« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/04/24

بسم الله الرحمن الرحيم

مراتب الموت وتعدد الأبدان في معارف الوحي/المعاد /التفسير

 

موضوع: التفسير/المعاد /مراتب الموت وتعدد الأبدان في معارف الوحي

 

حقيقة الرجعة ومفهوم الموت التدرجي

كان الكلام في آيتين من آيات الرجعة، بينما يرى الحر العاملي (رضوان الله تعالى عليه) أن هناك 62 آية، ومنها رجعة عزير في قوله تعالى: ﴿أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾[1] ، وآية النبي إبراهيم (عليه السلام) بعدها: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[2] ، فالمقصود وجود آيتين في الرجعة، وفي سورة البقرة نحو خمسة إلى سبعة مواطن للرجعة.

وقد مر بنا أن الرجعة تختلف عن التناسخ، فالرجعة تكون بالعودة إلى نفس هذا البدن الغليظ، وتكون خروجا من القبر لا من الرحم، برجوع إلى هذه الحياة الدنيا بذات الجسم الغليظ، والرجعة أنواع متعددة وليست على وتيرة واحدة، تماما كما أن الموت أطوار وأشكال ونماذج متفاوته.

وقد استنبط الشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه) عقليا أن الموت ليس انقطاعا تاما بين الروح والجسد، وهذه نكتة دقيقة جدا في البحث العقلي، حيث استدل في كتاب الاعتقادات بالآيات والروايات النبوية التي تدرج النوم ضمن الموت، فالنوم درجة من درجات الموت، مع أن المدعى لدى المتكلمين والفلاسفة والمفسرين هو وقوع الانقطاع التام بالموت، وبيان القرآن والوحي بأن النوم موت ينبهنا إلى أن الموت ليس انقطاعا كليا، وإنما هو درجات بحسب تضاؤل ارتباط الروح بالبدن، وكذلك فإن الرجعة درجات بلحاظ استقواء ارتباط الروح بالبدن مجددا، وهي عملية رجوع وبعث لا تقتصر على الرجعة فحسب، بل تجري حتى في القيامة الكبرى وإن غفل عنها جمهور الفلاسفة والمتكلمين والمفسرين والعرفاء، فالصعق في قوله تعالى: ﴿فَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾[3] ليس انقطاعا تاما بين الروح والبدن، بل يبقى خيط تكويني من العلاقة حتى يُنفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.

وهذه نكتة في غاية الأهمية، ومثال ذلك أن للإنسان والحيوان أبدانا متعددة وليس بدنا غليظا واحدا، فله أبدان لطيفة وألطف، والبدن البرزخي يغاير البدن الدنيوي اللطيف غير المرئي، ومما ورد في روايات تجهيز الميت المنصوصة في الكتب الأربعة ووسائل الشيعة بيان وحياني بأن للإنسان موتتين، فالموت المشاهد أولا قبل وضع الجنازة في القبر يمثل موتة واحدة وانفصالا متوسطا، فإذا وضع الميت في القبر كانت الموتة الثانية وهي الأشد، حيث يحصل الانفصال الأكبر.

اشتمال أبواب الفقه وتجهيز الميت على المعارف العقائدية

وتلك الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في باب تجهيز الميت، مع كونها في باب فقهي فرعي، إلا أنها تشتمل على معارف عقائدية غفل عنها الفلاسفة والمتكلمون لعدم تتبعهم لهذه الروايات، حيث قصروا نظرهم على الجانب الفقهي، في حين أن النص الوحياني يمثل منظومة علمية متكاملة تندرج فيها العقائد والأخلاق والأحكام في سياق واحد.

رحمة الله على جملة من الأعلام يدعمون هذا المنهج، إذ يرون أن طبيعة الآيات والروايات الوحيانية تختلف عن كلام البشر، ففي الرواية الواحدة تجد عقائد وأخلاقاً وفروعاً وتفسيراً، وفي الآية الواحدة تجد علوم التفسير والتاريخ والحكمة والفروع والأخلاق والآداب، فالموت كتاب ترى فيه كل العلوم، وهذا بحث منهجي مهم كان إغفاله سبباً في عشرة قرون من الحرمان المعرفي، نتيجة النظر الخاطئ لأبواب التراث، في حين أن أبواب تجهيز الميت مشحونة بالمعارف البرزخية والأخروية.

فلسفة الدعاء والتسليم للقضاء والقدر

فما ربط تجهيز الميت بمسألة حل الجبر والاختيار والقضاء والقدر، ومتى يكون الرضا، ومتى يكون الدعاء سخطاً على الله أو تضرعاً له، إذ يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): « إنّا أهل بيت نجزع قبل المصيبة ، فإذا نزل أمر الله رضينا بقضائه وسلّمنا لأمره ، وليس لنا أن نكره ما أحبّ الله لنا »،[4] بينما يرى بعض المتصوفة والعرفاء، اتباعاً لبعض الأنبياء، علماً بأن الأنبياء بينهم درجات في التكامل، فيقول أحدهم: أنا لا أدعو ولا أقترح على الله شيئاً لأني مسلم لأمر الله، ظناً منه أن هذا يمثل قمة العبودية، ونظير ذلك ما ورد عن النبي يحيى (على نبينا وآله وعليه السلام)، مع عظيم منزلته، إلا أن سيد الأنبياء أعظم نبوة وشريعة، ولذلك وُصف النبي يحيى بأنه كان دائم البكاء، في حين كان النبي عيسى (عليه السلام) يبكي تارة ويفرح تارة أخرى وهو أكمل منه، فلم تكن حالهم مقتصرة على الحزن الدائم.

أما من جهة المنهج، وهو الأساس، فإن الأئمة والإمام الصادق (عليهم السلام) يبينون في أبواب تجهيز الميت نظام التعامل مع القضاء والقدر، وأن الإلحاح في الدعاء قبل أن يقع القضاء خارجاً ليس اعتراضاً على الله بل هو عين العبودية له، خلافاً لما يتصوره بعض العرفاء والصوفية من أن التسليم يقتضي ترك الدعاء، بل على العكس تماماً، فالإلحاح في الدعاء قبل وقوع القضاء والقدر يعكس شدة التعطش والانقطاع إلى الله تعالى.

وقد رُوي أن أبا بصير وجملة من الفقهاء وتلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) رأوه في حال من الغم الشديد والبكاء والدعاء لأحد أولاده، فلما توفي الولد تهلل وجه الإمام سروراً، فقالوا له: إنا خشينا إن مات هذا الولد أن تفارق روحك الحياة من شدة الحزن، فقال (عليه السلام): « إنّا أهل بيت نجزع قبل المصيبة ، فإذا نزل أمر الله رضينا بقضائه وسلّمنا لأمره ، وليس لنا أن نكره ما أحبّ الله لنا »، وتلك مسألة دقيقة في الجبر والاختيار والتسليم والعبودية والتكامل، بينها الإمام الصادق (عليه السلام) في باب تجهيز الميت، وهي مسألة عرفانية معنوية عظيمة لم يدركها أهل العرفان.

والأمر الذي ينبغي التنبيه عليه منهجياً هو أن أبواب الروايات الوحيانية لا تقاس بكلام البشر، فالرواية الواحدة والباب الواحد يشتمل على علوم ومعارف متعددة، وبالرجوع إلى موضوع تجهيز الميت، نجد فيه برهاناً واضحاً على المعاد الجسماني، وهو أمر قد يغفل عنه الكثيرون ممن يعدون المعاد الجسماني بحثاً عقلياً صرفاً متسائلين عن وجه الربط بينه وبين أبواب تجهيز الميت.

الموتتان وأحوال الإنسان بين البدن الدنيوي والبرزخي

نعم، لأن الميت يذهب إلى البرزخ، يسوقونه إلى البرزخ، وهو بحث في عالم آخر لبيان هذه العوالم، فالإنسان يموت موتتين؛ الموتة الأولى كما يقول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يلتصق فيها الميت بجسده، أي يجاور جسده، وأينما يذهبون بجسده يكون حاضراً ببدنه الدنيوي غير المرئي، وتلك هي الموتة الأولى، حيث تنفصل الروح فقط عن البدن الغليظ، وتبقى مع البدن الدنيوي لا البرزخي، وهو بدن دنيوي غير مرئي كبدن الجن، طاقة يسمع ويشاهد ويتنقل جغرافياً مثل الجن، وكل هذا البيان موجود في نصوص أهل البيت (عليهم السلام) في أبواب تجهيز الميت، فالذين يشيعون الجنازة تكون روح الميت لا تزال موجودة بينهم، ويستغرب أحدهم ظاناً أنه لم يمت وأنه لا يزال حياً، ويتساءل لمَ أخذوا جسده إلى مكان آخر وهو موجود معهم، فهو لم يدخل البرزخ بعد ولم يشهد تمام موته، ويصرخ لكنهم لا يسمعون كلامه، بينما هو يسمع ويرى وهم لا يسمعونه ولا يرونه، تماماً كحال الجن في ارتباطنا معهم.

فإذا ما وُضع في القبر، يبدأ هنا انفصال ثانٍ وموتة ثانية أشد من الموتة الأولى وأعظم مرارة، وقد تسمى هذه الموتة الثانية بضغطة القبر، ففي الموتة الأولى انفصل البدن الدنيوي اللطيف عن البدن الدنيوي الغليظ، وكان لا يزال في البدن الدنيوي؛ لذلك يذهب ويرجع ويلاصق جنازته دائماً، ويسمع من يتكلم، فإذا شتمه أحد أو مدحه سمع ذلك بدقة، وتتولد عنده قوة سمع أقوى من البدن كأنها رادار، أما الانفصال الثاني فهو الموتة الثانية، وتوجد بيانات لأهل البيت (عليهم السلام) في تجهيز الميت وفي غيره من الأبواب تؤكد ذلك.

ومن الشواهد ما ورد في فاطمة بنت أسد الهاشمية، أم الأئمة وأم أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما توفيت ووُضعت في القبر واعتنى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) اعتناءً عظيماً، حتى إنه نزل في قبرها قبل أن يدخلوها وتمدد فيه ليوسع الله عليها قبرها ببركته، وأعطاها رداءه الشريف، وقبل أن يُحثى التراب عليها أخذ يلقنها أصول الدين؛ التوحيد، والنبوة، والإمامة، فنبهها إلى معرفة وليها، بل حتى لما جاء الملكان يسألانها قال لها: هذا ابنك وليك وإمامك، وفاطمة بنت أسد ورد في النصوص أنها أعظم اصطفاءً من مريم بنت عمران، ومع ذلك تُسأل عن إمامة ابنها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضمن أصول الدين الثلاثة الأساسية: التوحيد، والنبوة، والولاية، وحين سُئل النبي (صلى الله عليه وآله): من تخاطب؟ قال: إنها تسمع الآن، وذكر في الروايات أنه بعدما أهيل عليها التراب حينئذ أصابتها الموتة الثانية.

حقيقة الروح وتعدد الأبدان الدنيوية والسماوية

وهنا يطرح تساؤل: لماذا يطلق على البدن الدنيوي الثاني روح؟ لأن الذي انفصل هو البدن الثاني اللطيف الدنيوي عن البدن الغليظ، وهذا الاصطلاح وحياني وعقلي أيضاً، فالقاعدة تفيد بأن كل بدن ألطف يدخل في بدن أغلظ يقال للبدن الألطف إنه روح بالنسبة إلى ذلك البدن، والروح في بيان الروايات والآيات -كما يذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الصادق (عليه السلام)- جسم لطيف، فأصل كل روح أنها جسم لطيف، وإلا فلو كان جوهراً مجرداً عن الجسمية بالقول المطلق فلا يقال له روح بل يقال له نور.

وإلا فإذا كان جوهرًا مجردًا عن الجسم بقول مطلق فلا يقال له روح، بل يقال له نور، وهذه اصطلاحات عقلية وحيانية، فهنا عندما يقال إن البدن الثاني نُزعت روحه، فالمراد بالموتة الثانية هو انفصال البدن البرزخي عن البدن الدنيوي، والبدن البرزخي ألطف من البدن الدنيوي، وبتوسط البدن البرزخي يبدأ الميت برؤية أهل البرزخ، إذ يصير سمعه وبصره مجهزين بخصائص برزخية أكثر تسلحًا من البدن الدنيوي، فالبصر في البدن البرزخي أشد تسلحًا من البدن الدنيوي.

وعادة تكون الأبدان ألطف كما بُيّن في بيانات أهل البيت (عليهم السلام)، وهم أدرى بما في عالم الخلقة من الفلاسفة والعرفاء والمتكلمين والمفسرين، حيث بيّن أهل البيت أن للإنسان سبعة أبدان غير البدن الأرضي والبرزخي، فالإنسان له سبعة أبدان سماوية، بل إن البدن البرزخي نفسه أبدان متعددة وليس بدنًا واحدًا، والقيامة يسميها القرآن الكريم: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ﴾[5] ، فالإنسان أمام موتات متعددة بحسب بيانات القرآن وروايات الوحي، وليس أمام موتتين فقط.

وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله) لجبرائيل (عليه السلام) إن الموت طامة، فقال جبرائيل: «يا رسول الله، ما بعد الموت أطمّ وأطمّ»[6] ، أي أشد، وإذا كان القرآن الكريم يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ﴾، فالكبرى ليست بالمتوسطة، ولدينا طامات متوسطة، فالقبر والموتة الأولى طامة صغيرة، وما بعد الموت أطمّ وأطمّ؛ لأن البرازخ متعددة، ولأن الإنسان له أبدان متعددة، وكلما نُزع بدن ألطف ممن دونه في اللطافة كان ذلك موتة.

والقيامة في الحقيقة نزع للجسم الأخروي عن الجسم السابع السماوي، أو عن سبعة أجسام، وهذا النزع أشد مرارة من الموت وضغطة القبر بملايين المرات، ولذلك يعبر القرآن الكريم عن النفخ في الصور للقيامة بالصعق: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾[7] ، ولم يعبر القرآن عن الموت الذي ينقلنا من الدنيا إلى البرزخ بالصعق، أما بالنسبة إلى الموت الأخير قبل القيامة فيعبر عنه بالصعق، وهو الطامة الكبرى.

الصعق وموت الكائنات والملائكة في القيامة الكبرى

وجبرائيل (عليه السلام) يموت؛ لأن جسده من السماء السابعة، وكذلك ميكائيل وعزرائيل وإسرافيل (عليهم السلام)، فكل من كان جسده من السماوات أو الأرضين يموت في القيامة، وفي بيان الوحي -وهم أدرى بما في التكوين من الفلاسفة والعرفاء والمتكلمين والمفسرين- تتجلى المعجزة في بيان أن أشد الكائنات مرارة في الموت بقول مطلق عندما يموت هو عزرائيل (عليه السلام)، كما ينص كلام سادته وهم الأئمة (عليهم السلام)، فهو أشد صرخة ومرارة، ويزأر زئيرًا لو سمعته الكائنات قبله لماتت من زئيره وصعقته، فالموت طريق طويل.

 


هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo