة الحديث لابد من كشف أهدافهم من جعل قبور الانبياء مساجد!

فالاحتمال المهم الذي يمكن القول بوجوده هنا في معنى الحديث، أن اليهود كانوا يجعلون قبور أنبيائهم مسجدا موامرة، وأنهم كانوا يسجدون لهم ويعبدون أنبيائهم.

بناء على هذا الاحتمال الذي ليس بعيدا عن اليهود وتاريخهم، فما قاله النبى إنّما نهى عن القيام بما كان يقوم به اليهود والنصارى، لا النهي عن بناء المساجد، فاننا اذا عرفنا عمَلهم، عرفنا بالتَّبع الحرام الذي نهي عنه رسول الله.

ويويد ذلك بعض القرائن الموجودة في نفس الرواية وشاهدة على أنهم أرادوا الانحراف في الدين الحقيقي، وجعل القبور قبلة بدل القبلة الحقيقي وأرادوا أن تصرف الأمة عن التوجه الى القبلة التي يجب التوجه اليها. أو كانوا يريدون أن يجعلوا الأنبياء شركاء مع الله جل جلاله في العبادة.

فاذا كان ذلك هو المعني في تاريخهم وعقيدتهم فيحتمل أن معنى الحديث في لعن رسول الله اليهود في الحقية لعنه لهدف اليهود وعملهم لا لمن يبني المسجد على القبور.

ويويد ذلك ما أخرج مسلم في صحيحه: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[3] .

من يتأمل في ذلك يجد أن وصف رسول الله هولاء بشرار الخلق يكشف حقيقة عملهم، إذ لا يوصف الإنسان بالشرّ المطلق إلاّ إذا كان مشركاً ـ وإن كان في الظاهر من أهل الكتاب ـ قال تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ[4] ؛ وقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ[5] .

فظهر أن عمل اليهود ما كان صرف بناء المسجد على القبر والصلاة فيه، أو مجرد إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملاً مقروناً بالشرك بألوانه، وهذا كما في اتخاذ القبر مسجوداً له، أو مسجوداً عليه، أو قبلة يصلّي عليه، والنبي قد نهي عن ذلك.

فالهدف من وضع صوَر الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها وعلى القبر، بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو كانتا كالصنم المنصوب يُعبدان ويُسجدان لهما.

إنّ هذا الاحتمال من هذا الحديث ـ ينطبق مع ما عليه المسيحيّون من عبادة المسيح ووضْع التصاوير والتماثيل المجسّمة له وللسيّدة مريمـ عليهما السلام ـ.

ويويد ذلك أيضا ما روي في نسخة من نسخ حديث لعن اليهود الذي رواه أحمد في مسنده ومالك بن انس في الموطاء: وزادا في ذيله: اللَّهُمَ لا تَجْعَلْ قَبْري وثَناً يُعْبَد.

يعني أن رسول الله كان يخاف في امته مما كان يعمله اليهود على قبور الأنبياء.

فمن الواضح بعد التعرف على هذا الأمر فلايمكن الستدلال بهذا الحديث في مخالفة ما قلنا به من جواز بناء المسجد على القبور بجوار المراقد المشرفة، لأنه خارج عن الموضوع وان نهي النبي انما هو مرتبط بهدف اليهود.

ولكن المسلمين منذ أربعة عشر قرنا لم يسجد أحد لصاحب القبر ولم يعبد أحد صاحب القبر، وما كان أحد المسلمين يجعل القبر قبلته في العبادة، بل كانوا يعبون نحو الكعبة ويجعلون الكعبة قبلتهم.

فلما نقول بحرمته الصلاة على القبر أو بجوار القبر.

مضافا الى ذلك لو كان بناء المسجد على القبور حراما لما ذا أن الصحابة أجازوا في توسعة المسجد النبوي بجوار قبر رسول الله، ولم يمنع أحد منهم عن ذلك!

وكل المسلمين يصلون مجاورين قبر رسول الله منذ أربعى عشر قرنا.

أضف الى ذلك أن العامة قد روا بناء المسجد على بعض القبور زمن رسول اله وبحضوره.

يقول السمهودي في حديث ذكر فيه وفاة السيّدة فاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أميرالمؤمنين علي: «فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِقَبْرِهَا فَحُفِرَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْيَوْمَ: قَبْرُ فَاطِمَةَ»[6] .

ويقول أيضاً: «أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ دُفِنَا تَحْتَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ عَلَى قَبْرِ حَمْزَةَ»[7] .

وهذا المسجد كان موجوداً حتّى قبل سنين.


[1] ر.ک: البداية و النهاية، ج2، ص116 و 145، و ج5، ص238 و 268، و ج6، ص8.
logo