48/04/21
أفعال القلوب والمحاسبة على الخواطر في ضوء التفسير القرآني/المنهج العقلي في فهم آيات المعاد /التفسير
موضوع: التفسير/المنهج العقلي في فهم آيات المعاد /أفعال القلوب والمحاسبة على الخواطر في ضوء التفسير القرآني
مسؤولية أفعال القلوب وحقيقة الإيمان
كُنّا في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾[1] ، والكلامُ في اللسان يتبعُ الكلامَ في القلب، مع أنّ الكلام في القلب فيه مواردُ عديدةٌ يحاسَبُ عليها الإنسان، وهذا ما بحثه علماءُ الكلام وعلماءُ الأصول وعلماءُ الفقه.
فإن قيل: هل الإنسان مسؤولٌ عن النيّة كنيّة الشرّ مثلاً؟ وما الفرقُ بين الكلام القلبيّ وبين الظنّ في القلب؟
قلنا: حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾[2] ، فالظنُّ نوعٌ من تبنّي احتمالٍ من الاحتمالات، وكذلك محبّةُ القلب وبغضُه مسؤولٌ عنهما الإنسان؛ فالمحبّةُ والبغضُ غيرُ الظنّ وغيرُ كلام القلب.
والحاصل: أنّ أفعالَ القلب تترتّبُ عليها أحكامٌ إلزاميّة؛ فسوءُ الظنّ بالله كبيرةٌ من الكبائر، ومحبّةُ الله ومحبّةُ المؤمنين أمرٌ ملزِم؛ لأنّ الإيمان ليس مجرّد معرفة، إذ لو كان مجرّد معرفة لكان إبليسُ أكبرَ الموحّدين.
فالإيمانُ معرفةٌ ومحبّةٌ وانقيادٌ وتسليمٌ وإخباتٌ وولاية، وهي عناوينُ متعدّدة للمحبّة؛ ولذلك فإنّ علماءَ الكلام لديهم خللٌ في التدوين بخلاف الوحي حين يصورون الإيمان مجرّد معرفة؛ فكفرُ إبليس وخللُ توحيده لم يكن في الجانب المعرفيّ، وإنّما كان في جانب المحبّة إذ تمرّد وأبغض، ولم يكن كفره لعدم معرفته بنبوّة آدم، وإنّما كان تمرّداً وبغضاً لخليفة الله ونبيّه، فهناك أفعالٌ عديدةٌ يُساءَلُ عنها القلب.
فائدة: ومبحثُ التجرّي[3] في علم الأصول مبحثٌ نافعٌ جدّاً في هذا المجال، وفيه كلماتُ الأعلام، وهو بوّابةٌ لفقه القلوب والرياضات الروحيّة وعلم الأخلاق.
محاسبة المعصومين على مستوى الخواطر
قاعدة: إنّ الأنبياءَ والرّسلَ والأوصياءَ يُحاسَبون على صعيد الخواطر؛ والخواطرُ ليست ظنّاً ولا محبّةً ولا عداوةً ولا حتّى نيّة، لكنّها مادّةٌ لكلّ هذه الأشياء، وهي مادّةٌ قد تتطوّر إلى نيّةٍ أو ظنٍّ أو محبّة؛ فالخواطرُ ينبوعٌ إمّا إلى الخير وإمّا إلى الشرّ، والمعصومون (عليهم السلام) يحاسَبون على مستوى الخواطر والتصوّرات، وحين تقترن الخواطرُ بالميول تكون المحاسبةُ أشدّ.
ومثالُ ذلك: ما جرى في الفتنة التي أثارها جماعةٌ من أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حين عقد النبيّ (صلى الله عليه وآله) جلسةً جمعت أميرَ المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام)، وسأل رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) أميرَ المؤمنين (عليه السلام) عمّا أُشيع، فقال: «وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا كَانَ مِنِّي مِمَّا بَلَغَهَا شَيْءٌ وَ لَا حَدَّثَتْ بِهَا نَفْسِي»[4] ، فتبسّم رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) وابتسمت فاطمةُ (عليها السلام).
ثمّ استدعى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ذلك الليل سحراً جمعاً من الصحابة وأيقظهم من نومهم، وقال قوله المشهور: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُغْضِبُنِي مَا يُغْضِبُهَا، وَيُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا»[5] ، وفي نقلٍ آخر: «إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِ فَاطِمَةَ، وَيَرْضَى لِرِضَاهَا»[6] ، و«أَلَا إِنَّ فَاطِمَةَ بَابُهَا بَابِي، وَبَيْتُهَا بَيْتِي»[7] إلى غير ذلك من البيانات النبوية.
والمتحصل: أنّ تلك المسألة إنّما طُرحت على مستوى الخاطرة؛ إذ كانت الفتنة قائمةً على إشاعةٍ بثّها المنافقون في المدينة المنوّرة زاعمين أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يريد التزوّج بابنة أبي جهل؛ بُغيةَ إغاظة الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) وإيذاء مشاعر النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا رسولَ الله، لم يخطرْ على قلبي قطّ»، مع أنّ الشارع الأقدس يحرّم عليه نكاحَ غيرها في حياتها، فنفى (عليه السلام) مجرّد الخطور الذهنيّ والقلبيّ، فضلاً عن الميل أو العزم والنيّة.
أثر الخواطر القلبية في تكامل العوالم والنشآت
إنّ هذه الخواطر والهواجس — لا سيّما الفكريّة ثمّ النفسانيّة منها — تمثّل ميداناً فسيحاً لتكامل الإنسان أو تسافله؛ وكلّما ارتقى الإنسان إلى عوالمَ أُخرى كالبرزخ والرجعة والقيامة فضلاً عن دار الجنان، اشتدّت المحاسبة على أفعال القلوب وحركات النفوس.
والحاصل: أنّه بحسب ما دلّت عليه بيانات الوحي، وما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله: «فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ»[8] ، فإنّ المراد ليس نفي الحساب في دار الخلد مطلَقاً؛ إذ إنّ الخاطرة الواحدة في الجنان إمّا أن ترتقي بالعبد في الدرجات أو تهبط به في المقامات، وأهل الجنة يحاسَبون فيها على خواطرهم على نحو ما يحاسَب عليه الأنبياء في دار الدنيا، فالجنّة يعتريها الصعود والنزول الرتبيّان.
والشاهد فيه: ما جاء في التنزيل العزيز في قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا﴾[9] ، وفي موضعٍ آخر: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾[10] ؛ فإنّ مجرّد التكبّر النفسانيّ — وهو حالةٌ باطنيّة مجرّدة عن القول والعمل الخارجيّ — أسقط إبليسَ من تلك المقامات العليّة. ونظير ذلك عُجبُ النفس الذي يُحبط العمل من أصله في صورٍ حرّرها الفقهاء في كتبهم الفقهيّة، وكذلك الرياء بوصفه فعلاً قلبيّاً مبطلاً للعبادات، ومثله الزهو والتجبّر والاستعلاء والتفاخر، وما يُصطلح عليه حديثاً بـ«النرجسيّة»؛ فهذه كلّها حالاتٌ نفسانيّة تستوجب سخط الله ومقته بمراتب متفاوتة، وإن لم يقترن بها فعلٌ بالجوارح.
إنّ أحوال القلوب عجيبةٌ في تقلباتها؛ وحالنا في هذه الدار الفانية — كما قرّرته نصوص الكتاب والسنّة — كحال الصبيان في دور المهد، ولو عمّر المرء مئة عام؛ لأنّ حقيقة الحياة الدنيا إنّما هي: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾[11] . والمحاسبة هنا جاريةٌ بالدرجة الأولى على الأفعال البدنيّة، بينما تتصاعد المحاسبة على الشؤون النفسانيّة والقلبيّة كلّما توغّل العبد في العوالم اللاحقة، فنحن اليوم في عملٍ قلبيّ ونفسانيّ مسكوتٍ عن حسابه الدنيويّ، وهناك يقع الاستقصاء في البرزخ والرجعة والقيامة والجنّة. وهذا بخلاف الأنبياء والرسل والأبدال والأوتاد والزهّاد والسياح؛ فإنّهم بحسب رتبهم طوَوا هذه المنازل الباطنيّة في دار الدنيا، وهم في البرزخ والرجعة يطوون مراحلَ أعظمَ وأجلّ، في حين ما زلنا نحن نتخبّط في مدارج الطفولة الروحيّة.
والمقصودُ -أيّاً ما كان- في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾[12] ، أنّ القولَ المنسوبَ إليه ليس بالضرورة قولاً صادراً باللسان؛ وإنّما القائل إمّا نبيٌّ من الأنبياء -إذ ذُكر عُزير في زيارة الناحية في سياق الأنبياء: «السَّلَامُ عَلَى العُزَيْرِ الَّذِي أَحْيَاهُ اللهُ بَعْدَ مَيْتَتِهِ»[13] - وإمّا هو وصيٌّ أو صفيٌّ وله اصطفاءٌ إلهيّ، وممّا مرّ بنا في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أنّه هو الذي أملى التوراة على بني إسرائيل بعدما فُقدت تماماً في الأرض، فهذا القولُ حُوسب عليه سواء كان قولاً بالقلب أم قولاً باللسان.
حقيقة حديث النفس وظواهر قوى الباطن
وقد تقدّم أنّ مئات الروايات من كلمات أهل البيت (عليهم السلام) تُسلّط الضوء على حديث النفس، أي حديث الإنسان مع نفسه؛ حيث يُكره للمصلّي في صلاته أن يُحدّث نفسه مع قواه النفسانية، فالإنسان يتحدث مع غضبه، ومع شهوته، ومع عقله، وكلٌّ منها كأنّه كيانٌ جوهريٌّ مستقل.
ومن شواهد ذلك: ما رُوي عن شقيق البلخي[14] -وكان معاصراً للإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)- إذ رأى الإمام ولم يكن يعرفه، فظنّ أنّ الإمام يستجدي من الحُجّاج، والحال أنّ الإمام المعصوم بجلالة قدره كان يتواضع ويخدم الحُجّاج في طريق الحجّ دون أن يُعرّفهم بنفسه؛ فأضمر شقيقٌ ذلك في نفسه، فقرأ الإمام (عليه السلام) ما في سريرته وتلا قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾[15] ، وهذه الحادثة روتها المصادر القديمة ومنها كتاب «بحار الأنوار»[16] .
ولمّا بلغ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) مكة المكرّمة، رأى شقيقٌ البلخي الفقهاء والعلماء من مختلف المذاهب يُقبلون عليه ويستفيدون من نمير علومه، فسأل مستفهماً: من هذا؟ فقيل له: هذا موسى بن جعفر (عليه السلام)، وقد أنشأ الشاعر قصيدةً في مدح الإمام (عليه السلام) مطلعها: «سل شقيق البلخي عنه وما عا ين منه وما الذي كان أبصر »[17] وهي قصيدةٌ ذاتُ مضامينَ أخلاقية وعرفانية.
تحليل موقف عُزير (ع) ومفهوم ترك الأولى
والحاصل: أنّ الحديث تارةً يكون زيادةً على مجرد الاستبعاد كأن يسترسل في حديث النفس؛ والآية الكريمة: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾[18] لم تقتصر على مجرد الاستبعاد الذهني، بل تضمنت تبنّياً ومضيّاً على وفق هذا الظن؛ ولأنّه نبيٌّ أو صفيٌّ من الأصفياء، كان التأديب الإلهي حازماً حتى على ترك الأولى[19] ، فرغم أنّ وسوسة التفكّر في شأن الخلق معفوٌّ عنها، إلّا أنّ الله تعالى يُربّي الأنبياء على ألّا يرتكبوا ترك الأولى.
وهذا المورد نظيرٌ لما جرى لنبيّ الله يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، ونظيرٌ لكثيرٍ من الموارد التي يربّي اللهُ تعالى فيها أنبياءَه على ألّا يرتكبوا تركَ الأولى؛ إذ ليس الأمرُ معصيةً، وإنّما المدارُ على عدم اختيار الأكمل والاكتفاء بمجرّد الكمال، ومن ثَمَّ كان اللهُ تعالى يُحاسب أنبياءَه وأولياءَه على ذلك.
ومثال ذلك: ما جرى مع عُزير (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾[20] ، فإنّ هذا الاستبعادَ باطلٌ ومردودٌ ولو كان على مستوى الخُطور القلبيّ، فضلًا عن كونه تكلّمًا في القلب وحديثًا مع النفس، ولأجل ذلك خضع للمحاسبة الإلهيّة، فكان الجزاءُ أن أماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ تأديبًا وتربية.
الموازنة البلاغية بين سؤالي إبراهيم وعُزير (عليهما السلام)
أمّا في الموقف المقابل: وهو ما ورد في الآية اللاحقة، فرغم التماثل والتشابه الظاهريّ بين الموقفين، نجد أنّ اللهَ سبحانه لم يُمِتْ نبيَّه إبراهيم (عليه السلام)؛ ومردّ ذلك إلى أنّ النبيّ إبراهيم لم يكن في مقام الاستبعاد لقدرة الله تعالى، وذلك في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[21] ؛ فبينما أماتَ اللهُ عُزيرًا، أمرَ إبراهيمَ (عليه السلام) بالأخذ من الطير وتفريقهنّ؛ لأنّ سؤاله لم ينبع من استبعاد القدرة الإلهيّة، بل كان سعيًا وطلبًا لازدياد الإيمان وترقّيه، وهو مطلوبٌ ممدوحٌ لا ضيرَ فيه.
والقاعدة البلاغيّة هنا: أنّ الاستفهامَ -كما يُقرّر علماءُ اللغة والنحو في مظانّهم ككتاب «مغني اللبيب»[22] - تتعدّد دواعيه وأغراضه المجازيّة؛ فمنه استفهامٌ حقيقيٌّ يُراد به طلبُ العلم والمعرفة، ومنه استفهامُ استبعادٍ قد يفضي إلى مرتبة التجرّؤ أو الاستنكار وهو أمرٌ خطير، في حين كان استفهامُ إبراهيم (عليه السلام) في قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ بداعي طلب زيادة الإيمان واطمئنان القلب؛ ومتى ما كان الداعي هو الترقّي الإيمانيّ لم يكن تركًا للأولى ولا كان مرجوحًا بوجه، بخلاف ما صدر من عُزير (عليه السلام) حيث عُوقب بالإماتة مائة عام ثمّ أُفْهِم الحقيقة؛ فدواعي السؤال وقصودُه هي الحاكمةُ على طبيعته وحكمه، سواء كان سؤالًا نفسانيًّا داخليًّا أم لسانيًّا منطوقًا.
ويُعطَف على ذلك: ما جرى بين نبيّ الله موسى والعبد الصالح الخضر (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾[23] ، إذ كانت أسئلةُ النبيّ موسى (عليه السلام) تتضمّن طابعَ الاعتراض لا مجرّد الاستفهام المحض، ولذلك قيل له معاتبةً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾[24] .
فائدة: إنّ اقترانَ قضيّة عُزير بقضيّة إبراهيم (عليهما السلام) في سياقٍ قرآنيٍّ واحدٍ له دلالةٌ بالغةُ الأهميّة في فهم مرامي القرآن الكريم؛ حيث جاءتا معًا في سياق الحديث عن إحياء الموتى والرجعة، والتي تُمثّل مظهرًا وتصويرًا مصغّرًا لبعث القيامة الكبرى. ولم يؤنّب اللهُ تعالى نبيَّه إبراهيم بل استجاب لمطلبه لكونه منزَّهًا عن الاستبعاد والاستنكار وسوء الظنّ بالله تعالى.
والحاصل: أنّ داعي السؤال هو المرتكز والأساس؛ فإن سأل الإنسانُ طلبًا للتفهّم والمعرفة فُتِحَت له أبوابُ العلم، وإن سأل تعنّتًا واستنكارًا وعنادًا انقلبت النتيجةُ عليه، ومن هنا تقرّر أدبُ المتعلّم مع العالم بألّا يكون سؤاله على وجه الجدال والاستنكار، بل على وجه التفهّم وطلب الحقّ.
والنتيجة: إنّ الحالات والأفعال القلبيّة، وما ينقدح في باطن النفس من تساؤلاتٍ عقديّة أو علميّة أو أخلاقيّة، يُحاسَب عليها الإنسانُ حسابًا يتفاوت بين الحرمة والحلّيّة في البُعد الفقهيّ، وحسابًا أدبيًّا وتربويًّا من حيث الرجحان وعدمه في البُعد الأخلاقيّ؛ وتلك عبرةٌ جليلةٌ تُستفاد من الموازنة بين هاتين الآيتين الكريمتين اللتين عرضتا لمسألة الإحياء والرجعة على يد نبيّين ومصطفيين من خيرة أولياء الله تعالى.