« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/04/25

بسم الله الرحمن الرحيم

مراتب المعرفة وحقيقة الإيمان بين البرهان العقلي والشهود القلبي/المعاد /التفسير

 

موضوع: التفسير/المعاد /مراتب المعرفة وحقيقة الإيمان بين البرهان العقلي والشهود القلبي

 

دلالة إحياء الموتى بين المشاهدة الحسية والشهود الملكوتي

قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾[1] إلى آخر الآية، أو في شأن النبي إبراهيم (عليه السلام) في الآية التي تليها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾[2] ؛ فحالة الإحياء لعُزير وقعت في دار الدنيا، لا في النشأة الآخرة ولا في القيامة، مع ثبوت وقوع الموت عليه بنصّ الوحي. وكذلك كان الأمر لإبراهيم (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [3] ، أي اذبحهنّ واخلط أجزاءهنّ وضع على كلّ جبلٍ جزءاً منها؛ وحينما سأل إبراهيم (عليه السلام): ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾، لم يكن مسألته التماس برهانٍ على أصل إمكان إحياء الموتى، بل أراد مشاهدة الكيفية ورؤيتها عياناً؛ نظراً إلى أنّ إحياء الموتى أمرٌ ملكوتيّ لا يقتصر على البُعد الحسّي الماديّ فحسب، بل ينطوي على بُعدٍ ملكوتيّ جوهره نفخ الروح في البدن، فالنبي إبراهيم (على نبيّنا وآله وعليه السلام) إنّما التمس رؤية هذا الملكوت ومشاهدة كيفية إحياء الموتى فيه.

 

وأمّا في قصة عُزير: في قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[4] ، حيث حُفظ طعامه وشرابه طيلة مائة عامٍ فلم يفسد، وتأمّل في قوله: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾؛ إذ لم يقل له: انظر كيف نُحيي العظام، بل وجّهه إلى النظر في إنشازها وتركيبها. ومن ثَمَّ، فإنّ المرتبة التي طلبها النبي إبراهيم (عليه السلام) أرقى من مرتبة عُزير؛ لأنّ عُزيراً أُعطي البرهان الحسّي المشهود، بينما أراد إبراهيم (عليه السلام) الاطّلاع على سلسلة العلل وبُعد الملكوت لا مجرّد البرهان الحسّي الظاهر، ولذا جاء الخطاب الإلهي: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [5] .

نزاع العقل والشهود: دور البرهان والمكاشفة في تحصيل الاطمئنان

والشاهد فيه: أنّ كلام الخليل إبراهيم (عليه السلام) ينطوي على دلالةٍ بأنّ القلب لا يطمئنّ بالبراهين الفكرية وحدها، وإنّما يطمئنّ القلب بالرؤى والمشاهدات الملكوتية؛ فكما تطمئنّ القلوب بذكر الله، فإنّها تطمئنّ كذلك برؤية الملكوت. ونظير ذلك ما قرّره التعبير القرآني في موضعٍ آخر: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾[6] ؛ فاليقين والاطمئنان لا يتولّدان من العلم الحصولي والفكري وأقيِسة العقل النظري[7] ، بل ينجمان عن المكاشفات والرؤية القلبية.

وهذا النزاع: حاضرٌ ومستمرّ بين أرباب العلوم العقلية الحصولية — كالكلام والفلسفة والتفسير — وبين أرباب الرياضات الروحية — كالعرفان والأخلاق — وهو خلافٌ علميّ حول ما إذا كان اليقين والاطمئنان وليد الإدراك الحضوري[8] القلبي والمكاشفة والرؤية الباطنية، أم هو وليد الدليل والبرهان الفكري، وأيّهما أهمّ رتبةً، أم لا بدّ منهما معاً؟ وهو جدلٌ معرفيّ وثيق؛ ولا ريب في أنّ الجمع والتوفيق بينهما هو الغاية الأكمل. غير أنّ هذا البحث يؤسّس لنظرية معرفةٍ وبابٍ عظيمٍ لفهم المعاد الأكبر والعوالم الأخرى، حيث يرى الفلاسفة أنّ العرفاء ليسوا على شيء، ويرى العرفاء أنّ الفلاسفة ليسوا على شيء؛ ومثل هذه المناوشات والتقاطعات جاريةٌ كذلك بين المتكلّمين والفلاسفة، وبين المفسّرين والمحدّثين.

 

مراتب الرؤية واليقين وعلاقتها بماهية الإيمان

وتوضيحاً لهذا المطلب: فإنّ الأنبياء (عليهم السلام) هم القدوة والأُسوة لسائر البشر، فما الوجه في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾[9] ، حيث ورد التعبير القرآني بضمير الغيبة ﴿إِلَيْهِ﴾ لا بضمير الخطاب «إليك»؟ فهل شأن الرسول (صلى الله عليه وآله) هنا شأن من يرى أم شأن من يؤمن تصديقاً؟ وهل يعلم أم يؤمن؟ ويتيقّن أم يؤمن؟

 

والسؤال هنا: هل يتيقن الإنسان أم يؤمن؟ فالإيمان شأنه دائماً أن يعقد على ما غاب عن العيان، فهل يكون الإيمان بالشهادة أم بالغيب؟ وحيث إنَّ عالم الشهادة يقع في حيز الرؤية البصرية، فكيف يطلب الإيمان به؟ وقد قال الله سبحانه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾[10] ؛ فلم يقل سبحانه: «لتؤمنُنَّ بالجحيم»، ولا قال: «لتستيقننَّ بالجحيم»، بل رتّب الرؤية فقال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾.

 

ثم إنَّ الرؤية تتفاضل إلى درجات؛ فعلم اليقين يورث رؤية الجحيم، فما الفارق بين رؤية الجحيم وبين علم اليقين بها؟ وما أدق هذه النكات العقلية في القرآن الكريم؛ إذ جعل قوله سبحانه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ سبباً، والمسبَّب هو: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾. فما التمايز بين رؤية الجحيم، وبين اليقين بها، وبين الإيمان بها؟ إنّها عناوين دقيقة وبالغة الحساسية، ثم عطف عليها بقوله عزَّ وجلّ: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾[11] ؛ فالرؤية على مراتب:

 

· فتارة تكون رؤية للجحيم من بُعد، وهي مرتبة المكاشفة والرؤية الإجمالية.

· وتارة تكون رؤية عين اليقين، وهي المعاينة عن قرب.

· وأمّا الذين يلجون جهنم ويقاسون عذابها، فذلك في حقهم حق اليقين؛ لكونهم كائنين في صميم حقيقة الجحيم.

 

والاستفهام الوارد: ما الفرق بين علم اليقين بالشيء، ورؤية الشيء، ورؤية عين اليقين به، ورؤية حق اليقين، وبين حقيقة الإيمان؟

فقد رُوي أنَّ إبليس -على الرغم من مكاشفته لجهنم ورؤيته لها- لم يستيقن، مع أنَّ الله تعالى قد أقدره على ذلك؛ حتى إنَّ النبي يحيى (على نبينا وآله وعليه السلام) لم يرَ جهنم عين اليقين، بل رآها مكاشفةً كرؤية ذلك الأنصاري في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) [12] ، وهي رؤية ومكاشفة من بُعد، وشتّان بين من رأى من بُعد ومن عاين! وإبليس لم ينفعه ذلك، بل طلب من الله تعالى أن يريه جهنم عين اليقين فأُوقف على بابها، بل المستفاد من البيانات القرآنية أنَّ أهل جهنم يعيشون في صقع حق اليقين، ومع ذلك فإنَّ طائفةً منهم لا يحصل لها الاستيقان.

 

والحاصل: أنَّ الإيمان سنخ حقيقة أخرى مغايرة؛ فأهل النار فيها يعيشون حق اليقين ومع ذلك لا يستيقنون، فكيف يتوجّه ذلك؟ وكما أنَّ إبليس يشاهد الملكوت مراراً ومع ذلك انحسر عنه علم اليقين، فكذلك أقوام الأنبياء كانت تقع منهم مشاهدة المعجزات، والمعجزة مهما بدت حسيّة في ظاهرها فإنّها بالدقة زحزحة لستار الغيب ليرى المشاهدون آيات الله، ففي المعجزة رؤية للغيب واقتباس من نوره، ومع ذلك لم تؤمن تلك الأمم؛ إمّا جحوداً مع انتفاء الاستيقان، وإمّا جحوداً مع قيام علم اليقين، لأنَّ المفروض في العلم أن يفضي إلى اليقين، بيد أنَّ النفس البشرية -لطغيانها وعنادها وتمرّدها وشقاقها- قد لا يتولّد لديها من العلم والمكاشفة يقين، فضلاً عن أن يترشّح عنهما إيمان وتسليم، فأرواح المخلوقات -من الإنس والجن- منطوية على أطوار عجيبة.

 

والشاهد فيه: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[13] ؛ فطمأنينة القلب مرتبة تعلو فوق مطلق الإيمان.

والنتيجة: أنَّ الوحي يقرّر أنَّ الإنسان قد يحوز أسباب علم اليقين، أو أسباب عين اليقين، أو أسباب حق اليقين، ومع ذلك يمتنع عليه الإيمان؛ ومن هنا ورد اعتراض أهل العرفان والسلوك على الفلاسفة بأنَّ مجرّد العقل النظري لا يورث اليقين والإيمان تلقائياً، بل حتى المكاشفة إذا عرضت لمن ابتُلي بأدواء العناد والشقاق والتكبر والتجبر والتمرّد، فإنّها تعقم عن إيراث اليقين في قلبه، فضلاً عن إيراث التسليم والإيمان.

 

ينقل السيّد الخمينيّ (رحمه الله) دائماً هذه الرواية، ومفادها: أنّ فلاناً وفلاناً بعد أحقابٍ متطاولةٍ في جهنّم، يمرّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) متجوّلاً بين الجنّة والنار، أو بالقرب من جهنّم استطلاعاً، فتَبرُد جهنّم شيئاً ما لنور رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فيستبشر أهل جهنّم، ويقول فلانٌ وفلان: ما الذي حدث؟ ولماذا خُفّف عنّا العذاب؟ فيُقال لهما: إنّ رسول الله يمرّ قريباً من جهنّم، فيقولان: أطبقوا علينا الأبواب، النار ولا العار؛ فهما يؤثران البقاء في النار على رؤيته (صلّى الله عليه وآله).

كفاية التسليم والانقياد في تحقيق الإيمان وآفة الاستكبار

والشاهد في هذه الرواية: أنّها تبيّن أنّ النفس البشريّة يمكن أن تتمادى في الغيّ والطغيان إلى حدٍّ يعجز معه حقّ اليقين عن إيراث الإيمان في روعها؛ ولذلك أسلفنا في مباحث آية الكرسي بيان خطإ ما ذهب إليه المتكلّمون والفلاسفة من حصر العقيدة في كونها مجرّد معرفةٍ ناشئةٍ عن البراهين والأدلّة، فليس ذلك هو الإيمان، ولا هذه هي العقيدة المطلوبة؛ إذ مجرّد قيام البراهين—حصوليّةً كانت أم قلبيّةً شهوديّة—لا ينهض وحده لتحقيق الإيمان ما لم ينضمّ إليه التسليم والانقياد والخضوع والإخبات، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[14] ، فلا محيص إذاً من التسليم التامّ.

 

وفي هذا السياق، يبيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته العظيمة في نهج البلاغة[15] أنّ معضلة إبليس لم تكن ناشئةً من قصورٍ في العلم ونقصٍ في البراهين؛ فكفره لم ينجم عن نقصٍ في المعرفة، سواءٌ أكانت فكريّةً حصوليّة أم كشفيّةً عيانيّة، وإنّما كانت آفته كامنةً في التكبّر والتجبّر والعناد والتمّرد والاستكبار، ولذا يحذّر (عليه السلام) قائلاً: «فَاحْذَرُوا -عِبَادَ اللَّهِ- عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ»، مبيّناً أنّه أردى الأمم السابقة بتلك العدوى الروحيّة والأخلاقيّة؛ والعدوى الأخلاقيّة أشدّ خطراً وفتكاً من العدوى البدنيّة؛ إذ إنّ قرين السوء يسري داؤه إلى خليله ويُعديه.

 

ويوجّه الخواجه نصير الدين الطوسيّ (رحمه الله) هذا المفاد الوحيانيّ بأنّ الأخلاق كالروائح؛ فإن كانت زكيّةً طيّبة عطّرت من حول الإنسان، وإن كانت خبيثةً رديئة أعفنتهم؛ نظراً إلى أنّ الأرواح ينفعل بعضها ببعض، وشاهده ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»[16] ، حيث يتأثّر بعضها ببعض. [17]

 

ضرورة التزكية وتهذيب النفس في نيل المعارف الإلهية

والحاصل: أنّه في ظلّ هذه الجدليّة القائمة بين العلوم العقليّة الحصوليّة والمعارف القلبيّة، نجد أنّ الدواء الشافي لا ينحصر في سوق البراهين وإقامتها من هذا الطرف أو ذاك؛ فرغم مسيس الحاجة إليها وضرورتها، فإنّها ليست تمام العلاج، وإنّما تمام الكمال في التزكية والتطهير والمجاهدة؛ ذلك أنّ حجاب الرذائل ورينها يدنّس الروح، في حين أنّ لباس التقوى لباسٌ روحيّ باطنيّ، وتجسّم الأعمال[18] حقيقةٌ تكوينيّة قائمة؛ ولذلك كانت التزكية أمراً في غاية الأهميّة وغاية الغايات.

 

ولذا يقول الله عزّ وجلّ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾[19] ، وقال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾[20] ، أي ظنّ أن لن نضيّق عليه، وقال في الذكر اليونسيّ: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [21] ؛ وهذا الذكر يمثّل تمام التسبيح، إذ يُجسّد غاية عبوديّة العبد وخضوعه وتضرّعه لربّه في قبال الاستكبار والتجبّر، كما في قوله سبحانه: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾[22] ؛ فليس جزافاً ولا عبثاً ما ورد في الوحي الشريف من: «أَنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ سَاجِدٌ»[23] ؛ وتأسيساً على ذلك، نجد أنّ عزيراً التمس براهين حسيّة، بينما طلب النبيّ إبراهيم (عليه السلام) براهين ملكوتيّة؛ فما هو المعنى المستفاد إذاً من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[24] ؟

 

إنَّ الأنبياء (عليهم السلام) في حال الوحي يكونون في رتبة المكاشفة، فإذا ما انقطع الوحي — مع تباين أنحائه وأقسامه — فهل يقع الإيمان به في حالته الكشفيّة؟ إذ لا بُدَّ أن يكون إدراك النبيّ له إدراكاً حضوريّاً أو حصوليّاً[25] ، وعلى ضوء هذا الميزان ينبغي أن نتناول حقيقة الوحي النبويّ؛ وحيث إنَّ البحث في غاية الدقّة وليس بالأمر الهيّن، فإنّنا نرجئه إلى الجلسة القادمة.

 


[7] كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم، التهانوي، محمد علي، ج2، ص1220. «العلم الحصولي: هو انطباع صورة الشيء المعلوم في الذهن؛ والعقل النظري: القوة الإنسانية المدركة للتصورات والتصديقات والحقائق الكلية الخارجة عن حيز العمل. ينظر».
[8] كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم، التهانوي، محمد علي، ج2، ص1220. «العلم الحضوري: هو حضور نفس حقيقة المعلوم ووجوده العيني الخارجي لدى العالم بلا وساطة صورة ذهنية، كعلم النفس بذاتها وبأحوالها الوجدانية. ينظر».
[17] يُنظر تفصيل مسألة سراية الأخلاق وتأثر النفوس في: الطوسي، نصير الدين. أخلاق ناصري.، المقالة الأولى في تهذيب الأخلاق. — المحقق
[18] تجسم الأعمال: اصطلاحٌ كلامي وفلسفي يُراد به تمثّل الأعمال البشريّة وهيئاتها الخُلقية والاعتقادية في النشأة الآخرة بصورٍ عينيّة برزخية وأخروية تناسب حقائقها، فيكون الثواب أو العقاب عين العمل متمثّلاً لا أمراً خارجاً عنه. — المحقق.
[25] العلم الحضوري هو حضور المعلوم بنفسه ووجوده العيني لدى العالم، بخلاف العلم الحصولي وهو حضور صورة المعلوم وارتسامها في الذهن. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo