« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/05/08

بسم الله الرحمن الرحيم

البرهان التكويني على المعاد والرجعة ونظرية المعرفة الفطرية/المنهج العقلي في فهم آيات المعاد /التفسير

 

موضوع: التفسير/المنهج العقلي في فهم آيات المعاد /البرهان التكويني على المعاد والرجعة ونظرية المعرفة الفطرية

الوحدة الماهوية بين النوم والموت واليقظة والبعث

وقد تقدّم الكلام في مفاد الآيتين الكريمتين: رجعة عُزير بعد إماتته مائة عام[1] ، ورجعة الطيور التي ذبحها نبي الله إبراهيم (على نبينا وآله وعليه السلام) فأعاد الله سبحانه لها الحياة. وتبيّن أنّ الخليل (عليه السلام) لم يطلب أصل إثبات الحياة للموتى، بل قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾[2] ؛ فالمدار على طلب رؤية الكيفية لا أصل الإحياء.

والفارق هنا: أنّه (عليه السلام) لم يسأل إقامة برهانٍ أو إثباتاً نظرياً، بل رام المشاهدة العيانية، وكلا الموردين إنّما يندرجان في حقيقة الرجوع؛ كما تبيّن أنّ إحياء الموتى في دار الدنيا لا يُمثّل المعاد الأكبر، بل تلتقي فيه النشأتان بوجود ماهيةٍ تكوينية مشتركة بينهما.

وهذا المعنى المستفاد من منطق القرآن الكريم قد فطن إليه الشيخ الصدوق ببيانات التنزيل وروايات أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ أورد في كتاب «الاعتقادات» مسألة المعاد الجسماني للقيامة الكبرى محتجّاً بالحديث النبوي الشريف[3] ، مبيناً بذلك كنهَ حقيقةٍ تكوينية عبر مسلكٍ عقلي رصين، ومفاده:

    • أنّ بين النوم والموت وحدةً ماهوية،

    • وأنّ بين اليقظة والبعث وحدةً مناظرة،

وهي وحدةٌ ماهوية تكوينية يقف عليها العاقل بحسن النظر والتدبر.

وتأسيساً على ذلك، نجد أنَّ القرآن الكريم لا يوحّد فقط بين البعث في القيامة الكبرى وبين الرّجعة، بل يوحّد أيضاً بين اليقظة والبعث، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾[4] ؛ إذ سمّى القرآن الكريم كليهما توفّياً، فثَمّة ماهيّة توفٍّ مشتركة بين النّوم والموت يُطلق عليها القرآن عنواناً تكوينيّاً ماهويّاً، وهذا مساق بيانٍ عقليٍّ برهانيّ وليس مجرّد بيانٍ تعبّديّ صرف.

المنهج العقلي عند الشيخ الصدوق ومقارنته بالفلاسفة

وموضع الخلل عند كثيرٍ من الباحثين — ومنهم الشّيخ الرّئيس ابن سينا — أنَّهم يقفون عند دلالات هذه الآيات موقف التعبّد الإجماليّ المبهم الذي يُسلَّم به تسليماً، على نحو ما يشير إليه في مباحث الشّفاعة ونحوها، في حين أنَّ الشّيخ الصّدوق — وسواءٌ عُدَّ فيلسوفاً في الاصطلاح أم لم يُعَدّ — يتناول الآيات الكريمة بوصفه متكلّماً ومحدّثاً وفقيهاً بقراءةٍ عقليّة. وهذه القراءة العقليّة التي قد يتوهّم البعض انفراد الفلاسفة بها، نجد أنَّ كثيراً من الفلاسفة لا يراعونها في مقام التّطبيق، بينما يراعيها الشّيخ الصّدوق بدقّة؛ فالأمر إذن غير مرتبطٍ بالشّعارات العلميّة ولا بالدّعاوى الصّوريّة، بل بمنهجٍ عقليٍّ رصين يراعيه الصّدوق في قراءة النّصّ، بينما يغفل عنه ابن سينا الذي يُعدّ رأساً من رؤوس الفلاسفة، وإلى يومنا هذا يغفل كثيرٌ من المشتغلين بالفلسفة عن هذا المنهج المنطقيّ العقليّ.

والقاعدة هنا: أنَّ المسألة لا ترجع إلى مخصّصاتٍ وتفضيلاتٍ بين الأفراد، بقدر ما هي انضباطٌ منهجيّ ومسلكيّ؛ فهناك من يراعيه وهناك من يقصر عنه. فقد يدّعي المرء الفلسفة ولكن مسلكه في التّحقيق ليس عقليّاً ولا دقيقاً، والمنهج التّطبيقيّ في كلّ مقامٍ ومحطّةٍ علميّة هو الميزان الموضح لذلك. وابن سينا نفسه في كتاب «الشّفاء»[5] يصرّح بأنَّ كثيراً من إشكالات جمهور الفلاسفة على طقوس الدّين وشرائعه سببها أنّهم متفلسفةٌ وليسوا فلاسفةً حقيقيّين، لعجزهم عن امتلاك فهمٍ عقليٍّ لطقوس الدّين.

وهذه نكتة مهمة: إذ تُبيّن أنَّ القضيّة ليست تشدّقاً بالعناوين، بقدر ما هي مراعاةٌ عمليّةٌ لمنهجٍ معيّنٍ في الاستنتاج وممارسة البحث العلميّ.

وحينما نتدبّر في القرآن الكريم، نلاحظ أنّه جعل نوم أصحاب الكهف رقوداً وجعل بعثهم في مصافّ الرّجعة، فثَمّة أنواعٌ عديدة من غياب الرّوح ورجوعها، منها:

    • رقودٌ غير طبيعيٍّ يمتدّ ثلاثمائة سنة ثمّ ترجع الرّوح.

نومٌ يسيرٌ وترجع بعده الروح فهذا نوعٌ، وفي المعاد الأكبر ترجع الروح فهذا نوعٌ آخر، وهي أنواعٌ من غياب الروح ورجوعها؛ وكل هذه الموارد والنماذج التي وقعت في الأمم السابقة يعبّر عنها القرآن الكريم بأنها برهانٌ على المعاد الأكبر، لأن المعاد واحد، والنوع واحد، والسنخ واحد.

وإذا دققنا النظر — كما ينبه أهل البيت (عليهم السلام) — نجد أن القرآن الكريم يعتبر الموت توفّياً ووفاة، مع أنه يعتبر النوم أيضاً توفّياً؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾[6] ، فالنوم ليس انقطاعاً تامّاً عن البدن، ومع ذلك سمّاه القرآن وفاةً وتوفّياً، وهذا ما ينبئ عن أن الوفاة في الموت الاصطلاحي ليست انقطاعاً كليّاً بين الروح والبدن.

فبدل أن يحبس الإنسان نفسه فقط على نتاج البشر من المتكلمين أو الفلاسفة أو العرفاء — وليست هذه دعوةً لعدم الاطلاع على آرائهم وسجالاتهم العلمية، بل اطّلع عليها ولكن لا تحبس نفسك في أُطُر هؤلاء الأفراد — فالمفروض بعد أن يتروّض الإنسان باللغة العقلية أو اللغة القلبية أن يَرِدَ بحور الوحي ويستجليَ نكاته والدُّرر الكامنة فيه، وهنا بيت القصيد.

العوالم السابقة وتفسير المعرفة الإجمالية والبديهيات

فعوالم الذر، وعوالم الميثاق، وعوالم الأشباح بحوثٌ معرفية جليلة، وفي تلك العوالم كثرةٌ من الأرواح، كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الْآخِرَةِ، لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا، مِنْهَا أَتَيْتُمْ وَإِلَيْهَا تَعُودُونَ»؛ فأصل الإنسان لم يُوجد ابتداءً في دار الدنيا كما يتخيل الفلاسفة أو المتكلمون، بل إنَّ أصل وجود الإنسان — حتى بوصفه كثرةً — كان في عوالم روحية سابقة ثم تنزّل، ولذلك يُعبَّر في نصوص الوحي بأن البدن كاللِّباس للروح، وليس أمراً عرضيّاً، بل نُفخ في البدن؛ قال سبحانه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[7] ، فالروح موجودةٌ سلفاً والنفخ يعني الولوج والدخول، وهناك تعبيرات عقلية صريحةٌ جدّاً في نصوص الوحي تدل على أن الروح دخلت الجسد، فروح آدم (على نبينا وآله وعليه السلام) دخلت في جسده، وكذلك روح أيّ طفل مولود تدخل في جسده.

والإشكال المطروح: ومن ثَمَّ فإنَّ إشكالهم في كيفية تذكرنا لما جرى نشأ من غفلتهم وبنائهم على أنَّ العلم محصورٌ بالعلم التفصيلي، في حين أنَّ هناك علماً إجمالياً، وهذا العلم الإجمالي — كالذي في البديهيات — ليس هو المصطلح المبحوث في علم الأصول؛

فالعلم الإجمالي في علم الأصول: يعني وجود معلوم مردد بين هذا الطرف أو ذاك حيث يتمازج الشك والاشتباه مع المعلوم[8] ، أما في البحوث العقلية والمعارف فإنَّ العلم الإجمالي يُستخدم بمعانٍ أُخَر.

ففي نصوص الوحي، ورد في كتاب الكافي أنّ الله تعالى أوحى إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) جُمَلَ العلم ثمّ أتاه تفصيلها[9] ، ونظيرُ ذلك ما جاء في محكم التنزيل: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾[10] .

والسؤال المطروح هاهنا: ما المراد بالتفصيل، وما حقيقة الإحكام والإجمال في هذا المقام؟

والجواب: إنّ حقيقة ذلك ترجع إلى البديهيّات؛ بيد أنّ مدار البحث يتّجه نحو معرفة من يمتلك القدرة والأهليّة لفتق إجمال هذه البديهيّات واستخراج تفاصيلها؟ فالإجمال في هذا الاصطلاح يراد به الدمج، وهو اندراج المعلومات الكثيرة واندماجها ضمن معلومةٍ واحدةٍ كليّة.

ومن شواهد ذلك: البيان الوارد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في شأن سورة التوحيد: «لَوْ وَجَدْتُ لِعِلْمِيَ الَّذِي آتَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَمَلَةً لَنَشَرْتُ التَّوْحِيدَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالدِّينَ وَالشَّرَائِعَ مِنَ الصَّمَدِ»[11] ؛ فهذه المنظومة المعرفيّة المتكاملة التي تستوعب أصول الدين بأسرها، وتنتظم الشريعة برمّتها وسائر أحكام الإيمان وعلوم الدين، يمتلك الإمام الباقر (عليه السلام) القدرةَ التامّةَ — بفضل العلم اللدنيّ والوحيانيّ لمقام الإمامة — على استنباطها وتفريعها من لفظةٍ واحدةٍ ومعنىً مفردٍ هو «الصمد». فاشتمالُ معلومةٍ واحدةٍ على هذا الرصيد الهائل والكمّ الغفير من التفاصيل يجسّد حقيقة «الدمج»، وعليه فإنّ الإجمال هنا يساوق الدمجَ في قبال التفصيل.

والحاصل: أنّ هناك في كلّ حقلٍ من حقول المعرفة جدليّةً علميّةً قائمةً تدور حول منشأ العلم ومصدره الأوّليّ، ومن أين أتى وكيف تحصّل للإنسان[12] .

فهل هو نابعٌ من استقراء الجزئيّات، أم من البديهيّات، أم من أين؟

والجواب: أنّه لولا وجود البديهيّات لَمَا استطاع الإنسان أن يدرك التفاصيل؛ إذ لا محالة إدراك الكبرى متقدّمٌ على إدراك النتيجة في الاستدلال، وليس استقراء الجزئيّات هو الذي يولّد بالدقّة كلّيّةً من الكلّيّات في منظومة المعلومات في أيّ علمٍ من العلوم، بل إنّ التحرّي واكتساب الاستقراء في الجزئيّات إنّما يثير دفائن العقول الكامنة في البديهيّات. وتُسمّى البديهيّات «دفائن العقول»، وهو تعبيرٌ وحيانيٌّ شريف واردٌ في نهج البلاغة، إذ يُعبَّر عن البديهيّات بـ«دفائن العقول»[13] ، أي المعارف الدفينة والمخزونة في الصميم الإنسانيّ، كما يُعبَّر عنها بـ«ميثاق الفطرة»؛ فالفطرة مخزنٌ وُثّقت فيه تلك المعلومات دمجاً وإجمالاً، وتُسمّى أيضاً «مَنْسِيَّ النعمة»؛ لأنّ هذه النعمة البديهيّة المودعة في العوالم السابقة قد نسينا استثمارها في دار الدنيا، وتلك من الأهداف والغايات الكبرى التي ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) لبعثة الأنبياء.

والحاصل: أنّ دعوى الاستبعاد القائلة: كيف نكون قد مررنا بعوالم سابقة ونحن لا نتذكّرها؟ مردودةٌ؛ فكيف لا نتذكّرها ونحن نتذكّرها بالعلم الإجماليّ وبالبديهيّات المرتكزة في جبلّتنا؟! فإنّ وجود البديهيّات وارتكاز الفطرة لدينا يمثّلان أعظم منبّهٍ على اكتساب تلك الحقائق وتلقّيها في عوالم سابقة، خلافاً لما حاول أن يستدلّ به المتكلّمون أو الفلاسفة لنفي تقدّم العوالم السابقة، وهذا المقدار كافٍ في إيضاح الفرق بين منهج الشيخ الصدوق القائم على التمسّك بظواهر النصوص من جانب، ومنهج المتكلّمين والفلاسفة من جانبٍ آخر[14] .

وبالعود إلى سياق الآية الكريمة، فإنّ الخاطرة الذهنيّة قد يتبنّاها الإنسان في باطنه ويعتمدها، فتغدو نوعاً من الحُكم، أي حُكماً وقضاءً علميّاً يعقده الإنسان في نفسه ويُحاسَب عليه جزاءً ومسؤوليّةً، وتصحّ المؤاخذة بحسب أيّ درجةٍ ونحوٍ آخر؛ فإنّ وظائف القلب أشدّ من وظائف البدن بلا قياس، ووظائف النفس والروح أشدّ من وظائف البدن، بل وظائف الروح أشدّ من وظائف النفس، ووظائف القلب أشدّ من وظائف الروح إذا قوبل بين هذه العناوين.

سياق آيات الإحياء وارتباط المعاد بصفات الله تعالى

في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾[15] ، كانت المحاجة واقعةً في مسألة إحياء الموتى أيضاً؛ فالآية المتقدمة مسوقةٌ في إحياء الموتى، والآية اللاحقة في شأن عُزير مسوقةٌ كذلك في إحياء الموتى، وكذا الآية المعطوفة بعدها في شأن النبي إبراهيم (على نبينا وآله وعليه السلام) إنما هي في إحياء الموتى.

ووجه العطف هنا: أن نسق الآيات جادٍ بلحاظٍ واحد؛ فقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ واقعٌ في الإحياء والموت، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾[16] واقعٌ في الإحياء والموت، والآية المعطوفة بعدهما في إحياء الموتى، فيتحصل أن هذا السياق بتمامه إنما يدور في فلك مسألة إحياء الموتى.

المقابلة بين الموقفين: إن الذي حاجّ إبراهيم —سَمِّهِ نمرود— كان معلناً ومجاهراً؛ إذ ادعى أن قضية الإحياء والإماتة ليست مختصةً بالله تعالى، بل تقع من غيره، في حين أن صاحب القرية في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ لم ينكر ذلك على الله عز وجل، بل قال: ﴿أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، ومقتضى قوله هذا استبعادٌ لقدرة الله تعالى، لا إنكارٌ لأصلها.

والنتيجة: أن الإيمان بالرجعة ضربٌ من الإيمان بقدرة الله تعالى وبصفاته؛ إذ لم يُنكر قدرة الله سوى في المعاد الأكبر، والقرآن الكريم يبين أن سبب إنكار الأمم للمعاد الأكبر إنما هو الشك في قدرة الله عز وجل.

نكتة شريفة: تكمن في كيفية كون صفات الله تعالى برهاناً ساطعاً على بقية أصول الدين؛ فإن أسماء الله وصفاته برهانٌ على النبوة والرسالة، بل إن من عمدة براهين النبوة صفات الله سبحانه.

فإن قيل: ما وجه ربط صفات الله تعالى بنبوة الأنبياء؟

والجواب: يظهر ذلك جلياً في حكاية قول المنكرين: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾[17] ؛ إذ كان رد الله عز وجل عليهم بما معناه: أتعجزون الله تعالى عن أن يبعث رسولاً؟! فهل حُجبت قدرته وتصرفه؟! فكان الجواب الإلهي لبيان كمال قدرته ونفوذ مشيئته؛ وفي سور عديدة يربط الله عز وجل بين كمال قدرته وبين بعثة الرسل.

يربط الله -عزّ وجلّ- في سورٍ عديدة بين كمال قدرته وبين بعثة الرّسل؛ فإنَّ الشكَّ في نبوّة الأنبياء مآله بالدقّة إلى الشكّ في قدرة الله -تعالى- وحكمته، كما في قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾[18] ؛ ذلك بأنَّ النبوّة وإرسال الرّسل فعلٌ من أفعال الله -سبحانه-، وتنصيبَ خليفةٍ ووليٍّ في الأرض جَعْلٌ وفعلٌ من أفعاله تعالى.

والحاصل: أنَّ أصول الدّين كلّها ترجع بالدقّة والتأمّل إلى صفات الله تعالى وأفعاله وشؤونه؛ وعليه فإنَّ الجحود بها والتمرّد عليها إنَّما هو جحودٌ وتمرّدٌ على أفعال الله وصفاته وأسمائه الحسنى، لكونها ناشئةً من شؤونه التكوينيّة والتشريعيّة.

ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾[19] ، إذ يرجع استبعادُ البعث فيه إلى توهّم العجز والقصور في القدرة الإلهيّة؛ فالمعادُ في لبِّ لبابه وجوهره مرتهنٌ بفعل الله وقدرته التامّة.

والبرهان الأتمّ: على إمكان المعاد والرجعة هو قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾[20] .

حقيقة الرجعة وإرهاصاتها قبيل الظهور الشريف

فتجربةُ الموت تُعَدّ نَحواً من أنحاء الرَّجعة، بل قد يُقال: إنَّ إنساناً مات في قبره وبَلِيَ جسدُه يُمكن أن يرجعَ في الزَّمن الذي نحن فيه؛ إذ لا غرابةَ في ذلك بعد كَوْن الرَّجعة سُنَّةً إلهيّةً جاريةً في الأزمنة كلّها، غيرَ أنَّ الرَّجعة المعهودة الخاصَّة المفصَّلة القهريّة إنَّما تبدأ قبيلَ ظهور صاحب العصر (عجّل الله فرجه) بستّة أشهر، وهي فاتحةُ الرجوع العامّ.

وتلك المقولةُ المأثورة: «العَجَبُ كُلَّ العَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَرَجَبٍ»[21] [22] أطلقها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) ابتداءً، ثمَّ أخذ يردّدها أميرُ المؤمنين (عليه السلام) كثيراً على منبر الكوفة حتى تسامعَ بها عامّةُ أهل الكوفة صغاراً وكباراً، حتى جاء أبانُ أو زرارةُ فسأل الإمامَ الباقرَ (عليه السلام) عن معناها، فبيَّن الأئمّةُ (عليهم السلام) أنَّ مؤدّاها: «بَعْثُ أَمْوَاتٍ يَضْرِبُونَ هَامَاتِ أَحْيَاءٍ»[23] ، والرواياتُ في هذا الشأن مستفيضة.

والحاصل: أنَّ تلك هي الرَّجعةُ العامّة، على أنَّه بحسب بيانات أهل البيت (عليهم السلام) ثمَّة أيضاً رجعاتٌ اختياريّةٌ يختار فيها الإنسانُ الرُّجوعَ أو عدمَه، وهي منزلةٌ خاصّةٌ بأهل الصَّلاح المَحْض.

وقبيلَ ظهور صاحب العصر والزَّمان (عجّل الله فرجه) — وكما استفاد العلامةُ الطباطبائي[24] من الآيات وروايات أهل البيت (عليهم السلام) — تبدأ مظاهرُ الآخرة والقيامة الأبديّة بالتجلّي شيئاً فشيئاً، وهي استفادةٌ عقليةٌ برهانيةٌ تامّة؛ ولأجل ذلك أُطلقَ على ظهور صاحب العصر اسمُ «السَّاعة» وهو من أسماء القيامة، كما يُسمّى بالقِيام والقائم والقيامة، وكثيرٌ من الآيات الواردة في السَّاعة مقصودٌ بها جرياً أو تأويلاً ساعةُ ظهور صاحب الأمر؛ فتشرع إرهاصاتُ الظهور بتجلّي شؤونٍ متعدّدة من عوالم البرزخ والسَّماء، ويأنسُ البشرُ بالغيبيّات ويبرزُ جملةٌ منها لتغدوَ في الواقع الحياتيّ أمراً روتينياً مألوفاً، وتكون بمثابة أدوارٍ تكميليّةٍ لتكامل النَّوع البشريّ.

وحينئذٍ تختلط ثقافةُ الموت بثقافة الأحياء، ويبدأ البشرُ في العيش ضِمنَ نُظُمٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ جديدة؛ ومفاجآتُ الرَّجعة أمرٌ عظيمٌ ومُهولٌ جدّاً، حيث تنطلق إرهاصاتُها قبل ستّة أشهر من الظهور الشريف، وتبدأ في أرض العراق قبل غيرها بحسب صريح الروايات؛ فكهفُ الرَّجعة ومَعقِلُها ينطلق قبل ظهور صاحب العصر من نَفَقِ العراق، وللمسألة بحوثٌ كلاميّةٌ وتفسيريّةٌ موسّعة في مظانّها[25] .

وقد نبّه الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه الله) في كتابه في الرجعة على أنّه كفّ عن إيداع رواياتٍ كثيرةٍ لقصور العقول عن تحمّلها، مقتصراً فيه على إيراد زُهاء ستمائة روايةٍ ونيف؛ مصرّحاً بعد ذلك بأنّ جُلّ الروايات قد أمسك عن إيداعها.

والواقع: أنّ نصوص الرجعة تبلغ الآلاف ولا تنحصر في المئات، وهي مبثوثةٌ في مصادر الفريقين، وإن لم تأتِ بلفظ «الرجعة» صريحاً، بل بألفاظها المرادفة وتعبيراتها الدالّة على حقيقتها ومضمونها.

 


[5] يُنظر كلام الشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه «الشفاء». — المحقق.
[8] العلم الإجمالي في اصطلاح الأصوليين: هو العلم بالجامع بين طرفين أو أكثر مع الشك والتردد في انطباقه على كل طرف بخصوصه. — المحقق.
[12] يُراجع في تحقيق مسألة مناشئ المعرفة الإنسانيّة، ومسار تولّد النظريّات من الأصول البديهيّة: كتب الفلسفة ونظريّة المعرفة، مبحث العلم وأقسامه. — المحقق.
[14] الإعتقادات، الشيخ الصدوق، ج1، ص47. «يُنظر في تفصيل منهج الشيخ الصدوق في إثبات العوالم السابقة وخلق الأرواح قبل الأجساد».
[24] الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، ج2، ص105. «في بيان اشتراك يوم القيامة والرجعة والظهور في حقيقةٍ واحدة تتفاوت في مراتب التجلّي وسقوط حكم الأسباب الظاهرية. — المحقق».
[25] الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة - ط نويد، الشيخ حرّ العاملي، ج1، ص26. فما بعدها «يُراجع في تفصيل أدلة الرجعة ورواياتها».
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo