« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ ناجي طالب

بحث الأصول

38/01/22

بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة المتشرّعة وسيرة العرف

الموضوع : سيرة المتشرّعة وسيرة العرف

وأمّا سيرة المـتشرّعة فهي السيرة الناشئة من أقوال المعصومين (عليهم السلام ) وأعمالهم وتقريرهم ، وهذه يجب أن تكون حجّة علينا ، لأنها ناتجة من المعصومين ، ومثالُها العملُ بالإطمئنان واعتبارُه حجّة ، سواءً في الأحكام أم في الموضوعات كالتصرّف بأغراض الغَير مع الإطمئـنان برضاه ، والعملُ بالظهورات .

وأمّا السيرة العرفيّة فليست حجّة بلا شكّ لأنها ناتجة من العادات والتقاليد ، بل قد تكون بعض عادات قومٍ وتقاليدِهم تافهةً وباطلةً ومرفوضة عند العقل كما نرى من الكفّار والبعيدين عن الحضارات على الشاشات المرئيّة ، فلا مجال لأن يقال بحجيّتها .

وبمناسبة دلالات التقرير ، وعند ذِكْرِ حُجيّةِ السيرة بلحاظ مرحلة الظاهر والإكتفاء بالظنّ ، تعرّض السيدُ الشهيد الصدر في الحلقة الثالثة من كتابه (دروس في علم الأصول) [1] إلى حُجِّـيّة قول اللغوي عند الشكّ في معنى كلمةٍ ما واعتمادِ قوله وإن لم يُفِدِ سوى الظنّ ، فأقول :

حـُجِّـيـَّة قَـول اللُّغَوي

لا شكّ أنّ قول اللغوي هو أمارة على معنى من المعاني أي أمارة ـ ولو ضعيفة ـ على إفادة الوضع ، فإن أفاد كلامُه الإطمئـنانَ فلا شكّ ح في حجيّة قوله من باب حجيّة الإطمئـنان ، إنما الكلام فيما لو لم يُفِدْ قولُه الإطمئـنانَ ، فهل هناك سيرةٌ ممضاة من قِبَلِ المعصومين (عليهم السلام ) على حجيّة قول اللغوي في فهْمِ معاني القرآن الكريم وكلام المعصومين أم لا ؟ فلو قال اللغويّ مثلاً إنّ الصعيد هو مطلق وجه الأرض ، فهل يجوز الأخْذُ بقوله لنجوّز التيمّمَ بالحجر لأنه من وجه الأرض ؟

الجواب : جرى المعصومون (عليهم السلام ) في سلوكهم وتصرّفاتهم مجرى الناس العقلاء ، والعربُ من أيام المعصومين كانوا يرجعون إلى أهل اللغة في فهْمِ الآيات والروايات ، ولا يمكن في فهْمِ المعاني الخفيّة إلاّ الرجوعُ إليهم ، وهذا أمْرٌ وجداني تقتضيه فطرةُ رجوع الجاهل إلى العالِم في مواضع خِبْرَتِه ، واللغويُّ يُقَدّمُ للناس معاني الكلمات العربـية ، ويقدّم كافّةَ الإستعمالات لها والشواهدَ عليها ، وهذا يوجب الإطمئـنانَ ـ عادةً ـ بصحّة قولِه ، ولا مصلحة له ـ عادةً ـ في تغيـير المعاني واختلاق الإستعمالات الكاذبة . ثم إنه لا شكّ في سكوت المعصومين (عليهم السلام ) عن هذا الرجوع ، وإلاّ لظهر رفْضُهم واستـنكارُهم لهذه السيرة الفطريّة ، ولبان ذلك في عشرات الروايات ، لا أقلّ من باب الخوف من سريان هذه السيرة الفطريّة من مجال الأمور التكوينية الشخصيّة إلى مجال الشرعيّات ، فسكوتُهم (عليهم السلام ) عن هذه السيرة التي هي إمّا شاملة للشرعيّات قطعاً أو يُظَنّ سريانُها إلى الشرعيّات يوجب الإطمئـنانَ بحجيّة قول اللغوي شرعاً ، لكن إنْ أفاد قولُه الظنَّ ، لا أقلّ من ذلك ، وذلك اقتصاراً على القدر المتيقّن من الحجيّة ، أقصد أنه يُشترَطُ عدمُ العِلْمِ بوجود معارض لكلامه وعدمُ العِلمِ بتعمد اللغوي على الكذب والمسامحة ونحو ذلك .

وقد ادُّعِي الإجماعُ على حجيّة قول اللغوي ، ومن القائلين بالحجيّة : المجدّد الشيرازي والشيخ محمد السند وهو الأشبه بالحقّ ، ومن القائلين بعدم الحجيّة المحقّق النائيني في أجود التقريرات[2] والميرزا هاشم الآملي النجفي والشيخ محمد الفاضل اللنكراني[3] والسيد محمد صادق الروحاني[4] .

ثم اعلم أنّ علم اللغة نشأ في عصر الإمام الصادق (عليه السلام ) واهتمّ الناس بهذا العلم ، وإليك القليل من هؤلاء العلماء في زمانهم :

العَرُوضيّ أبو الصفا أو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عَمرو (عمر ـ خ) بن تميم الفراهيدي ، هو من فراهيدِ البصرة، والفراهيدي نسبةٌ إلى بطن من الأزد ، لذلك وصفوه بالأزدي البصري ، وُلِدَ سنة 100 هـ ، واختلفوا في سنة وفاته بـين 160 و 170 و 171 ، والمشهور 175 هـ ق ، كان من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام ) الذي استشهد سنة 148 هـ ق ، وكان الخليل بن أحمد في زمان هارون (بُويِعَ لعنه اللهُ سنة 170 ومات سنة 193 هـ ق) . كان الخليل بن أحمد من خيار عباد الله ، ومن المتقشّفين في العبادة ، وهو مرجع من مراجع أهل اللغة ، وعرّفه بعضُهم بـ إمام اللغة ، وبعضُهم بـ ترجمان العرب ، وقد ألَّف كتابَ العَين في اللغة ، وكتابَ (الإمامة) ، وهو أوّلُ مَن ألّف في اللغة . وقال فيه خير الدين الزركلي : (هو أستاذ سيـبويه النحوي . ولد ومات في البصرة ، وعاش فقيراً صابراً ، كان شعث الرأس ، شاحب اللون ، قشف الهيئة ، متمزق الثياب ، متقطع القدمين ، مغموراً في الناس ، لا يُعرَف)[5] . قال عنه العلاّمة الحلّي في خلاصة الأقوال : (الخليل بن أحمد ، كان أفضل الناس في الأدب ، وقولُه حجةً فيه ، واخترع علم العروض ، وفضله أشهر من أن يذكر ، وكان إماميَّ المذهب) (إنـتهى) [6] . وأيضاً قال ابنُ داوود ـ في رجاله ـ بأنه كان إماميّ المذهب .. كان يحدّث بواسطتين عن الإمام عليّ بن أبـي طالب وعن عائشة .

عمرو بن عثمان بن قنبر ، أبو بشر المعروف بسيـبويه النحوي (مات سنة 180 هـ ق) : من أهل البصرة ، كان يطلب الآثار والفقه ، ثم صحب الخليل بن أحمد ، فبرع في النحو ، وورد بغداد وجرت بـينه وبـين الكسائي وأصحابه مناظرةٌ (كان الكسائي أحدَ إمامَي القراءة في الكوفة وهو من طبقة الإمام الكاظم (عليه السلام ) إسمه علي بن حمزة النحوي الكوفيّ ، أدّب الرشيدَ وابنَه الأمين، توفّي 189 هـ فهو من ط الإمام الكاظم (عليه السلام ) الذي استشهد سنة 183 هـ)...

وهكذا شيخ النحاة الملقب بالفراء يحيى بن زياد الأقطع بن عبد الله بن مروان الديلمي الكوفي أعلم الكوفيـين بفنون الأدب في عصره ولد سنة 144 ، وتوفي في طريق مكة سنة 207 عن 63 سنة ، وفي بغية الوعاة عن 67 سنة ، وعبر عن الكتاب بآلة الكتاب وصرح خريت الصناعة ميرزا عبد الله في الرياض بأنه من الإمامية .

فمع وجود هذا العلم في زمن المعصومين (عليهم السلام ) ، وسكوتِهم عن الأخذ به ، رغم احتمال الأخذ منه في مجال الشرعيّات يطمئنّ الإنسان بتقرير المعصومين وإمضائهم الأخذَ بعلم اللغة .

 


[1] الحلقة الثالثة : الجزء الأوّل من كتابنا، عند بحثه عن دلالات التقرير، ص317 .
[3] تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، بعد بحث المطهِّرات، القول في الأواني، مسألة 3 في معنى الآنية : ص699، قال : ( والمراجعة إلى اللغة غير مجدية لعدم حجّية قول اللغوي لعدم كونه من أهل الخبرة والتشخيص في تميـيز المعنى الحقيقي عن غيره، بل شأنه تـتبّعُ مواردِ الإستعمال وبـيانُها) (إنـتهى).
[5] حدّد حياتَه خيرُ الدين الزركلي في كتابه (الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربـين والمستشرقين) : الجزء 2 ص314 : ( 100 ـ 170 هـ‌ = 718 ـ 786 م ) .
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo