< فهرست دروس

بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

41/05/17

بسم الله الرحمن الرحیم

موضوع: مباحث الالفاظ/وضع/حقیقت الشرعیه

أقول: إنّ المسلّم هو استعمال النبيّ(ص) ألفاظ العبادات في أوّل البعثة في معانیها الشرعیّة بمعونة القرائن؛ مثل: «... كَانَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ(ص) : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ ...»»[1] ، ثمّ بعد کثرة الاستعمال صارت بحیث لایحتاج إلی القرائن و بعض الألفاظ کثیر التداول و الاستعمال بحیث صارت حقائق بالوضع التعیّنيّ في زمان قلیل، کالصلاة و بعضها بعد زمان و مدّة، کالحجّ و الزکاة و الخمس و أمثالها. و بعضها في زمان و مدّة کثیرة، بل في زمان الأئمّة(علیهم السلام)؛ کبعض ألفاظ المعاملات. و العمدة أنّ ألفاظ النبيّ(ص) و الأئمّة(علیهم السلام) إذا کانت بلا قرینة تحمل علی المعاني الشرعیّة، سواء کانت في الشرائع السابقة و تغیّر بعض شروطها و قیودها أو لم‌تکن فیها و کانت مستحدثةً في شرعنا.

و هذه الثمرة تترتّب في ألفاظ العبادات في زمان قلیل و في ألفاظ المعاملات بعد مدّة کثیرة. و بالجملة أنّ القرائن في أکثر الکلمات موجودة و تلك توجب رفع الإجمال في فهم المعاني من الألفاظ الصادرة عن النبيّ(ص)أو الأئمّة(علیهم السلام).

و قال المحقّق القمّيّ(رحمةالله): «الحقّ ثبوت الحقيقة الشرعيّة في الجملة. و أمّا في جميع الألفاظ و الأزمان، فلا. و الذي يظهر من استقراء كلمات الشارع أنّ مثل الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و الركوع و السجود و نحو ذلك، قد صارت حقائق في صدر الإسلام».[2]

و قال المحقّق المشکینيّ(رحمةالله): «إنّ الحقّ ثبوت الحقيقة الشرعيّة في مثل لفظ «الصلاة» ممّا هو كثير التداول استعمالاً من ألفاظ العبادات من غير تعيين كونها حاصلةً بالتعيينيّ المنشأ بالاستعمال أو بالتعيّن».[3]

أقول: کلامه(رحمةالله) متین.

و قال المحقّق الاصفهانيّ(رحمةالله): «إنّ الوضع التعيينيّ و إن كان بعيداً، إلّا أنّ الوضع التعيّنيّ‌- في الصدر الأوّل بكثرة استعمال الشارع للصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ و أشباهها من الألفاظ المتداولة في لسان الشارع و ألسنة تابعيه- لا بعد فيه؛ بل حصول الوضع به في أيّام قلائل قريب جدّاً و إنكاره مكابرة».[4]

أقول: کلامه(رحمةالله) متین.

و قال المحقّق العراقيّ(رحمةالله): «الحقّ هو ثبوت الحقيقة الشرعيّة بمعنى ثبوت الوضع التعيينيّ‌ بنفس الاستعمال في لسان الشارع المقدّس».[5]

أقول: لایبعد ثبوت الوضع التعیینيّ في بعض ألفاظ العبادات و لکنّ الغالب فیها و في المعاملات هو الوضع التعیّني. و لا فرق بینهما من حیث ثبوت الثمرة في مقام الاستنباط.

و قال الشیخ المظفّر(رحمةالله): «إنّ الألفاظ الشرعيّة ليست على نسق واحد؛ فإنّ بعضها كثير التداول؛ كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ، لاسيّما الصلاة التي يؤدّونها كلّ يوم خمس مرّات، فمن البعيد جدّاً ألّاتصبح حقائق في معانيها المستحدثة بأقرب وقت في زمانه(ص)».[6]

أقول: کلامه(رحمةالله) متین.

أدلّة القول الأوّل

الدلیل الأوّل: وجودها في ألفاظ الشارع (الاستقراء).[7] [8]

قال المحقّق الحلّيّ(رحمةالله): «لنا: وجودها في ألفاظ الشارع؛ فإنّ الصوم في اللغة الإمساك و في الشرع إمساك خاصّ و الزكاة الطهارة و في الشرع طهارة خاصّة و الصلاة الدعاء و في الشرع لمعان مختلفة أو متواطئة تارةً تعرى عن الدعاء، كصلاة الأخرس و تارةً يكون الدعاء منضمّاً، كصلاة الصحيح».[9]

أقول: کلامه(رحمةالله) متین.

بیانان للاستقراء

البیان الأوّل

«إنّا تتبّعنا استعمالات الشارع لهذه الألفاظ فوجدناه يستعملها غالباً في معانيها المخترعة عنده؛ فإنّ ذلك يفيدنا الظنّ بأنّه قد بنى من أوّل الأمر على نقل هذه الألفاظ إلى معانيها الشرعيّة. أ لاترى إذا[10] نحكم على الألفاظ المتداولة في عرف أرباب العلوم و الصنائع بأنّها منقولات عندهم بمجرّد غلبة استعمالهم إيّاها في معانيها المخترعة عندهم و إن انضمّ إلى ذلك النقل في بعض الموارد و ظاهر أنّ الشارع لايقصر عن عرفهم في ذلك؛ فليحكم بالنقل هنا كما يحكم به هناك».[11] [12]

أقول: کلامه(رحمةالله) متین.

البیان الثاني

إنّا وجدنا أنّ أهل كلّ عرف خاص، كالنحوى و غيره و أهل كلّ صنعة و حرفة إذا أرادوا استعمال اللفظ فى اصطلاحهم فى غير المعنى اللغويّ يضعون ذلك اللفظ أوّلاً لذلك المعنى ثمّ يستعملون فيه اللفظ؛ فمن الاستقراء فى حال الواضعين نظنّ بثبوت الوضع من الشارع تعيّنيّاً .[13]

أقول: کلامه(رحمةالله) متین.

الإشکالان علی الاستقراء في المقام

الإشکال الأوّل

«إن غلبة الاستعمال‌ لايوجب‌ البناء على النقل؛ لجواز البناء على التجوّز، فإن رجّح الأوّل بأنّه أوفق بالحكمة رجع إلى إثبات الوضع بالاستحسان و قد مرّ فساده و تمثيل ذلك بالألفاظ المتداولة عند أرباب العلوم و الصنائع مدفوع بأن النقل التعيينيّ غير ثابت في كثير من تلك الألفاظ. و إن تحقّقت الغلبة فيها و لو قلنا بثبوته هناك- كما صدر عن البعض- فمبنيّ على المسامحة رعايةً لبعض الأمارات الضعيفة؛ إذ لايترتّب عليه ثمرة، فتأمّل و لايذهب عليك أنّ هذا الاستقراء ليس بالاستقراء الذي ذكرنا أنّه حجّة في مباحث الألفاظ».[14]

أقول: إنّ کون الشارع شارعاً للشریعة قرینةً عامّةً علی أنّ کلماتهم(علیهم السلام) تحمل علی المعاني الجدیدة المخترعة، فإن کان المقصود هذه القرینة العامّة، فموجودة دائماً. و أمّا سائر القرائن، فیمکن وجودها في الأوائل، ثمّ بعد کثرة الاستعمال لایحتاج إلیها. و هذا المعنی لیس مظنوناً، بل مقطوع به و لکن قد یشكّ في زمان تحقّق الوضع التعیّني. و أصل الوضع التعیّنيّ بالنسبة إلی الألفاظ التي کثیرة الاستعمال في لسانهم(علیهم السلام) مسلّم لا ریب فیه.

الإشکال الثاني

قال الموسويّ القزوینيّ(رحمةالله): «فيه أوّلاً: قلب الاستقراء بأنّا وجدنا بنائهم على استعمال تلك الألفاظ فيما اصطلحوا عليه مجازاً حتّى بلغت مرتبة الحقيقة بمرور الأيّام و مقتضى تأخّر الحادث و هو الوضع أيضاً ذلك، فكذا الشارع لإلحاق الظنّ المشكوك بالغالب؛ فهذه الألفاظ موضوعة عنده لهذه المعاني تعيّناً. و ثانياً: أنّه مسلّم فيما كثر استعماله لا مطلقاً؛ فالدليل أخصّ من المدّعى».[15]

أقول: بعد قبول الوضع التعیّنيّ في کثیر من الألفاظ کثیرة الاستعمال، فیأتي البحث في بعض الألفاظ علی أنّه هل وصل إلی حدّ الوضع التعیّنيّ أو لا؟ و لا مشاحّة في هذا المقدار. و تمکن دعوی وجود القرائن فیها بحیث یرتفع النزاع أصلاً.

الدلیل الثاني: التبادر.[16] [17]

قال الفاضل التونيّ(رحمةالله): «لنا: تبادر الأركان المخصوصة من لفظ الصلاة و القدر المخرج من المال من لفظ الزكاة و القصد الخاصّ من لفظ الحجّ‌ و نحو ذلك، مع أنّ هذه الألفاظ موضوعة في اللغة لمعان أخر. و التبادر من أمارات الحقيقة. الظاهر أنّه[18] لكثرة استعمال الشارع هذه الألفاظ في هذه المعاني».[19]

أقول: کلامه(رحمةالله) متین.

أقول: إنّ الحقّ وقوع هذا التبادر؛ لأنّ من ابتداء تشریع الصلاة کان یصلّي الناس في الصبح و الظهر و اللیل و لفظ الصلاة منحصر في هذا المعنی المعهود الشرعي. و لایخفی علیك أنّ في أوّل التشریع یمکن الاحتیاج إلی التأمّل لبعض الناس و لکن لتبدیله إلی الحقیقة الشرعیّة لم‌یحتجّ إلی الزمن الکثیر؛ لأنّه کثیر الابتلاء؛ فإنکار التبادر في ما نحن فیه خلاف للواقع؛ لاستلزام إنکاره إلی القول بأنّ المسلمین استعملها استعمالاً مجازیّاً و هو خلاف الواقع؛ فطبیعة الحال تقتضي بوجود التبادر في ذلك الزمان أیضاً.


[1] .تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج6، ص241.. . و فیه: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى [بن عمران الأشعري: إماميّ ثقة] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى [بن عیسی الهمداني: ضعیف رمي بالغلو] عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ [أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال التیمي: فطحيّ ثقة] عَنْ أَبِيهِ [الحسن بن عليّ بن فضّال التیمي: فطحيّ رجع عنها عند موته ثقة، من أصحاب الإجماع علی قول] عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ [بن خالد: إماميّ ثقة] عَنْ مُوسَى بْنِ أُكَيْلٍ النُّمَيْرِيِّ [إماميّ ثقة] عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ [عبد الله بن أبي یعفور: إماميّ ثقة] قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع). (هذه الروایة مسندة و ضعیفة؛ لوجود محمّد بن موسی بن عیسی الهمدانيّ في سندها و هو ضعیف)
[10] . الصحیح: إنّا.
[13] . ضوابط الاصول، ج1، ص22.
[15] .ضوابط الاصول، ج1، ص22.
[18] . التبادر.

BaharSound

www.baharsound.ir, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo