« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/04/29

بسم الله الرحمن الرحيم

دلالة الرجعة على إمكان المعاد الجسماني/المعاد /التفسير

 

موضوع: التفسير/المعاد /دلالة الرجعة على إمكان المعاد الجسماني

 

المنهج العقلي الوحياني بين الشيخ الصدوق والفلاسفة والمتكلمين

دلالة الرجعة على إمكان المعاد الجسماني

كان الكلامُ -على أيّ تقديرٍ- في منهج الشيخ الصدوق[1] ، سواءٌ في مسألة الرجعة أم في القراءة العقليّة للمنظومة العقائديّة؛ وقد مرّ بنا استشهادُ القرآن الكريم في الآيتين (259) و(260) من سورة البقرة بالرجعة كبرهانٍ على إمكان المعاد، وهذا الاستشهادُ لا يقتصرُ على هاتين الآيتين فحسب، بل كما تقدّم في سورة البقرة وسُوَرٍ أُخَر استدلّ القرآنُ الكريم بالرجوع إلى دار الدنيا على المعاد الجسمانيّ[2] في موارد شتّى؛ فالقرآنُ الكريم لم يحصر البرهانَ على المعاد الجسمانيّ في مسلك الرجعة فقط، بل ساق براهين متعدّدة أُخرى، غيرَ أنّ طائفةً وافرة من تلك البراهين التي تعرّض لها مساقُها الرجعة، ونرى أنّ علماء الكلام والفلسفة والعرفان يُراد عندهم بالتعقّل إثباتُ أنّ المعاد الجسمانيّ أمرٌ ممكنٌ واقعٌ في مقدور الباري جلّ وعلا.

والشاهد فيه: ما ورد في سورة الكهف وفي موارد أُخرى من آيات الرجعة في قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾[3] ، ومثله قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[4] ؛ ففي موارد متعدّدة استدلّ القرآنُ الكريم على المعاد الجسمانيّ بالرجعة وإحياء الموتى في دار الدنيا، وهذا المعنى صريحٌ جدّاً بتعليمٍ وبيانٍ من أهل البيت (عليهم السلام) [5] [6] .

تنبيه: ينبغي التوقّفُ عند حقيقة أنّ وقوع الرجعة في الأمم السالفة -سواءٌ كان على شكل أفرادٍ أم على نطاق أممٍ- هو إحدى طوائف الأدلّة العقليّة التي يستدلّ بها القرآنُ الكريم على المعاد الجسمانيّ، وهذا مبحثٌ في غاية الأهمّيّة.

نقد تقوقع الفلاسفة والمتكلمين عن معين الوحي

ويُلاحظ في هذا المضمار أنّ الفلاسفةَ، نتيجةَ تقوقعهم وانكفائهم عن معين الوحي، تغيبُ عنهم أمورٌ عظيمة جدّاً؛ إذ ينفتحون على مقالات بعضهم بعضاً بأكثر ممّا ينفتحون على بيانات الأنبياء (عليهم السلام)، وهو مسلكٌ خاطئٌ ينافي حقيقةَ الحرّيّة في التفكير؛ وهذا الخطابُ يُوجَّه بعينه إلى العلمانيّين الذين يدّعون العلمَ والحرّيّةَ فيه: لِمَ لا تنفتحون على حقائق الدين ورسالات الشرائع؟ وكذلك شأنُ العرفاء إذ يتقوقعون على أنفسهم ومكاشفاتهم دون الانفتاح على تراث الحديث ومكاشفات الأنبياء والرسل وأهل البيت (عليهم السلام)، وهو ضربٌ من التعصّب؛ ومثلهم المتكلّمون الذين ينفتحون على آراء نظرائهم أكثر ممّا ينفتحون على تراث الحديث الشريف، وتلك حقيقةٌ منهجيّةٌ لا يسوغ الغفلةُ عنها.

ومثال ذلك: المنهجيّةُ العقليّةُ الرصينةُ التي نجدُها عند الشيخ الصدوق، في حين لا نراها بتلك القوّة عند المتكلّمين والفلاسفة والعرفاء، مع أنّهم يدّعون التعقّلَ بنسبةٍ أكبر؛ وليس هذا الإيرادُ من باب النقد المجرّد بقدر ما هو فحصٌ عن المنهج المعرفيّ الأقوى؛ إذ تكمنُ العويصةُ في المنهج العقليّ عند هؤلاء -وربّما عند بعض الفقهاء أيضاً- في ظنّهم أنّ الشارع إنّما يريد التعبّدَ دون بصيرةٍ، كأنّ المكلّفين صُمٌّ عُمْيٌ، وأنّ المطلوب هو مجرّدُ الاستسلام.

ليس معنى التّسليم في الدّين أن نكون صمّاً وعمياناً، فهذه نظرة قاصرة وإن صدرت من داخل الوسط العلميّ الدّينيّ؛ إذ الأساس في الدّين إنّما هو البصائر والتّعقّل والتّفكّر في الأدلّة التي يسوقها القرآن الكريم والوحي، لا سيّما على صعيد المعارف العقديّة؛ فإنّ صعيد العقائد قائم بتمامه على الاستدلال بالأدلّة والمنبّهات والإرشادات والبراهين العقليّة، وتلك لغة عقليّة وحيانيّة تفوق طاقة العقل البشريّ على الابتكار والاستقلال، وإن كان في مقدور البشر أن يتفهّموها ويتعقّلوها شيئاً فشيئاً، وهذه المنهجيّة بالغة الأهميّة.

مسألة خلق الأرواح وعالم الذر بين التأويل والإثبات

والمتكلّمون، مع ما يسجّلونه من نقد على الفلاسفة في هذا المضمار، قد وقعوا في المأزق عينه من جهة انكفائهم عن التّراث الوحيانيّ؛ إذ ما الصّنيع وما الوجه في هذه الآيات والرّوايات المتواترة الواردة في هذا الشأن؟ فالشيخ المفيد قد اعترف بتواتر الرّوايات والآيات الحاكية عن هذه العوالم، وكذلك السيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ وكثير من علمائنا المتكلّمين، كما أقرّ بذلك الفلاسفة والعرفاء؛ غير أنّ المشهور المعروف عندهم جميعاً هو أنّ النّفس والرّوح لم تُخلقا قبل البدن[7] ، مع وجود من خالف ذلك شذوذاً وقِلّةً، وتفصيل هذا البحث العقليّ سنعرض عن الخوض فيه هاهنا وسنستوفيه لاحقاً.

وحيث إنّهم يؤولون: ما ورد في عالم الذّرّ والميثاق السّابق على تولّد البدن في الأرحام، وتلك البيانات الدّالّة على وجود الإنسان وامتحانه في ذلك العالم السّابق، فإنّ مآل تأويلهم هو حصر الموجود هناك في مقتضيات إيجاد الإنسان فحسب؛ فلم تكن نفوس الأفراد وأرواحهم موجودة بكثرة في عالم الذّرّ، بل بوجود جمعيّ واحد تكمن فيه مقتضيات متعدّدة ستؤول في المآل إلى أرواح وأفراد متكثّرة، وهذا التّأويل هو ما التزمه الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ (رحمة الله عليهم) وجملة من أعلام المتكلّمين، ووافقهم عليه فلاسفة الإماميّة كالملا صدرا والعلّامة الطباطبائيّ والمحقّق الكمپاني[8] .

وفي المقابل: ذهب الشيخ الصدوق إلى أنّ الأرواح خُلقت قبل الأجسام[9] ، فكانت للأرواح فعليّة الوجود؛ وإذا كانت موجودة بالفعل، فيُتصوّر حينئذٍ ثبوت كثرة للبشر قبل تولّد الإنسان في الرّحم أو خارجه، ومقتضى ذلك امتلاك الرّوح تعقّلاً وإدراكاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾[10] ، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾[11] .

والحاصل: أنّ الآيات والرّوايات الواردة في الميثاق أو الذّرّ أو الطّينة كلّها نصوص صحيحة لا مساغ لتأويلها بِلَيّ أعناق دلالاتها، بل هي دالّة على الكثرة، وعلى أنّ ثمّة امتحانات قد مرّ بها الإنسان قبل امتحانات عالم الدّنيا، وترتّبت على تلك الامتحانات نتائج ذات أثر في دار الدّنيا، وإن كانت لا تُلجئ الإنسان ولا تجبره؛ كشخص تعثّر ورسب في المرحلة الابتدائيّة، ثمّ تجدّدت له الجِدّيّة فأحرز النّجاح في المرحلة المتوسّطة، أو كان متعثّراً في المتوسّطة ثمّ نشط فاستقام له النّجاح في المرحلة الثانويّة.

ومثال ذلك مشاهَدٌ وجداناً: فقد يُرى الإنسان طيلة مراحله الدِّراسيّة، من الابتدائيّة والمتوسّطة والإعداديّة والثانويّة، متخلِّفاً في نتائجه، بيدَ أنَّه حين يبلغ الجامعة ينبغُ فيها نبوغاً بيّناً، أو يتجلّى نبوغه فيما وراء المرحلة الجامعيّة؛ كما شاهَدنا كثيراً من الأفراد مِمّن كان الإخفاق حليفه دائماً في مقاعد الدِّراسة، ثمّ إذا به بعد ذلك ينخرط في الحياة الاجتماعيّة فيغدو من كبار التّجّار، في حين ترى مَن كان متفوِّقاً في دراسته الإعداديّة أو الثانويّة أو الجامعيّة قد آل أمره إلى موظّفٍ عاديٍّ بأمّ أعيننا، فترقبه كأنَّه لم يُحرز نجاحاً يُذكر، حتّى إذا تهيّأت له بيئةٌ أخرى استحال رئيساً للوزراء، أو تاجراً كبيراً، أو مسؤولاً كبيراً كحوتٍ من الحيتان؛ وذلك لأنَّ الإنسان ينطوي على قابليّاتٍ مكنونةٍ واستعداداتٍ جمّة.

والقاعدة هنا: أنَّ الإنسان لا يُكتشف دفعةً واحدةً من مرحلةٍ بعينها، سواء أكانت ابتدائيّةً أم متوسّطةً أم إعداديّةً أم ثانويّة، أو في مراحله الجامعيّة من بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراه؛ فإنَّ امتحانات القضاء والقدر كفيلةٌ بإظهار معادن الإنسان واستخراج كنوز طاقاته الدّفينة. ومن هنا يتّضح أنّ ما يُقرَّر في شأن «التنمية البشريّة» في هذا المضمار صحيحٌ وموافقٌ للواقع. وإِنَّما بسطتُ القول في هذا الموضع تنبيهاً على انتفاء الجبر في البين، وإثباتاً لكون الاختيار الإنسانيّ ممتدّاً وثابتاً في منطق الوحي على طول المسير، في حين يُعدّ اليأس رؤيةً فاشلةً باطلةً كاذبة، بينما التفاؤل يمثّل النّظرة الواقعيّة الحقّة، كما أُثر عن سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله): «تَفَاءَلُوا بِالْخَيْرِ تَجِدُوهُ»[12] [13] ، وهي كلماتٌ استراتيجيّةٌ معجزة.

والحاصل: أنّ الامتحانات التي اكتنفتنا في العوالم السّابقة لا يلزم منها أن تكون ملجئةً لنا في هذا العالم الدُّنيويّ، وإن كانت ذات تأثيرٍ ومقتضى؛ فشأنها شأن المراحل الدّراسيّة: فالمرحلة الابتدائيّة ذات تأثير، والمتوسّطة والإعداديّة كذلك، غير أنّها ليست سبب الفصل والحسم أبداً، بل في مقدور الإنسان أن يُغيّر كلّ شيء. وممّا يُؤثر في هذا الباب ما نُقل عن صاحب الرّياض السيّد علي الطباطبائي والمقدّس الأردبيلي (رحمة الله عليهما) أنّهما شرعا في الدِّراسة الدّينيّة في سنّ الأربعين — أحدهما في سنّ الأربعين والآخر دونها بيسير — ثمّ انتهى أمرهما إلى أن صارا من المراجع العظام للإماميّة طُرّاً[14] [15] . فليس في ساحة التّكامل شيءٌ ممتنعٌ، واليأس خطأٌ فادحٌ على الصّعيد الفردي وعلى صعيد الأمّة ككلّ؛ إذ إنّ من يبثّ روح اليأس في كيان الأمّة تربويّاً هو في حقيقة أمره عدوٌّ غشومٌ أشدّ من الأعداء، وسلاحه بالغ الخطر والفتك.

والشاهد فيه: قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾[16] ؛ فإقحام الجانب السّلبيّ في وعي الأمّة ونفسها شبيهٌ بنشر الدّاء وغرس السّرطان فيها، والواجب المحتّم هو بثّ ما ينشّط الأمّة دوماً ويحفّزها، ويحفّز الفرد والأسرة والأمّة التي هي الأسرة الكبيرة، لا أن نتداول ونلوك بألسنتنا ما يهدم عزيمة الأمّة وروحها ومثابرتها، كأنّنا دار العجزة شُغلنا الشّاغل التّثبيط والإحباط واليأس والنّقد والهدم، وهو جانبٌ سلبيٌّ جدّاً.

والنتيجة: أنّ هذه التّدابير مسؤوليّاتٌ وفرائض وليست من قبيل المستحبّات؛ فبذرة يأسٍ أو إحباطٍ أو تثبيطٍ يبثّها المرء في الأمّة أو في شخصٍ بعينه لها تبعاتها الخطيرة؛ وقد نقل كثيرٌ ممّن جرّبوا الموت وعادوا أنّهم يُحاسبون هناك عن أعمالٍ سيّئة لفردٍ كانوا قد ثبّطوه، إذ حين ثبّطوه ارتكب المعاصي والفجور، فيكون المُثبِّط شريكاً له في وزره ومسؤولاً عنه؛ لأنّه كان السّبب في إيقاع الإحباط في نفسه فقاده إلى المنكرات. وتلك حقيقةٌ شرعيّةٌ؛ إذ إنّ مَن تسبّب في وزرٍ فعليه وزره، فتغدو تداعيات هذا الفاجر وسلسلة أعماله السّلبيّة كلّها في عنق ذلك الإنسان الذي ثبّط وأيّس وأحبط.

وليس هذا فحسب، بل إنَّ التداعيات السلبية لسلسلة الأعمال السيئة الصادرة عن الآخرين تقع كلّها في عهدة الإنسان الذي ثبَّط وأحبط وأيأس؛ فكيف إذا كان التثبيط والإحباط واقعاً على الصعيد العام، بجعل الأمّة مستضعفةً متقهقرةً بما تلوكه الألسن!

والشاهد فيه: ما رُوي عن سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»[17] [18] ، وهذا الجرم أشدّ خطراً وأعظم مفسدةً من الغيبة والنميمة؛ فإنَّ بثّ الإحباط واليأس والقنوط، وإشاعة روح الفشل والهزيمة في عزيمة الأمّة على الصعيد العام تحت ذريعة التنافس والتنازع، إنَّما هو تراشقٌ باليأس، ويندرج حكماً في مناط قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[19] ؛ إذ المنطق التحذيري وملاك النهي فيهما واحد.

ومثله في التحذير: قوله (صلى الله عليه وآله): «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، قيل: أَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، قِيلَ: وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»[20] [21] .

والحاصل: أنَّ سرّ النجاح والقوّة الذي أسَّسه سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) هو نزع الخوف من الموت من النفوس، وهو مكمن عزّة الأمّة وسبيل ريادتها باسترخاص المهج في سبيل إعلاء الحقّ؛ وليست نهضة سيّد الشهداء (عليه السلام) قضيّةً في واقعةٍ أو استثناءً لا يُقتدى به، بل هي مدرسةٌ شاخصةٌ للبشريّة جمعاء ونهجٌ قياديٌّ يُستضاء به، ودعوى خلاف ذلك تنظيرٌ قاصرٌ وقراءةٌ منكوسةٌ لغايات النهضة الحسينيّة المباركة.

حقيقة تجرد الروح وتفاوت لطافة الأجسام

ثمّ إنَّه قد كانت هناك امتحاناتٌ سابقةٌ في العوالم المتقدّمة وكانت ثمّة أرواح، وتلك الابتلاءات السالفة لا تُوجب الجبر ولا تلجئ الإنسان في هذا النشأة الدنيويّة، وإن كانت مترتّبةً عليها آثارٌ ونتائج في التفاوت والاستعداد؛ على نحو ما استفيد من الروايات الدالّة على أنَّ السادة من نسل النبيّ (صلى الله عليه وآله) من بني هاشم فازوا في الامتحان في عالم الذرّ فشرَّفهم الله تعالى بالسيادة، أو أنَّ صيرورة المرء عالماً إنَّما هي لأجل سبقه ونجاحه في ذلك الموطن[22] ؛ بيد أنّ ذلك التقدّم لا يقتضي الجبر والإلجاء بحال، بل يبقى مسار التكامل بالاختيار والجهد مفتوحاً على امتداد الطريق.

وهنا تبرز مفارقةٌ: بين مبنى الشيخ الصدوق وبين مشارب الفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء، والحقّ في هذا المبحث مع ما ذهب إليه الصدوق[23] .

وبيان ذلك: أنّ الفلاسفة باختلاف مسالكهم — من مشّائيّة وإشراقيّة وحكمة متعالية — وموافقيهم من المتكلّمين، استشكلوا في كيفيّة تعقّل الكثرة والتمايز في الأفراد البشريّة قبل تعلّقها بالأبدان، انطلاقاً من قاعدتهم بأنّ تفرّد النفوس وتعدّدها إنّما يحصل بتعلّقها بالموادّ والأبدان، وأمّا الروح المجرّدة المحضة عن الجسم فلا تُتصوّر فيها الكثرة العدديّة؛ فوقعوا لأجل هذا الأصل في مضيق هذه المعضلة العقليّة.

ومنشأ هذا الإشكال: يرجع إلى قصورهم عن التدبّر في البيانات الوحيانيّة؛ فإنّ الأجسام ليست على نسقٍ واحدٍ في الغلظة والكثافة، بل إنّ درجات اللطافة في المراتب الجسمانيّة لا حدّ يحصرها، والجواهر المادّيّة تتفاوت تفاوتاً عظيماً في الرقّة واللطافة.

ومثال ذلك: ما نشاهده عياناً في معطيات العصر الحاضر؛ فإنّ المرء حين يُرسل رسالةً عبر الفضاء الإلكتروني وشبكات الاتّصال، فإنّها تقطع أرجاء الأرض ومسافاتها الشاسعة في جزءٍ يسيرٍ من الثانية الواحدة، ومع أنّ الطاقة في الميزان الفيزيائي تُعدّ مادّة، إلا أنّها قطعت تلك الآفاق بسرعةٍ هائلةٍ دون أن يخرجها ذلك عن كونها حقيقةً مادّيّةً جسمانيّةً بالغة اللطافة.

ولذلك جاء في بيان الوحي كما رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أو في بيان الإمام الصادق (عليه السلام): «الرُّوحُ جِسْمٌ رَقِيقٌ قَدْ أُلْبِسَ قَالَبًا كَثِيفًا»[24] ؛ غير أنّ بعض الباحثين توهّموا أنّ الروح في صميم ذاتها مجردة عن الجسمية مطلقاً، وهذا اشتباه عقلي كبير أوقعهم في مضائق جمّة في مباحث المعارف، حيث جزموا بأنّ الروح مجردة عن الجسم بإطلاق.

وكذلك الشأن في الملائكة؛ إذ ذهب أكثر الفلاسفة والعرفاء إلى تجرّدهم التامّ عن الجسمية، وهو اشتباه؛ إذ يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز في وصفهم: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾[25] .

والتساؤل هنا: هل يُحمل هذا التعبير القرآني على التجوّز والرمزية والتأويل؟

والجواب: كلا، فليس هو بالرمزيّ ولا التأويليّ، إذ تضافرت الآثار بمشاهدة الملائكة عياناً، وأنهم ذوو أجزاء وطبقات في الجسمية المادية اللطيفة.

والعلة في ذلك: أنّ من أنكر ذلك قصر نظره على الأجسام الكثيفة، فلم يتصوّر الجنة الجسمانية ولا حقيقة المعاد الجسماني، غافلاً عن أنّ الأجسام لا تتحد في الغلظة، بل تتفاوت في اللطافة تفاوتاً لا يُحدّ.

والنتيجة: أنّ هذا الخلط في حقيقة الجسم والروح ألجأ كثيراً من الفلاسفة والمتكلمين والعرفاء إلى تأويل حقائق الوحي بتأويلات خاطئة وعاطلة عن التحقيق.

غنى التراث الروائي بالبراهين العقلية المعرفية

إنّ هذا الإطلاق للروح هو اصطلاح عقلي وحياني، لا مجرد اصطلاح تعبدي مبهم، وحبّذا لو كان السير والسبر العقلي متوجهاً إلى تراث الحديث العقائدي؛ إذ نظنّ أنّ المعارف العقلية محصورة في مثل «الباب الحادي عشر»[26] أو «شرح التجريد»[27] ، أو في «المنظومة»[28] أو «بداية الحكمة»[29] ، مع أنّ نتاج الوحي في كتب كـ«الكافي» الشريف كلّه بصائر مشيّدة ببيان عقلي بيّن لا تعبدي أعمى، بل هو تعقّل وتفكّر يفوق قدرة العقل البشري، مما يفتح للإنسان مدارك التفهّم والتعلم.

والحاصل: أنّ في بطون المصادر الروائية — نظير «عيون أخبار الرضا»[30] ، و«الإحتجاج» للطبرسي — أسراراً في عوالم الخلقة ونظام الوجود لم يدركها الفلاسفة والمتكلمون والعرفاء وحرموا أنفسهم منها؛ فلو أنّ الإنسان تروّض بلغتهم المنطقية ثم خاض في بحر الوحي، لرأى عظمة المعارف المكنونة فيه.

 


[1] هو أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القميّ (ت 381هـ)، من كبار محدّثي الإماميّة ومصنّفيهم، وتفصيل منهجه العقائديّ مبسوطٌ في: الصدوق، محمّد بن عليّ بن بابويه. الاعتقادات في دين الإمامية.. تحقيق عصام عبد السيد، ط2، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، 1414 - 1993 م
[2] المعاد الجسمانيّ: عودُ الأرواح إلى أبدانها الدنيويّة بعد موتها وتفرّق أجزائها للجزاء في الدار الآخرة. — المحقق.
[8] هو الشيخ محمد حسين بن محمد حسن الأصفهاني النجفي الشهير بالكمباني (1296–1361هـ)، فقيه وأصولي وفيلسوف إمامي بارز، من كبار تلامذة الآخوند الخراساني، صاحب الأرجوزة الفلسفية «تحفة الحكيم» وكتاب «نهاية الدراية في شرح الكفاية». — المحقق.
[9] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. الاعتقادات في دين الإمامية.. تحقيق عصام عبد السيد، ط2، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، 1414 - 1993 م، ص47، باب «الاعتقاد في النفوس والأرواح»
[15] يُنظر في ذلك ما نُقل في ترجمة صاحب الرياض أنّه شرع في طلب العلم في زمان الرجولية بعد أن كان يكتسب بالخط: الخوانساري، محمد باقر. روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات.. تحقيق أسد الله إسماعيليان، ط 1، مكتبة إسماعيليان، 1390 هـ. ق، ج4، ص403؛
[22] يُنظر في تفصيل الروايات الواردة في عالم الذّر والميثاق ومراتب تفاضل الأرواح: كتب الحديث، باب خلق الأرواح وطينة المؤمن وباب الميثاق. — المحقق.
[23] الإعتقادات، الشيخ الصدوق، ج1، ص47. باب الاعتقاد في النفوس والأرواح.
[26] متن كلامي للعلامة الحلي (ت 726 هـ) كباب حادٍ عشر لكتابه «منهاج الصلاح»، ويُعدّ مقرراً دراسياً كلاسيكياً في علم الكلام. — المحقق.
[28] «شرح المنظومة» للمولى هادي السبزواري (ت 1289 هـ)، وهو مقرر دراسي في الحكمة المتعالية. — المحقق.
[29] تأليف السيد محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ)، كُتب متناً دراسياً في الفلسفة الإسلامية. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo