« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/04/23

بسم الله الرحمن الرحيم

المنهج العقلي للشيخ الصدوق في إثبات المعاد والرجعة وعوالم الذر/المعاد /التفسير

 

موضوع: التفسير/المعاد /المنهج العقلي للشيخ الصدوق في إثبات المعاد والرجعة وعوالم الذر

 

برهانية الرجعة وتعدد مراتب البعث في القرآن

إنَّ هاتين الآيتين المتتاليتين في سورة البقرة[1] [الآيتان: 259 و260] في قصة عُزَير وفي طيور النبي إبراهيم (عليه السلام) واردتان في إثبات الرجعة؛ وإنَّ آيات الرجعة التي استقصاها الحرّ العامليّ في كتابه «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة»[2] تزيد على ستين آية، إذ تناهز اثنتين وستين أو ثلاثاً وستين آية، فمبحث الرجعة بوصفه معماراً في القرآن الكريم يُعدّ عقيدةً متأصلةً تباين البعث في القيامة الكبرى؛ فالبعث في الرجعة واقعٌ في دار الدنيا، وهو عقيدةٌ أصيلةٌ في القرآن، سواءٌ في سورة البقرة أم في سورٍ عديدةٍ أخرى، ومآله أنه نوعٌ من البعث الأصغر أو القيامة الوسطى.

والقيامة الأولى: هي ما يُعبَّر عنه بأنه إذا مات الميت قامت قيامته الصغرى[3] ، وثمّة قياماتٌ صغرى ووسطى متعددة إلى أن تبلغ القيامة الكبرى؛ ولذا فإنَّ أعظم قيامةٍ هي عالم المعاد الأكبر.

والحاصل: أنَّ البعث من الموت متعدد المراتب، فالنوم درجةٌ من درجات الانبعاث، والبعث ذو درجات؛ وتلك الصلة بين النوم والموت إنما هي صلةٌ ماهويةٌ وتكوينيةٌ عقلية، حيث يؤسس القرآن الكريم لمنطقٍ معرفيٍّ تكوينيٍّ مفاده أنَّ الموت بمعناه الأعمّ شاملٌ للنوم وسائر مراتب الموت في آياتٍ شتى، فإذا تقرّر أنَّ الموت حقيقةٌ تكوينيةٌ جامعةٌ بين النوم وسائر أنحاء الموت، فكذلك حال أصحاب الكهف؛ إذ لا يصحّ القول بأنَّ ما اعتراهم كان نوماً اعتيادياً، ولا أنه كان موتاً محضاً.

وهكذا نجد أنَّ لدينا أنواعاً ودرجاتٍ من النوم، وأنواعاً من الغيبوبة والإغماء، وأنواعاً شتى من الموت؛ لتفاضل مراتبها في الخارج. وقد أقام القرآن الكريم ظاهرة أصحاب الكهف برهاناً ساطعاً على القيامة الكبرى استناداً إلى هذه المقدمة العقلية، وهي ثبوت ماهيةٍ تكوينيةٍ جامعةٍ بين حقيقتي الموت والنوم، إذ يقول تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾[4] .

والنتيجة: أنَّ المنطق القرآني — كما بيّنه النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) — يقرر أنَّ النوم ضربٌ من الموت؛ فالموت ذو أنواع، والنوم ذو ضروب، وجميعها يندرج تحت حقيقة جنس الموت، وهذا المسلك يُعدّ أحد المرتكزات البرهانية لإثبات الرجعة في القرآن الكريم.

المنهج العقلي التكويني عند الصدوق والحر العاملي

إنَّ بيان القرآن الكريم في مسألة الرجعة ليس بياناً تعبدياً محضاً، بل هو بيانٌ برهانيٌّ تكوينيٌّ عقليٌّ غفل عنه جمهور المتكلمين والفلاسفة إلا النادر منهم، وغفل عنه العرفاء وكثيرٌ من المفسرين؛ في حين يُعدّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) وكذلك الحرّ العامليّ من أسبق وأجدر من خاض في هذا المضمار خوضاً عقلياً تفسيرياً مستنبطاً من بيانات الوحي القرآنية والنبوية، متجاوزين الفهم التعبدي الصرف.

وقد استنبط الصدوق هذا المعنى من بيان النبي (صلى الله عليه وآله) الذي كشف فيه عن اشتراكٍ تكوينيٍّ عقليٍّ غاب عن مسالك الفلاسفة والمتكلمين والعرفاء؛ وذلك كما في قوله (صلى الله عليه وآله) المروي عند الفريقين: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ»[5] ، وهو تعليمٌ عقليٌّ تكوينيٌّ صادرٌ عن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله).

ويتفرع على ذلك: جلاء تميّز الشيخ الصدوق (رحمه الله) بمنهجه العقلي المتين في تحرير مبحث الرجعة وعوالم الذر والأرواح؛ إذ شاد قراءةً عقليةً مستخرجةً من صميم الوحي الإلهي تفوق نظريات الفلاسفة وأرباب الكلام والعرفان.

ليست القضيّة قضيّة شخص الشيخ الصدوق (رحمه الله)، بل هي قضيّة منهجه في استنباط المسلك العقليّ من نصوص الوحي، واستخراج المعالم البرهانيّة من الآيات والروايات، بعيداً عن الجمود على الفهم التعبّديّ المجمل والمبهم.

والسؤال المطروح: ما هي النكتة العقليّة التي استنبطها الصدوق من بيان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والقرآن الكريم؟

والجواب: أنّ الشيخ الصدوق، وكذلك الشيخ الحرّ العامليّ[6] ، قد تنبّها إلى نكتة عقليّة تكوينيّة غفل عنها جمهور المتكلّمين والفلاسفة والعرفاء؛ ومفادها: أنّه لا يوجد في النوم انقطاعٌ تامّ بين الروح والبدن، بل غاية ما فيه هو ضعفٌ في درجة تعلّق الروح بالبدن وارتباطها به، لا الانفصال الكلّيّ.

حقيقة الموت وتعدد الأبدان في الرؤية الوحيانية

وحيث إنّ النوم بهذه المثابة، وحقيقته التكوينيّة والعقليّة تندرج تحت مفهوم الموت بالمعنى الأعمّ،

فالنتيجة: أنّ الموت ليس انقطاعاً كليّاً بين الروح والجسد كما توهّمه عامّة الفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء إلا النادر منهم، بل الموت عبارةٌ عن ضعفٍ في علقة الروح بالبدن، وهذا الضعف ذو درجاتٍ ومراتب وليس انقطاعاً مطلقاً. وتأسيساً على هذا الالتفات إلى الحقيقة التكوينيّة، يتيسّر فهم البرهان العقليّ التكوينيّ الوارد في بيانات الوحي لإثبات المعاد الجسمانيّ[7] .

ومقتضى عدم انقطاع الروح عن البدن بالكلّيّة، إمكانُ إعادة تقوية هذا الارتباط وإحيائه بينهما. والبدنُ المراد هنا قد يكون غليظاً أو لطيفاً؛ إذ الإنسان له أبدانٌ متعدّدة وليس بدناً واحداً حتّى في نشأته الدنيويّة وفق ما صرّحت به الروايات الشريفة؛ فللإنسان بدنان دنيويّان على أقلّ تقدير: بدنٌ مرئيّ غليظ، وبدنٌ لطيف من سنخ الطاقة لا يُرى بالبصر الظاهر كما لا يُرى الجنّ، فهذا البدن الدنيويّ الثاني للإنسان مستورٌ عن أبصارنا مع أنّنا نحيا فيه، وإن كان يراه الجنّ والملائكة، وقد ورد بيان ذلك مفصّلاً في روايات تجهيز الميّت في كتاب «وسائل الشيعة»[8] .

تنبيه: إنّ كتاب «وسائل الشيعة» ليس مجرّد كتابٍ في الفروع الفقهيّة فحسب، بل هو موسوعةٌ تستوعب العلوم الدينيّة برُمّتها، ومن الخطأ البيّن توهّم انحصاره في الفروع الفقهيّة؛ إذ الكتب الأربعة[9] وسائر الجوامع الحديثيّة لم تقتصر على الفروع، بل تمثّل دوائر معارف دينيّة شاملة، غير أنّ كلّ ذي فنّ ينصرف إلى ما يوافق اختصاصه، فمن قصر باعه توهّم اختصاصها بالأحكام الفرعيّة فحسب.

وقد بُيِّن في روايات باب تجهيز الميّت أنّ للإنسان موتتين:

    • الأولى: انفصال الروح -وهو انفصالٌ غير تامّ- عن البدن الغليظ.

    • الثانية: انفصال الروح عن البدن اللطيف، وهذا الانفصال الثاني يقع في القبر ولا يحصل عند مطلع الموت وأوّل أمره.

والحاصل: أنّ القراءة العقليّة التي قدّمها الشيخ الصدوق (رحمه الله) لحقيقة الموت -استناداً إلى معطيات الوحي في القرآن الكريم وسنّة العترة الطاهرة (عليهم السلام)- تقرّر أنّ الموت ليس انفصالاً تامّاً، بل هو ضعفٌ واهنٌ شديد في تعلّق الروح والنفس بالبدن، وهو ممّا يُطلق عليه الموت لشدّة ضعفه لا لكونه انقطاعاً كليّاً.

ويُضاف إلى ذلك من جهة المعارف العلميّة المعاصرة: أنّه نشأ منذ ما يقارب قرنين من الزمان حقلٌ علميّ يُعرف بـ«تجارب الاقتراب من الموت» في مجالات الطبّ وعلم النفس، ودُوِّنت موسوعات ضخمة وثّقت تجارب ملايين البشر ممّن عايشوا ظاهرة مشارفة الموت في مختلف الأصقاع؛ فكان من أبرز نتائج هذه الدراسات أنّ الموت ذو درجاتٍ وطبقاتٍ متفاوتة وليس مرتبةً واحدة صمّاء، وهو عين ما قرّره الوحي الإلهيّ؛ فإنّ درجة انفصال الروح عن البدن عند القتل تباين كيفيّة انفصالها في الموت الطبيعيّ.

والشاهد عليه: ما بيّنه الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾[10] ؛ من أنّ سنخ الموت الحاصل بالقتل يفارق سنخ الموت الحاصل حتف الأنف المعتاد[11] .

إنّ نقل تجارب البشر في هذا الباب إنّما هو لتقريب بيانات الوحي إلى الأذهان؛ فإنّ الرجوع إلى أهل الاختصاص في كلّ فنٍّ ومجال -لا سيّما على المستويات البحثية المتقدمة- أولى وأدقّ في استيعاب حقائق بيانات الوحي من الاقتصار على مجرّد المعاجم اللغوية. وهم يُثبتون في هذا المطلب أنّ من مات مقتولاً يظلّ تعلّق روحه بموضع القتل وبدنه تعلّقاً شديداً، بخلاف من مات حتف أنفه ميتةً طبيعية؛ ومؤدّى ذلك أنّ درجات انفصال الروح عن الجسد في الموت الطبيعي تباين نظيرتها في القتل.

والمحصَّل تكويناً وعقلاً: أنّ الموت ليس انقطاعاً كليّاً وبترًا تامّاً بين الروح وقوالب الجسد وطبقاته، خلافاً لما توهّمه عامّة المحدّثين أو جمهورهم، ووقع فيه الفلاسفة والعرفاء؛ فإنّ المستفاد من صريح بيانات الوحي أنّ الموت بسائر أنواعه -سواءٌ أكان نوماً أم غير نوم، وسواءٌ وقع قتلاً أم حتف أنف، وبمختلف طبقاته ومراتبه- لا يُعبّر عن انفصالٍ تامّ، وإنّما هو ضعفٌ في درجة الاتصال والارتباط بين الروح والجسد من النواحي التكوينية والفسلجية والبيولوجية والسيكولوجية والروحية. والاستيقاظ إنّما يتحقق بتجدد قوى هذا الارتباط الضعيف وعودته إلى طور القوّة؛ ولأجل ذلك بيّن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنّ الاستيقاظ من المنام سنخُ البعث من القبر، حيث قال: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ»[12] ؛ لكون تلك العلقة التكوينية تشتد وتتقوّى عند البعث، وحينئذٍ يتجلّى البرهان العقلي الوحياني المؤسَّس في الآيات والروايات النبوية وروايات أهل البيت (عليهم السلام) في كيفية إثبات المعاد الجسماني بيسرٍ ووضوح.

المعاد الجسماني بين قصور الفلاسفة وبرهان الوحي

وقد غفل عن هذا الوجه البرهاني الشيخ الرئيس ابن سينا -وهو المتأخر عن الشيخ الصدوق بنحو قرنٍ من الزمان أو دونه-؛ إذ تعامل مع نصوص المعاد قراءةً تعبدية محضة لا قراءةً عقلية برهانية، مع كونه المبرَّز في المنهج العقلي، بينما امتاز الشيخ الصدوق (رحمه الله) برؤيةٍ عقلانية أدقّ، متشبثاً باللسان العقلي المستنبط من هداية الوحي بأزيد ممّا عليه الفلاسفة. وهنا مكمن الإشكال المنهجي؛ إذ يُظَنّ أنّ نصوص المعارف مجرّد قضايا تعبّدية صرفة، والحال أنّها مسوقةٌ للإرشاد والتنبيه على البراهين العقلية التكوينية؛ حيث صرّح ابن سينا في كتاب «الشفاء» بقصور مدارك الفلاسفة إلى عصره عن إقامة برهانٍ عقلي يُثبت المعاد الجسماني، قائلاً: «يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو منقول‌ من‌ الشرع و لا سبيل إلى إثباته إلا من طريق‌ الشريعة و تصديق خبر النبوة و هو الذي للبدن عند البعث»[13] ، فسلّم به انقياداً وتعبداً لصدق الشريعة والنبوة المحمدية الحقة، في حين قرأه الصدوق قبله بمئة عامٍ قراءةً برهانية عقلية متينة.

ولم نجد إلى يومنا هذا من الفلاسفة من التفت إلى ما أصّله الصدوق والحر العاملي، وإلى قيام برهانٍ وحياني عقلي على المعاد الجسماني يباين البراهين المتكلّفة التي صاغها الملا صدرا أو الحكيم الزنوزي أو الآقا علي المدرّس من متأخري الفلسفة الصدرائية أو المحقق الأصفهاني الكُمباني[14] ؛ بالرغم من أنّ هذا البيان الوحياني التكويني سلسُ المأخذ، وأشدّ مطابقةً لواقع الموت ومراتبه التكوينية، مع كونه أمراً مفصلياً لكون الإيمان بالمعاد الجسماني من أصول الدين.

والحاصل: أنّ المتكلمين والمفسرين والفلاسفة والعرفاء درجوا على قراءة بيانات الوحي قراءةً تعبدية؛ مما أوقعهم في هذه الهفوة المنهجية، غفلةً عن كون النصوص واردةً لتعليم البراهين وتأسيس الأصول العقلية. ولا ينحصر هذا القصور المنهجي في مسألة المعاد وتفسير الرجعة -سواءٌ في المعاد الأكبر يوم القيامة، أو المعاد الأوسط[15] المتجسد بالرجعة-، بل يتعداه إلى مجمل المعارف الوحيانية التي تُحمل على التعبد دون تكليف النفس استخراج وجوهها العقلية التكوينية، بخلاف الصدوق والحر العاملي (رحمهما الله) اللذين أبديا عنايةً فائقة بهذا المضمار؛ فرغم عدم تصنيفهما ضمن الفلاسفة بالمعنى الاصطلاحي بل من أكابر متكلمي الإمامية ومحدثيهم، إلا أنّهما حازا تلك اليقظة المنهجية الفذة.

ومع ذلك، فإنَّ عندهم هذه اليقظة المنهجيّة الفذّة، وهي في الواقع ظاهرةٌ منهجيّةٌ عظيمةٌ امتاز بها الشيخ الصدوق (رحمه الله) والحرّ العامليّ في كتابه في الرجعة[16] .

الموطن الآخر: وثمّة موضعٌ آخر في المعارف الإلهيّة ومسائل العقائد تجلّت فيه قراءةٌ عقليّةٌ وحيانيّةٌ رائقةٌ للشيخ الصدوق والحرّ العامليّ، في حين أخفق في هذه القراءة — مع وافر الإجلال وعظيم الاحترام لمقامهم — الشيخ المفيد، والشيخ الطوسيّ، والسيّد المرتضى، وفلاسفة الإماميّة (ناهيك عن غيرهم ممّن حدث عنهم ولا حرج)، وكذا العرفاء والمفسّرون.

بيان هذا الموطن: يتمثّل في تفسير «عالم الذرّ»، أو الأدقّ «عوالم الذرّ»؛ إذ ليس الذرّ عالماً واحداً فحسب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾[17] . وهو بابٌ بالغ الأهميّة وبحثٌ مفصليٌّ في المعارف يرتبط بمبادئ الخلقة وبدء الوجود الإنسانيّ، وكذلك الحال في قراءة عوالم الميثاق — وهي عوالم متعدّدة وليست عالماً منفرداً —، وفي قراءة عوالم الطينة التي تُعدّ من أدقّ البحوث وأعقدها، وكذا عوالم الأظلّة والأشباح؛ فهذه العوالم المتعدّدة من أظلّةٍ وأشباحٍ وطيناتٍ وميثاقٍ وعوالم ذرٍّ قد تواترت فيها الروايات عن الفريقين، واستدلّت عليها الآيات القرآنيّة كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾[18] ، وهي سبعة عوالم رئيسة، وكلّ قسمٍ منها ينطوي تحته على عوالم متعدّدة.

وقد توافق هنا الشيخ المفيد (رحمه الله) — وأعظِمْ بالشيخ المفيد — والسيّد المرتضى (رحمه الله) ومَن جرى مجراهما من متكلّمي الإماميّة وفلاسفتهم، بل حتّى الملا صدرا والعلّامة الطباطبائيّ، على المصير إلى التأويل؛ والتأويل إن كان سديداً مبتنياً على ضوابطه فلا بأس به، أمّا إذا لم يكن كذلك فلا يُصار إليه ولا يُقبل، فأوّلوها تأويلاً متكلَّفاً، بخلاف الشيخ الصدوق (رحمه الله) الذي لم يذهب فيها إلى هذا التأويل البعيد عن الحقيقة والواقعيّة، بل فسّرها تفسيراً عقليّاً منضبطاً يماشي ظواهر الوحي ودقائقه، وعلى هذا النهج المنضبط سار الحرّ العامليّ، والظاهر أنّ العلّامة المجلسيّ (رحمه الله) كذلك، وهو ما يُعدّ تفوّقاً عقليّاً وحيانيّاً بارزاً للصدوق على الفلاسفة والمتكلّمين والمفسّرين والعرفاء.

تنبيه: ليس هذا التقرير بدافع التعصّب للشيخ الصدوق، وإنّما هو تحرٍّ لجدارة المنهج ومطابقته للواقع؛ إذ دأب الفلاسفة على التشدّق بالعقليّات وكأنّه لا سبيل لغيرهم إلى إدراك القضايا العقليّة المودعة في الوحي، ودأب العرفاء على التشدّق بالكشف والإدراكات القلبيّة، وكلٌّ يدّعي وصلاً[19] بالعقل أو القلب والواقع والبرهان لا يقرّان لهم بذلك، بخلاف الصدوق (رحمه الله) والحرّ العامليّ والمجلسيّ في هذه المواطن، حيث كانوا أجدر مسلكاً وأسدّ أصولاً؛ لأنّهم قرأوا معارف الوحي قراءةً عقليّةً وقلبيّةً محكمة، وسنشرع في الجلسة القادمة — إن شاء الله تعالى — في تفصيل ذلك وبيان شواهده.

 


[2] الحر العاملي، محمد بن الحسن. الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة.. تحقيق مشتاق المظفر، ط1، دليل ما، 1422 هـ
[6] محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 هـ)، صاحب الموسوعة الحديثية «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، ومصنف كتاب «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة». — المحقق.
[7] المعاد الجسماني: هو عود البدن العنصري الدنيوي بعينه وتعلّق النفس والروح به ثانية للحساب والجزاء في النشأة الأخروية. — المحقق.
[8] يُراجع: الحر العاملي، محمد بن الحسن. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.. كتاب الطهارة، أبواب الاحتضار وتجهيز الميت. — المحقق
[9] الكتب الأربعة: هي الأصول والمصاميم الحديثية المعتمدة لدى الإمامية، وتضم: «الكافي» للكليني، و«من لا يحضره الفقيه» للصدوق، و«تهذيب الأحكام» و«الاستبصار» للشيخ الطوسي. — المحقق.
[14] يُنظر في تفصيل مسالك الحكمة المتعالية في المعاد الجسماني وتفريعاتها: الشيرازي، صدر الدين. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة. ج9، الموقف الثامن في المعاد؛ والزنوزي، آقا علي المدرس. بدائع الحِكَم.. — المحقق
[15] المعاد الأوسط اصطلاحٌ يُراد به النشأة المتوسطة بين الموت الفردي (المعاد الأصغر/البرزخ) وبين القيامة العامة الكبرى (المعاد الأكبر)، ومن أظهر مصاديقه في الرؤية العقائدية المروية عن أهل البيت (عليهم السلام): «الرجعة». — المحقق.
[16] الحر العاملي، محمد بن الحسن. الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة.. تحقيق مشتاق المظفر، ط 1، دليل ما، 1422 هـ
[19] تضمينٌ لعجز البيت السائر: «وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى      وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا»، ويُضرب لمن ينتسب إلى أمرٍ والواقع يشهد بخلافه. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo