48/04/18
حقيقة الرجعة وتمايزها عن التناسخ والمسخ والمنهج العقلي للصدوق/المنهج العقلي في فهم آيات المعاد /التفسير
موضوع: التفسير/المنهج العقلي في فهم آيات المعاد /حقيقة الرجعة وتمايزها عن التناسخ والمسخ والمنهج العقلي للصدوق
الأدلة القرآنية على ثبوت الرجعة وشمولها للمخلوقات
قد مرّ بنا دلالة قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾[1] ، وكذلك الموتى الذين أماتهم الله تعالى ثمّ أحياهم كما في قوله عزّ وجلّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾[2] ؛ إذ تشتمل سورة البقرة على قرابة خمسة مواضع دالّة على الرجعة إن لم تكن أكثر. وقد كان عُزير (عليه السلام) في خضمّ هذا الحدث حين مرّ على القرية فرآها خاويةً على عروشها، كما ثبتت أيضاً رجعة الطيور والحيوانات، مِمّا يدلّ على أنّ للحيوانات رجعةً أيضاً. ويُضاف إلى ذلك أنّ إبليس يُقتل فيرجع، ثمّ يُقتل فيرجع، ثمّ يُقتل فلا يرجع وفق ما نطقت به الروايات؛ فالجنّ والإنس والحيوانات مشمولة بحكم الرجعة بحسب دلالة الآيات الكريمة، وهذا المعنى أجنبيٌّ عن عقيدة التناسخ بالكلّيّة.
وحيث إنّ كثيراً من الفرق الباطنية المنحرفة — بل وأهل الشرك وأصحاب الأديان الوضعية في الهند وغيرها — قد زلّت أقدامهم في هذا المنزلق؛ لكون المكاشفات المجرّدة عن الضوابط الشرعية والعلوم الدينية محفوفةً بالمخاطر ومؤدّيةً إلى الانحراف، فإنّ الوحي والعلوم الدينية الوحيانية هما صمام الأمان الوحيد وضمانة حفظ بيضة الدين، ولا يتحقّق ذلك إلّا عبر مدارسة العلوم الدينية.
ومن هنا؛ يقرّر الفقهاء أنّ أوجب واجبات الحوزات العلمية — وهو مقدّمٌ حتّى على التبليغ ونشر الدين في الأوساط المجتمعية — ينحصر في مدارسة الدين وتشييد أركانه المعرفية؛ عملاً بالقاعدة العقلائية: «ثبّت العرش ثمّ انقش»[3] ؛ إذ لو شاع الجهل واستحكم فماذا عسى المبلّغ أن ينشر؟ فلزم أن تكون الأولوية المطلقة لمدارسة العلوم الدينية، وتأتي بقية الواجبات في المرتبة اللاحقة.
التمايز الجوهري بين عقيدة الرجعة ومذهب التناسخ الباطل
والحاصل: أنّ التناسخ مباينٌ للرجعة مباينةً تامّة؛ فالرجعة عبارةٌ عن عود الروح إلى ذات الجسد الدنيوي بعد الموت، وهي عقيدةٌ قرآنية أصيلة ناطقة بها الآيات البيّنات، حتّى أفرد لها صاحب الوسائل الشيخ الحرّ العاملي باباً استعرض فيه اثنتين وستين آيةً من سور القرآن الكريم الدالّة عليها[4] . ومقتضى الرجعة هو عودة الأرواح من عالم البرزخ إلى أبدانها السابقة، في حين أنّ التناسخ يقوم على انتقال الروح بعد مفارقة الجسد إلى بدنٍ آخر جديد ناشئ من أبٍ وأمٍّ، سواء كان ذلك البدن إنسانياً أو حيوانياً.
والنتيجة: أنّ التناسخ بأقسامه المختلفة كفرٌ صريح؛ لِما يفضي إليه من انطماس الهوية وضياعها وتبدّلها؛ إذ يمتنع معه تعيين المحاسَب أهو الإنسان الأوّل أم الحيوان الناشئ؟ وهو ما صرّح به الإمام الرضا (عليه السلام) بقوله: «مَنْ قَالَ بِالتَّنَاسُخِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، مُكَذِّبٌ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ»[5] . وقد انزلقت كثيرٌ من الفرق الباطنية إلى القول بالتناسخ لقصور فهمها عن إدراك حقيقة الرجعة عقلياً ومعرفياً، مع أنّ التناسخ مذهبٌ باطل متأصّل في معتقدات المشركين وتُباين حقيقتُه الرجعةَ بالتمام.
ومثال ذلك: قوله تعالى في إحدى آيات الرجعة: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾[6] . فالبون شاسعٌ بين التناسخ القائم على اختلاط الهويات وتبدّلها والتلاعب التكويني بحقيقة الذات، وبين الرجعة المتمايزة عنه مفهوماً ومصداقاً، مع الالتفات إلى أنّ مفهوم الرجعة أعمّ مطلقاً من مفهوم «الكرّة» كما سيأتي بيانه، والرجعة المبحوث عنها هنا تشبه الكرّة وغيرها. بل إنّ القيامة الكبرى ليست من التناسخ في شيء، وإنّما هي بعثٌ ونشور، كقوله عزّ من قائل: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾[7] ، ونظائرها من الآيات الشريفة.
الرجعة بوصفها معاداً أصغر ودليلاً على البعث الأكبر
يتفرع على ما تقدم أن القائلين بالتناسخ يجعلون التناسخ معاداً، فيخلطون بين المعاد والتناسخ، أو بين الرجعة والتناسخ، في حين أن الرجعة مباينة للتناسخ بالكلية؛ إذ إن الرجعة معاد أصغر، والقرآن الكريم يصرح بذلك، ففي سورة الكهف يبين الله تعالى أنه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾[8] ، والغاية من بعثهم بعد ثلاثمائة سنة هي لأجل أن يُعلَم أن وعد الله حق، وأن هناك رجعة وبعثة ومعاداً؛ وعليه فإن الرجعة من سنخ المعاد ونمط منه، والقرآن يستدل على المعاد بالرجعة.
وحتى النبي إبراهيم (عليه السلام) حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾[9] ، فإن الله عز وجل لم يُشهده القيامة الكبرى، بل أشهده الرجعة؛ لأن إشهاده للرجعة عبارة عن معاينة لمعاد مصغر، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾[10] هو من هذا القبيل، وغايته إثبات المعاد.
وكذلك بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى (عليه السلام)، حيث جاء في محكم التنزيل في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[11] ، وهذا البعث رجعة، وكذلك نبي الله موسى (على نبينا وآله وعليه السلام) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ﴾[12] ، حيث سمى سبحانه البعث من الموت إفاقة؛ فلماذا يزاوج القرآن الكريم بين النوم والموت؟ ولماذا يسمي الانبعاث من النوم -كما في قصة أصحاب الكهف- كبعثة الموت إفاقة؟ ولماذا يجعل قبض الروح في النوم نظير قبض الروح في الموت؟
المنهج العقلي الوحياني عند الشيخ الصدوق في مقابل الفلاسفة
وهنا تبرز القراءة العقلية: التي نهض بها الشيخ الصدوق (رحمه الله) ولم يقف عليها ابن سينا، مع أن ابن سينا يقرأ القرآن، غير أنه لم يقرأ هذه المواطن قراءة عقلية برهانية؛ فالشيخ الصدوق -مع أن المشهور يصفونه بأنه فقيه ومحدث ومشربه إخباري- إلا أن قراءته للوحي عقلانية أشد من قراءة ابن سينا وفلاسفة الشيعة؛ فالقضية ليست مجرد تسميات وأوصاف بل هي قضية منهج، وإلى يومنا هذا فإن هذه القراءة العقلية لسنخ الموت والنوم وارتباطها بالبرهان على المعاد الجسماني لم يكتشفها الفلاسفة ولم يقرؤوها في القرآن والروايات، بينما قرأها الصدوق قبل ألف عام، وقرأها الشيخ الحر العاملي في كتابه حول الرجعة[13] ، وهنا يكمن مفتاح الاستدلال على المعاد في قضية المسانخة بين النوم والموت.
والشاهد على ذلك: ما ورد عن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في قوله: «لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَ لَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ»[14] [15] ، وهذا البيان معجزة عقلية لم يهتدِ إليها ابن سينا بعد أربعة قرون، ولم يلتفت إليها الفلاسفة طيلة ألف وأربعمائة سنة إلى عصرنا الحاضر، في حين قرأها الصدوق قراءة عقلية، وقرأها الحر العاملي كذلك، وسنتدرج في بيان كيف تمثل هذه قراءة عقلية فذة من الصدوق والحر العاملي، بينما فلاسفة الشيعة والمتكلمون الإمامية لم يُعملوا القراءة العقلية في هذا الموضع؛ حيث استنبط الصدوق قواعد عقلية في المعارف لم يبلغها الشيخ المفيد ولا فلاسفة الشيعة، وليس ذلك منحصراً في هذه المسألة فحسب، بل ثمة مواضع مهمة وخطيرة قرأ فيها الصدوق بيانات الوحي من الآيات والروايات قراءة عقلية دقيقة أخفق فيها الفلاسفة والمتكلمون.
والحاصل: أن المسألة ليست مجرد دعوى بل هي مسلك ومنهج، وقد بيّنا ذلك مبسوطاً في كتاب الرجعة في خمسة مجلدات، وخلاصة القول هنا: إن السر العقلي الذي تنبه له الصدوق مودع في بيانات الوحي، بينما الآخرون لم يدققوا في كلمات الوحي، بل حدقوا في أقوال بعضهم البعض؛ فهم وإن قرؤوا هذه الآيات، إلا أنهم لم يقرؤوها بعين عقلية، بل قرؤوها بعين تعبدية ظنية مبهمة، حتى ابن سينا وفلاسفة الشيعة إلى يومنا هذا.
هم يقرؤون هذه الآيات، لكنهم لم يقرؤوها بعينٍ عقلية، بل قرؤوها بعينٍ تعبديةٍ ظنيةٍ مبهمة، حتى ابن سينا، وحتى فلاسفة الشيعة إلى يومنا هذا. وسنسلط الضوء على أنّ الآيات والروايات في المعارف تُقرأ بلغةٍ عقلية، ولا تُقرأ بلغة ظنٍّ تعبدي أو إبهامٍ تعبدي؛ لأنّ ذلك مسلكٌ غير سديد، وكان مسلك الشيخ الصدوق (رحمه الله) على خلاف ما يُظن به، ولا ندّعي أنّ الصدوق معصوم، غير أنّ كلامه ليس جزافاً.
والمقدمة الأولى في هذا البحث العقلي الوحياني: هي الالتفات إلى الفرق الجوهري بين الرجعة والتناسخ؛ إذ إنّ التناسخ مزلقٌ انزلقت فيه الملل والنِّحَل قديماً في تاريخ البشرية وإلى يومنا هذا. وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ أحد أهل السير والمعنى — وممن لديه مكاشفاتٌ صادقة — قد جزم بالتناسخ لجهله بالعلوم الدينية لكونه ليس من أهل العلم والتحقيق؛ فالتناسخ بشتى أنواعه قوامه تولّد الموجود من رحمٍ وصلبٍ ثانٍ، سواءٌ أكان على هيئة إنسانٍ أم خنزيرٍ أم حيوانٍ أم غير ذلك.
حقيقة المسخ ومراتبه وتمايزه عن التناسخ والرجعة
وأمّا المسخ: فهو حقٌّ ثابت، غير أنه ليس تناسخاً ولا رجعة؛ إذ إنّ المسخ عبارةٌ عن تحول بدن الإنسان وتبدله إلى كائناتٍ جامدةٍ كالحجارة، أو إلى حيواناتٍ كالخنزير أو القرد أو الوزغ. فالمسخ بينه وبين التناسخ والرجعة بَوْنٌ شاسع ومباينةٌ تامة، كما أنّ الأرواح تُمسخ قبل الأجساد؛ نظراً إلى أنّ للأرواح أبداناً لطيفةً يعرضها المسخ، وهذا هو المشهود في المكاشفات حين يرى الإنسان بدنه اللطيف متمثلاً على هيئة حيوان.
والقاعدة في بيانات أهل البيت (عليهم السلام): جاريةٌ على هذا النحو؛ فكلّ ذنبٍ كبيرٍ من الكبائر يرتكبه الإنسان تلبس روحه به ثوب المعصية، أي بدن المعصية؛ لأنّ للمعصية بدناً ولباساً، كما ورد في الزيارة الشريفة: «وَلَمْ تُلْبِسْكَ مِنْ مُدْلَهِمَّاتِ ثِيَابِهَا»[16] ؛ فالمرتكب للكبيرة يلبس ثوباً ملكوتياً مظلماً، ولا تتحقق منه التوبة المقبولة حتى ينزع هذا الثوب المظلم عن روحه، في مقابل لباس التقوى الذي هو لباسٌ نوراني.
ومن شواهد ذلك ومعاجز أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أنّ المتطاولين الناصبين للعداوة والمساس بالأدب معهم، كان الله تعالى يمسخ أحدهم عياناً بين يدي الإمام حيواناً، ومن ضروب المسخ أيضاً تحول الذكورة إلى أنوثة والأنوثة إلى ذكورة، فيتضرع هذا الممسوخ ويتوب ويعتذر باكياً، فيرأف به الإمام (عليه السلام) ويردّه إلى صورته الأولى وفطرته، وهذا النمط ليس رجعةً ولا تناسخاً، وإنما هو مسخٌ عيني.
والحاصل: أنّ المسخ أصنافٌ ومراتب متعددة تباين التناسخ تماماً:
• فهناك مسخٌ يقع في عالم البرزخ — والعياذ بالله — بأن يُحشر الإنسان ويُبعث فيه بصورة حيوان.
• وهناك مسخٌ دلت عليه الروايات المستفيضة والآيات القرآنية يقع في عوالم القيامة والنشأة الأخروية.
• وهناك أيضاً مسخٌ يقع في الرجعة كما صرّحت به بيانات أهل البيت (عليهم السلام).
ويتفرع على ذلك: أنّ ارتكاب الكبائر يستتبع مسخاً للبدن الغليظ، ومسخاً للبدن اللطيف الروحي؛ فارتكاب الكبائر يمسخ الإنسان ذاتياً في أحد أبدانه، فإن تاب وأناب رجع إلى طهارته الأولى. وقد ورد في كتاب غيبة النعماني[17] في تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[18] .
ففي قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [19] ، يفسّر الإمام الباقر (عليه السلام) قوله سبحانه: ﴿وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ بأنه المسخ[20] [21] ؛ فالمسخ الروحي هو الاتصاف بالأخلاق الرذيلة والملكات السيئة، بينما الأخلاق الفاضلة والكريمة هي مقتضى الفطرة الإنسانية السليمة.
والحاصل: إنَّ الخطوة الأولى في بحث الرجعة هي التمييز الدقيق بين التناسخ والرجعة والمسخ؛ إذ إنَّ للمسخ درجات وأنواعاً، وكذلك من الخطوات التأسيسية الالتفات إلى أنَّ الرجعة قيامة صغرى أو وسطى، ولها درجات وطبقات، وجميع ذلك يباين التناسخ والمسخ مباينة تامة.
المسانخة بين النوم والموت وأهمية المنهج في المعارف الدينية
وفي المأثور من مستحبات اليقظة والانتباه من النوم ورد: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَ مَا أَمَاتَنِي وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»[22] ؛ فإنَّ الإنسان أول ما يستيقظ من نومه تخور قواه وتفتر، والمبعوث من القبور أول ما يقوم تكون بعثته أشدّ من الموت وأشقّ، فالبعثة من الموت في الرجعة قد تكون شدتها ومرارتها أعظم من الموت؛ والوجه في ذلك أنَّ الإنسان عندما ينام تتعب قواه وتنفد طاقته وتغيب الروح عن الاستيلاء التام على الجسد، فعند الموت أو النوم تنهدّ القوى، وأول ما نُبعث تكون سيطرتنا على البدن ضعيفة جداً.
ومثال ذلك: التوصية الطبية المقررة بأنَّ الإنسان حين يستيقظ ينبغي له أن يتريث ولا ينطلق في المشي مباشرة؛ لأنَّ الروح لم تحكم سيطرتها وتصرفها بعدُ على البدن، فقد يُصاب بالتواء في رجله أو ركبته، ولا سيما لدى كبار السن؛ نظراً إلى أنَّ انبعاث الروح وتغلغلها في البدن لا يقع سريعاً، وذلك حذراً من الانزلاق الغضروفي أو السقوط، فمن ثَمَّ كان كلام النبي (صلى الله عليه وآله) معجزاً بالغ الإحكام في قوله: «لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَ لَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ»[23] .
والسؤال هنا: من هو صاحب المنهج التعبدي ومن هو صاحب المنهج العقلي الحقيقي؟ أهو الشيخ الصدوق[24] أم غيره؟ والنزاع هنا ليس في شخص الصدوق ولا في شخوص المتكلمين والفلاسفة، بل في صلب المنهج وقواعده؛ إذ نجد بعض من يُنسب للفلسفة لا يُعمل القراءة العقلية البرهانية دائماً، بينما يُصرّ الصدوق على إعمال القراءة العقلية وممارستها، وهذه عبرة منهجية بالغة تدل على أنَّ العبرة بواقع المنهج المطبّق لا بالدعاوى والتشدقات اللفظية.
وينطبق هذا التوصيف أيضاً على ما يجري في علم الرجال؛ إذ يُسمّى التقليد فيه اجتهاداً وتحقيقاً، بينما يُوصف الاجتهاد الحقيقي الواسع بالتساهل، وهذا تلاعب بالمسميات؛ فيُطلق عنوان الفلسفة على من لا يُعمل المنهج العقلي، بينما من يُصنّف بأنه محدث يمارس المنهج العقلي بدقة وإتقان، فالمدار كله على المنهج المتبع لا على الادعاءات والتسميات.