48/04/22
تطبیق مراتب المعرفة على عقیدة الرجعة ونقد دعوى کونها من أسس الدین/مراتب المعرفة العقدیة بین الأسس والأصول والضروریات /التفسير
موضوع: التفسير/مراتب المعرفة العقدیة بین الأسس والأصول والضروریات /تطبیق مراتب المعرفة على عقیدة الرجعة ونقد دعوى کونها من أسس الدین
مراتب المعرفة العقدية وحقيقة الرجعة في الفكر القرآني والكلامي
لا زلنا في رحاب قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾[1] ، والآية التي تليها في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾[2] ؛ فهما آيتان كريمتان، إحداهما وردت في رجعة عُزَير (عليه السلام) وهي رجعةُ بشر، والأخرى في رجعة الطيور؛ إذ إنّ لخصوص الطير خصوصيةً في قضية الخليل إبراهيم (عليه السلام). وقد تبيّن لنا سابقاً أنّ في سورة البقرة زهاء خمسة أو ستة أو سبعة مواضع تتناول رجعة الأموات في دار الدنيا؛ ومقتضى ذلك أنّ الرجعة عقيدةٌ قرآنيةٌ أصيلة، وليست الرجعة — كما يحلو لبعض المتحاملين أن يصوّرها — عقيدةً يهودية، وإن كان اليهود يقرّون بها في شريعتهم.
رد الشبهات حول يهودية عقيدة الرجعة
وقد تصدّى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله) للردّ على ذلك الكاتب المتزلّف[3] الذي زعم أنّ أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) قد انتحلوا عقيدةً يهودية؛ فإنّه يُقال رداً عليه: أكلّ عقيدةٍ في الشريعة الإسلامية اتّفقت مع ما عند أهل الكتاب تغدو بذلك عقيدةً غير إسلامية؟ فالإقرار بالتوحيد ونفي الشريك ممّا يقول به اليهود، فهل يُعدّ التوحيد لأجل ذلك عقيدةً يهودية؟! ونبوة موسى (عليه السلام) ينصّ عليها القرآن ويؤمن بها المسلمون كما يؤمن بها اليهود، فهل يعني هذا التوافق أنها ليست عقيدةً قرآنية؟! فما هذا المنطق الواهي الرخيص؟! بل هذا سفسافٌ وتهافتٌ في الاستدلال.
وقد أورد الشيخ كاشف الغطاء (رحمه الله) في كتابه أصل الشيعة وأصولها بياناً داحضاً لدعوى ذلك الكاتب حول الرجعة[4] ؛ حيث ادّعى ذلك المتخرّص أنّ مذهب الإمامية يجعل الرجعة أساساً من أساسات الإسلام؛ فأبان الشيخ زيف هذا الافتراء، ودعا إلى تحرير الاصطلاح: فما هو المراد بـ «أساس الدين»؟ وما هو «أصل الدين»؟ وما معنى «ضروريات الدين»؟
المراتب المعرفية بين أساس الدين وأصوله وضرورياته
والتحقيق: أنّ المراتب المعرفية والعقدية تتدرّج على نسقٍ مضبوط:
• المرتبة الأولى: أساس الدين.
• المرتبة الثانية: أصول الدين.
• المرتبة الثالثة: ضروريات الدين.
• المرتبة الرابعة: قطعيات الدين أو يقينياته البديهية.
• المرتبة الخامسة: اليقينيات النظرية للدين.
• وهناك مراتب سادسة وسابعة وثامنة، نزولاً إلى ظنيات الدين ومحتملاته.
وهذا التقسيم مبحثٌ جليل وُفِّق فيه الشيخ (رحمه الله) إلى بلورةٍ محكمةٍ صافية؛ ولسنا ندّعي أنّ الفقهاء والمتكلّمين لم يتطرّقوا لتلك المفاهيم، غير أنّهم لم يجمعوا أطرافها في موضعٍ واحدٍ بهذا الترتيب، في حين نظَمها الشيخ كاشف الغطاء في سياقٍ بيّن. وهذا البحث في واقعه ليس فقهياً محضاً ولا كلامياً صرفاً، بل هو من المباحث الممزوجة المركّبة بين الفنين، وما أدقّ المباحث الممزوجة وأصعبها؛ لاقتضائها رسوخاً وتضلّعاً في كلا الحقلين، وإلا تورّط الباحث في غفلاتٍ مهلكة وشبهاتٍ مستحكمة.
والحاصل: أنّ ذلك الكاتب المتحامل افترى على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بدعواه أنّ علماء الشيعة يرون الرجعة هي أساس الدين بحيث ينتفي الإسلام والإيمان بإنكارها، فانبرى الشيخ كاشف الغطاء لتفنيده متحدّياً إيّاه بأن يأتي بروايةٍ واحدةٍ — ولو كانت بقدر قلامة ظفر — تدلّ على أنّ الرجعة تُعدّ من أساس الدين[5] ؛ محاكماً إيّاه إلى الضوابط العلمية لـ «أساس الدين».
ثمّ يبيّن الشيخ كاشف الغطاء بعد ذلك بصفحات أنّ الرجعة إنّما هي من ضروريات المذهب[6] ؛ فكان مصبّ إنكاره ورده منحصراً في نفي كونها من أسس الدين التي يدور مدارها أصل الإسلام، وشتّان بين أساس الدين وضروريات المذهب؛ إذ لا يلزم من نفي الأول إنكار الثاني، ولا يعني عدم كونها أساساً إسقاط رواياتها وتوهينها، بل روايات الرجعة مستفيضةٌ متضافرةٌ في كتب الحديث والآثار.
وهذه قراءةٌ مبتورةٌ خاطئةٌ من الشيخ أحمد الوائلي[7] (رحمه الله)؛ إذ ليس الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في صدد إنكار روايات الرجعة وحاشاه من ذلك، ولأجل ذلك عقّب في ذيل كلامه بعد صفحةٍ واحدةٍ مصرّحاً بأنّ «الرجعة من ضروريات مذهبنا»[8] ؛ فالشيخ الوائلي لم يلحظ ذيل الكلام، وتترتّب على هذه القراءة المبتورة آفاتٌ معرفيةٌ كثيرة، والواجب ألّا نكون مصداقاً لمن قيل فيه: «حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ»[9] .
منهجية الاستقراء والتحذير من تجزئة النصوص الفقهية والكلامية
تنبيهٌ منهجي: إنَّ هذا البحث في غاية الأهمية والخطورة؛ فإذا اغترّ باحثٌ بكلمات الفقهاء في أبوابٍ متفرقةٍ دون استقراءٍ لبقية الأبواب وقع في الانخداع والالتباس، ولا يقتصر هذا الضابط على فتاوى الفقهاء فحسب، بل يسري حتى على مدارك الآيات والروايات؛ فمن لحظ طائفةً منها وأغفل طائفةً أخرى انتهى بالضرورة إلى نتيجةٍ مباينةٍ للصواب.
ومثال ذلك: قول الفقهاء في أبواب الإرث وغيرها: «ابن الزنا ليس بابن، وبنت الزنا ليست ببنت»؛ فهل مقتضى إطلاق هذا التعبير جواز أن يتزوج الزاني بابنته المتولّدة من الزنا؟! قطعاً لا يلتزم أحدٌ من الفقهاء بذلك، فأين حرّروا مرادهم الواقعي؟ لقد أفصحوا عنه في بابٍ واحدٍ من بين خمسين باباً فقهياً، مبيّنين أنّ المراد بنفي البنوّة هنا هو انتفاء البنوّة الشرعية الطاهرة المترتّبة عليها أحكام التوارث ونحوها، لا نفي الانتساب التكويني.
والغرض من هذا التمثيل: بيان أنّ الباحث في الفقه أو الكلام أو التفسير متى ما اقتصر على بعض الأبواب دون إحاطةٍ بجميعها وقع في المغالطة؛ لأنّ ديدن العلماء وطبيعة تدوينهم ألّا يستوفوا تمام المطلب في موضعٍ واحد، وتأسيسًا على ذلك لا ينبغي أن نكون ممن قال الله تعالى في شأنهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾[10] ، بل تلزمنا الإحاطة بجملة الكتاب ومجموع الثقلين دون حصر النظر في موضعٍ مقتطع.
والحاصل: إنَّ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء لم يكن بصدد نفي الرجعة رأساً، وإنما نفى كونها من «أسس الدين»، وقد حرّر معنى الأسس وبيّنه (رحمه الله) أتمّ بيان؛ إذ إنّ بعض أصول الدين يُعدّ من الأسس دون بعضها الآخر، وأصول الدين التي تمثّل «أساساً» هي بمثابة البوابة التي يلج منها المكلّف إلى حظيرة الدين، فلابدّ عند العتبة الأولى من الإقرار بهذا الأصل ليتحقّق الدخول، فهو المفتاح البدئي للإسلام، بخلاف سائر أصول الدين التي لا يُشترط الإقرار التفصيلي بها كمفتاحٍ للدخول في بدء الأمر.
والفارق الجوهري: إنَّ أسس الدين لابدّ من الإقرار بها حدوثاً وبقاءً (بدءاً واستمراراً)، وأما أصول الدين التي لا تندرج في الأسس، فيلزم الإقرار بها بقاءً وإن لم يعلم بها المكلّف أو يقرّ بها ابتداءً؛ إذ ليست هي المفتاح المقوِّم لأصل الدخول.
والنتيجة: إنَّ أسس الدين الظاهري عند كافّة المسلمين — تبعاً للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والقرآن الكريم وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) — تنحصر في الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله، فهما أصلٌ وأساسٌ في آنٍ واحد، وهذا الاصطلاح ليس جزافياً، بل ثبت في صريح الروايات وكلمات الفقهاء؛ فكلّ من أراد الدخول في الإسلام الظاهري لدى عامّة المذاهب الإسلامية فقهياً وعقدياً وجب عليه النطق بالشهادتين، أمّا إذا أراد الارتقاء إلى رتبة «الإيمان» — وهو الإسلام الواقعي — فلابدّ حينئذٍ من الشهادات الثلاث، ولا تفي الشهادتان وحدهما بالدخول في واقع الإيمان وحقيقة الدين.
التمايز بين الإسلام الظاهري والإسلام الواقعي ومحورية الولاية
لا ينحصر هذا القول بمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، بل إنَّ كافة مذاهب المسلمين الفقهية والكلامية تذهب إلى أنَّ للإسلام قسمين: إسلاماً ظاهرياً وإسلاماً واقعياً؛ فالحنفية، والحنابلة، والشافعية، والمالكية، والأشاعرة، والمعتزلة، والماتريدية وغيرهم، يُجمعون على التفريق بين الإسلام الظاهري والإسلام الواقعي، وأنَّ الدخول في رتبة الإسلام الواقعي لا تكفيه الشهادتان؛ إذ إنَّ الشهادتين إنَّما هما مفتاحٌ وبطاقةٌ للدخول في حريم الإسلام الظاهري، في حين تتوقف المواطنة في دار الإسلام الواقعي على شرطٍ ثالث وشهادةٍ ثالثة، وهي «الولاية» عند سائر الفرق والمذاهب، غاية الأمر أنَّ أولئك يلتزمون بولاية زعماء السقيفة الثلاثة، بينما يلتزم أتباع مذهب الحق بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، فالأصل الثالث الحقيقي عند عموم المسلمين هو الولاية لا المعاد.
وقد غفل السيد الخوئي (رحمه الله) في مبحثٍ فقهي في باب الإسلام من كتاب الطهارة حين جعل الأصل الثالث هو المعاد[11] ، وهو ما لم يذهب إليه أحدٌ من الأعلام؛ إذ لم يُعدَّ المعاد أساساً يلزم الداخلَ في ربقة الإسلام الإقرارُ به ابتداءً، فليس المعاد أصلاً ثالثاً ولا أساساً ثالثاً، بل هو الأصل الرابع، وأمَّا الأساس الثالث عند كافة المسلمين فهو الولاية، وإنَّما وقع النزاع والمباحثة في تعيين من تكون له الولاية.
حقيقة المعاد ورتبته العقدية في القرآن الكريم
حقيقة المعاد في القرآن الكريم: ومع ذلك، فإنَّ المعاد في القرآن الكريم وسنّة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) إنَّما حقيقته لقاء الله ولقاء الرسول؛ إذ لم يقل جلَّ وعلا: «ألا إلى الجنة تصير الأمور»، بل قال: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾[12] ، وقال سبحانه:﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[13] ولم يقل: «ملاقو الجنة»، وقال عزَّ من قائل: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[14] ؛ فالله سبحانه هو الأول وهو الآخر، وحقيقة المعاد هي لقاء الله ولقاء النبي (صلى الله عليه وآله)، على نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[15] . والمرصاد الحقيقي هو الله تعالى، ثم الرسول، ثم المؤمنون وهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فالمرصاد والشهداء يجلّون حقيقة المعاد المتمثلة في لقاء الله ولقاء رسوله ولقاء قسيم الجنة والنار. وحتى لو فُرض جعل المعاد أصلاً فبأيّ معنىً يكون؟ لا ريب أنَّه ليس بالحصر في جدران الجنة؛ فالجنة تشتاق إلى سلمان (رضوان الله عليه) [16] [17] ، فكيف بإمام سلمان وقسيم الجنة والنار؟! والوليُّ أعظم رتبةً من المولى عليه قطعاً.
والشاهد على ذلك: أنَّ الميت إذا أُودع في قبره لا يُسأل: «من جنتك؟ وما هي آخرتك؟»، وإنَّما يُوجَّه إليه السؤال الأول: «من ربك؟»، والسؤال الثاني: «من نبيك؟»، والسؤال الثالث: «من وليك وإمامك؟»[18] ، وتلك رواياتٌ متواترة المعنى والمضمون؛ ذلك أنَّ عالم البرزخ والموت معادٌ مصغَّر، فبصمة المعاد وجوهره قائمةٌ على هذه الأصول الثلاثة: التوحيد، والنبوة، والولاية. فإذا ورد قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[19] ، فما المراد باليوم الآخر في منطق القرآن وموازينه؟ هل هو جدران المحكمة الإلهية وعرصاتها، أم الحاكم المتصرف فيها وهو الله تبارك وتعالى وسيد الرسل وأهل بيته الطاهرون؟!
والحاصل: أنَّ القرآن الكريم حين يذكر الصابئة واليهود والنصارى وأنَّهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً[20] ، فإنَّ المقصود الحقيقي باليوم الآخر هو الحاكم فيه؛ وهو الله وسيد المرسلين (صلى الله عليه وآله)، مصداقاً لقوله عزَّ شأنه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾[21] ؛ فهذه هي حقيقة المعاد وجوهره، وأمَّا سماء المعاد وأرضه فمع كونهما مقدستين، إلا أنَّ الشأن كلَّ الشأن إنَّما هو في القاضي والحاكم، وفيمن بيده مفاتيح الجنة والنار، وهو قسيم الجنة والنار (عليه السلام).
مفاتيح النار بيد من؟ بيد قسيم الجنة والنار، فإذن معنى أسس الدين أو أصول الدين -كما يشرحه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله)- هو تبيان لما تسالم عليه الفقهاء؛ لأنّ الفقهاء فرّقوا بين مفتاح الدخول في الدين وبين ما بعد الدخول. فأصول الدين التي يفتتح بها باب الدخول للإسلام لا تسمّى فقط أصول الدين، بل تسمّى أيضاً أسس الدين؛ كما يقول الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): «إِنَّ الإِمَامَةَ أُسُّ الإِسْلَامِ النَّامِي، وَفَرْعُهُ السَّامِي»[22] ، فلم يقل: أصلاً فقط، بل قال: «الْأُسُّ النَّامِي لِلْإِسْلَامِ»، ووردت بيانات عديدة عن المعصومين (عليهم السلام) يُعبَّر فيها عن الأصل بأسماء أخرى.
والحاصل: أنّ هناك ما هو من أصول الدين ويُعدّ أساساً للدين، وهناك ما هو من أصول الدين وليس من أسس الدين. ومعنى كونه ليس من أسس الدين: أنّ الداخل حديثاً في الإسلام لا يُطالَب بأن يُقرّ بجميع أركان الفروع وأصول الدين ابتداءً، بل يُكتفى منه بالشهادتين ليدخل؛ فمن تشهّد بالشهادتين دخل في الإسلام الظاهري، بينما الإسلام الواقعي عند جميع المسلمين لا يُدخَل فيه إلا بشهادة ثالثة وهي الولاية -أمّا ولاية من؟ فهذا بحث آخر-، والإسلام الواقعي يُسمّى بتسمية أخرى وهي الإيمان، ولكنه في المحصلة هو الإسلام الواقعي.
وعلى أيّ حال، فإنّ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله) ردّ على ذلك الكاتب[23] بأنه يفتري على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) حين يدّعي أنّ الرجعة عندهم من أسس الدين؛ إذ أسس الدين تعني مفتاح الدخول، ونحن لا نقول إنّ الرجعة لا بدّ من الإقرار بها للدخول في الإسلام الواقعي أو الإسلام الظاهري، فلا توجد رواية واحدة تدلّ على أنّ الرجعة من أسس الدين. بل حتى المعاد ليس من أسس الدين، وإنما هو من أصول الدين؛ فمن تشهّد بالشهادتين حُكم بإسلامه الظاهري ولو لم يتشهّد بالمعاد، خلافاً لما ذهب إليه السيد الخوئي (رحمه الله) [24] نتيجة غفلة أو خلط بين أصول الدين وأسس الدين، إذ لا يشترط أحد من الفقهاء في الحكم بالإسلام الظاهري الإقرار بالمعاد ابتداءً.
والنتيجة: أنّ كلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله) ليس في صدد إنكار ضرورة الرجعة، بل في صدد إنكار دعوى ذلك الكاتب بأنّ الرجعة من أسس الدين؛ فالولاية هي التي تُعدّ من أسس الدين الواقعي، أمّا للدخول في الإسلام الظاهري فالشهادتان تكفيان لحقن الدماء، والتعايش، وحلّية النكاح، وحرمة الأموال والأعراض. وهذا بنصّ القرآن الكريم الذي اعتبر المنافقين مسلمين في الظاهر، وأمر بمعاملتهم معاملة المسلمين ظاهراً، وإن كانت لا تترتّب عليهم جميع أحكام الإسلام الواقعي؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ [25] ، فالمنافق لا يُؤتمّ به في صلاة جماعة، ولا يُنصّب قاضياً، ولا رئيساً للدولة، ولكنّ الإسلام الظاهري يترتّب عليه أثره.
النسبة المنطقية بين مراتب الدين وتحقيق حكم الرجعة
والخلاصة: أنّ الرتب تتوزّع كالتالي:
• أولاً: أسس الدين.
• ثانياً: أصول الدين.
• ثالثاً: ضروريات الدين؛ وكلّ ما هو من أسس الدين فهو من أصول الدين، وكلّ ما هو من أصول الدين فهو من ضروريات الدين.
إنَّ كلَّ ما هو من ضروريات الدين فهو من اليقينيات البديهية في الدين، وهذه الأقسام الأربعة تجري مجرى النوع والجنس، والجنس العالي، وهلمَّ جرّاً؛ فكلُّ إنسانٍ جسمٌ، وليس كلُّ جسمٍ إنساناً، وكذلك كلُّ ما هو من أسس الدين فهو من أصول الدين، وليس كلُّ ما هو من أصول الدين من أسس الدين.
ولذلك لو فتَّشتَ في كتب الفريقين، وفي كتب الإمامية: هل التشهُّد بالمعاد شرطٌ ضروريٌّ في الدخول للإسلام الظاهري؟
والجواب: كلّا، ولا حتى في الدخول للإسلام الواقعي؛ نعم، بعد أن يدخل الإنسانُ في الإسلام الظاهري أو الإسلام الواقعي، يُلزم بسائر أصول الدين فيتعلَّمها، ويقرُّ بها، ولا يجوز له إنكارها؛ فإنْ أنكر بقية أصول الدين بقاءً خرج عن الدين. فبقية أصول الدين ليست مفتاحاً ولا بوابةً للدخول ابتداءً، ولكنْ إذا أُنكرت يخرج الإنسانُ عن حظيرة الدين، فحكمُها بقاءً يختلف عن حكمها ابتداءً.
والحاصل: إنَّ ثَمَّةَ فوارقَ حرَّرها الفقهاءُ من الفريقين بين أسس الدين وأصول الدين، فضلاً عن ضروريات الدين؛ فهناك فوارق بين أصول الدين وضروريات الدين، وهي فوارق فقهية مع كون المبحث عقائدياً يترتَّب عليه أثرٌ فقهي. والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله) يرى أنَّ الرجعة من ضروريات المذهب ولا يُنكر ذلك، وإنما أنكر وكذَّب دعوى ذلك الكاتب في كونها من أسس الدين؛ فهي ليست من أسس الدين، لكنها من ضروريات المذهب[26] .
تنبيه: هناك فوارق فقهية بين ضروريات الدين واليقينيات البديهية، وليس المقام متَّسعاً لذكرها، وإنما أوردتُها لتتنبَّهوا لكلمات الأعلام ومصطلحاتهم؛ كما أنَّ هناك فوارق بين اليقينيات البديهية واليقينيات النظرية، والعلماء في سجالٍ علمي في هذه الأقسام صغرى وكبرى، ومَن لم يتضلَّع في هذا المبحث يصعب عليه استيعاب دقائقه.
وقد صنَّف الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي (رحمه الله) — صاحب «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» — كتاباً مستقلاً كاملاً في هذا المبحث[27] ، شرحه العلامة المجلسي بكامله في «بحار الأنوار»، وهو مصوغٌ بلغةٍ فقهية عقائدية؛ فلذلك يجب التمييز الدقيق بين هذه الأبحاث وعدم الخلط بين مراتبها.
والنتيجة: إنَّ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء يقرِّر — تبعاً لجمهور الأعلام — أنَّ الرجعة من ضروريات المذهب في كتابه «أصل الشيعة وأصولها»، والروايات مستفيضة ومتواترة في إثباتها، وإنما انصبَّ إنكاره على دعوى كونها من أسس الدين. وتلك محطَّة أخرى في بحث الرجعة التي هي مفاد الآيتين الكريمتين ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾ [28] و﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ [29] .