46/10/18
كتاب الشهادات.
الموضوع: كتاب الشهادات.
القول: في صفات الشهود.
ومنها: التبرّع بالشهادة في حقوق الناس، فإنّه يمنع عن القبول في قول معروف، وفيه تردّد. وأمّا في حقوق اللَّه -كشرب الخمر والزنا- وللمصالح العامّة، فالأشبه القبول[1] .
تارة يكون التبرع بالشهادة في حقوق الناس وطورًا في حقوق الله تعالى، وثالثة في الحق المشترك..
أما التبرع بالشهادة في حقوق الناس والمراد منها هنا (إقامتها وأداؤها) قبل طلب الحاكم وسؤاله. فقد تردد سيدنا الأستاذ (قده) ولعل منشأ التردد هو عدم كفايه الأدلة التي إعتمد عليها الأصحاب وأهمها الإجما
ويمكن الإستدلال على المنع من قبول التبرع بالشهادة:
• الإجماع، وذهب صاحب الجواهر(قده) إلى نفي الخلاف حيث قال: ((التبرع بالشهادة) في حقوق الآدميين (قبل السؤال) من الحاكم في مجلس الحكومة (يطرق التهمة) إلى الشاهد أنه شهد للمدعي زورا بسبب حرصه على ذلك (فيمنع القبول) بلا خلاف أجده فيه)[2] .
ولكن يقال بأن الإجماع المدعى في المقام غير تام، لوجود المعارضين لذلك وذهابهم إلى القبول أولًا ولكونه ليس إجماعًا تعبديًا حتى يكون محققًا ثانيًا، وأما المنقول منه فليس حجة كما هو واضح وثالثًا يمكن أن يقال بأنه لو كان المستند هو الإجماع لما كانت الحاجة إلى قيام الإجماع على ثبوت التهمة الشرعية ثم رد الشهادة لأجل ذلك، بل كان الإجماع على الرد كافيًا في المقام.
٢- استدلوا على المنع من قبول التبرع بالشهادة بكونه معلل (بالتهمة) والحرص على الشهادة، وأن المتبرع بالشهادة يكون متهمًا بتحقيق المصلحة والمنفعة له من جراء شهادته، او لكون المشهود له من خاصته وأقربائه مثلًا.
ويمكن الرد على ذلك أولاً، بعدم الملازمة دائمًا بين شهادة المتبرع وبين إتهامه بالمنفعة له، إذ ربما يكون المشهود له عدوًا له، والمشهود عليه صديقًا له.
وثانيًا: بأن يعلم منه أن شهادته التبرعية كانت عن جهل بالحكم الشرعي.
٣- واستدلوا أيضًا على المنع بأن الشهادة قبل سؤال الحاكم وطلبه الشهادة من الشهود، هو من علامات آخر الزمان، ومن أشراط الساعة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار خلق الله تعالى.كما ورد ذلك في النبويات.
ويرد عليه، أولًا: بعدم تمامية السند.
وثانيًا: لوجود المعارض لها من قبيل النبوي الآخر.
فقد روى عن النبي (صلى الله عليه وآله): (ألا أخبركم بخير شهود؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد)[3] .
إن قلت: إن النبويات الأولى مشهورة وقد عمل بها المشهور لمنع قبول شهادة المتبر
قلت: هذا ممنوع وذلك لكون ظاهر الأصحاب وقد صرح بعضهم بكون إعتمادهم على المنع من قبول شهادة المتبرع هو الإجماع والتهمة وليس لأجل النبويات تلك.
ولكن مع ما تقدم من مناقشة بما استدلوا عليه للمنع من قبول شهادة المتبرع، فإن شبهة الإجماع قائمة ولا أقل من الشهرة ولذلك فالأحوط المنع والله العالم.
وأما بالنسبة إلى حقوق الله تعالى كشرب الخمر والزنا وغير ذلك.
فالأشبه القبول. وذلك اولًا: لعموم قبول الشهادة وإطلاقه إلا ما خرج منها. وهذا ما عليه المشهور شهرة عظيمة، بل لم يعرف الخلاف فيه، إلا من الشيخ الطوسي(قده) في نهايته، حيث قال: (اللهم إلا أن يعلم: أنه إن لم يقمها، بطل حق مؤمن، فحينئذ يجب عليه إقامة الشهادة ولا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة، كما لا يجوز له كتمانها، وقد دعي إلى إقامتها، إلا أن تكون شهادته تبطل حقا قد علمه فيما بينه وبين الله تعالى، او يؤدي إلى ضرر على المشهود عليه لا يستحقه. فإنه لا يجوز له حينئذ إقامة الشهادة، وإن دعي اليها)[4] .
مع أنه وافق المشهور في مبسوطه كما نقل عنه في كشف الرموز حيث قال: (وفي حقوق الله قولان، أطلق في النهاية المنع فيهما، للتهمة، وفصل (فصله خ) في المبسوط أي تقبل في حقوق الله، ولا تقبل في حقوق الناس)[5] .
والتنقيح الرائع حيث قال: (للتهمة المانعة من القبول، خصوصا مع بناء حقوق اللّٰه على التخفيف. وهذا فتوى الشيخ في النهاية. ومن أن حقوق اللّٰه لا يطالب بها، فلو لم تسمع فيها شهادة المتبرع لزم سقوطها، فتنتفي فائدة اللطفية فيها. وهو قول الشيخ في المبسوط. وعليه فتوى العلامة في القواعد)[6] .
هذا، مع أننا لو قلنا بمنع قبول شهادة المتبرع في حقوق الله تعالى لزم تعطيل الكثير من حدود الله تعالى، وذلك لإمكان رؤية الشاهد لما يسبب للحدود دون أن يراه أحد.
وأما الحقوق المشتركة بين الله عز وجل وبين الناس، من قبيل السرقة مثًلا، لوجود حكم القطع والغرامة فيها، وذلك لكون الدليل الدال على المنع في حق الناس على تقدير ثبوته هو الإجماع، وبما أن الإجماع من الأدلة اللبية فيقتصر فيه على القدر المتيقن وهو حق الناس محضًا، فلا يشمل الحق المشترك، مع أنه تقدم الإستشكال على الإجماع المذكور.