« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/04/04

بسم الله الرحمن الرحيم

دلالة آية التحكيم (النساء: ۶۵) ووظائف الأمة تجاه الحاكمية النبوية والامتداد المهدوي/البعد السياسي في التوحيد والولاية الإلهية /التفسير الموضوعي

 

موضوع: التفسير الموضوعي/البعد السياسي في التوحيد والولاية الإلهية /دلالة آية التحكيم (النساء: ۶۵) ووظائف الأمة تجاه الحاكمية النبوية والامتداد المهدوي

 

البعد السياسي في التوحيد والولاية ودلالة التحكيم القرآني

طبيعة مواجهة الأنبياء للطواغيت: امتزاج البعد العقائدي بالسياسي

مرّ بنا في قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[1] ، أنّ صورة هذه المحاجّة تبدو في ظاهرها محاجّةً عقائديةً، ولكن يَرِد هنا تساؤلٌ: هل كانت مواجهة إبراهيم (عليه السلام) لنمرود مواجهةً عقائديةً محضةً؟ أم إنّها مواجهةٌ سياسيةٌ مصبوغةٌ بالعقائد؟

وهذا بحثٌ مهمّ: فإنّ المستفاد من بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أنّه لا توجد مواجهةٌ عقائديةٌ محضةٌ لجميع الأنبياء، بل إنّ مواجهتهم للفساد في المجتمعات البشرية ومقارعتهم للطواغيت والحكّام كانت مواجهةً سياسيةً عقائديةً، أو عقائديةً سياسيةً اجتماعيةً، أو اقتصاديةً كمواجهة شعيب (عليه السلام) في مسألة المكيال والميزان، أو عقائديةً سياسيةً أخلاقيةً كمواجهة لوط (عليه السلام)، أو عقائديةً سياسيةً أمنيةً كمواجهة قوم صالح (عليه السلام) الذين كانوا يُخلّون بالأمن في المنطقة كالعصابات ويُفسدون في الأرض.

وحينئذٍ، فإذا تتبّعنا بدقّةٍ ما يستعرضه القرآن الكريم، نجد أنّ مسلك المفسّرين -للأسف- قائمٌ على تصوير مواجهة الأنبياء (عليهم السلام)، لا سيّما أولي العزم وعظماء الرسل، لأممهم أو لطواغيت عصرهم، على أنّها مواجهةٌ عقائديةٌ محضةٌ، وهو تصويرٌ غيرُ سديدٍ؛ إذ ليست هي بالعقائدية المحضة، ولا بالسياسية المحضة، ولا الاجتماعية المحضة، ولا الأمنية المحضة، ولا الاقتصادية المحضة، بل هي مزيجٌ مركّبٌ من ذلك كلّه، أو حقيقةٌ برزخيةٌ جامعةٌ بين هذه الشؤون، أو -كما أسلفنا- إنّ لغة الوحي تُعبّر عن المواجهة السياسية بلغةٍ عقائديةٍ، بل إنّ تحسّس القرآن والوحي من هذا الجانب أشدّ من مجرّد إثبات وجود صانعٍ وخالقٍ للكون أو هو على مستواه.

وهذه نكتةٌ بالغة الأهمية: ومقتضاها أنّ الوحي في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة قد يُعبّر عن المشكلة العقائدية بلغةٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ واجتماعيةٍ، ولا يكون مراده حينئذٍ مجرّد الشأن الاجتماعي أو السياسي بخصوصه، بل المزيج المؤلَّف منهما، وكذا في المقابل؛ إذ قد يُعبّر عن المواجهة السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية بلغةٍ عقائديةٍ محضةٍ دون أن ينحصر مراده في الجانب العقائدي النظري المجرّد، وهذا أصلٌ منهجيٌّ يؤثّر في مسار التفسير ومناهجه في سورٍ عديدةٍ، وفي فهم مشاهد سِيَر الأنبياء (عليهم السلام) تأثيراً جوهريّاً بالغاً.

وتأسيساً على ذلك: مرّ بنا في آية الكرسي تفسيرٌ إلهيٌّ لمفاد التهليل (وهو أصلٌ عقائديٌّ)، حيث فسّره الباري جلّ وعلا بلغةٍ سياسيةٍ في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾[2] ؛ فإنّ مفردة «الطاغوت» في الاصطلاح القرآني لم تُستعمل للدلالة على كفرٍ عقائديٍّ محضٍ أو شركٍ نظريٍّ صرفٍ، بل تدلّ على الطغيان السياسي والحقوقي والقانوني في الحاكمية ومقام السلطان.

ومن لطيف البيان القرآني: أنّ الله عزّ وجلّ حينما انتدب النبيَّين موسى وهارون (عليهما السلام) لمواجهة فرعون قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[3] ، ولم يقل: (إنه ادعى الألوهية) أو (ادعى الشرك) ابتداءً، وهذا الطغيان بعينه ترجمه القرآن في مواضع أُخر بأنّ فرعون قال﴿:﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾[4] ، وقال أيضاً: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾[5] ، وقال متوعّداً: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾[6] . فهذا الطغيان والتفرّد بالحاكمية السياسية وفرض الحقوق والقوانين الوضعية يُسمّيه القرآن ادعاءً للألوهية، ومقتضى دعوى فرعون للربوبية أنّ سلب الولاية السياسية والتشريعية والقانونية عن الله تعالى وجعلها لغيره يُعدّ بذاته ادعاءً للربوبية والألوهية.

نقد المنهج الاختزالي في فصل الشأن السياسي عن أصول العقيدة

تتحصّل من ذلك أزمةٌ منهجيّة في مصنَّفات المفسّرين من الفريقين، وكذا عند المتكلّمين والفقهاء (رحمهم الله)؛ وتتمثّل هذه الأزمة في حصر مفاهيم الشرك والكفر والربوبيّة والوثنيّة في الدائرة العقائديّة المحضة، في حين تُعدّ المسائل المتعلّقة بعالَم السياسة والاجتماع عندهم من الفروع العمليّة لا من الأصول الاعتقاديّة؛ فالشرك في منظورهم ينصرف إلى نحو إسناد خلْق السماوات والأرض إلى غير الله تعالى، أمّا ادّعاء الربوبيّة السياسيّة، أو التسلّط في الحاكميّة والولاية الاجتماعيّة، فلا يُدرِجونها في عداد الشرك ولا الكفر.

ومآل هذا التأصيل يرجع بدقّته إلى حصر العقيدة في دائرة المعرفة التوحيديّة النظريّة؛ كالتوحيد في الذات والصفات والأفعال، ومباحث النبوّة العامّة؛ وأمّا إدراج الولاية في صميم العقيدة فلا يرتضونه، لكون الولاية تستلزم القول بالولاية التشريعيّة والسياسيّة وإقامة الحكم وإدارة الدولة، وهي شؤونٌ يقصرونها عن الرتبة الاعتقاديّة، فيجعلون التوحيد النظريّ في الذات والصفات والنبوّة -بما هي تنظيرٌ فكريّ- من أصول الدين، في حين أنّ الباري جلّ وعلا حين يستعرض باب النبوّة في محكم كتابه لا يطرحه على النحو الذي يُقرّره المتكلّمون والفقهاء بهذا الاختصار المخلّ والمختزَل.

إذ لم يقل الباري تعالى: «فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يصدّقوك في الغيب»، لكون التصديق الغيبيّ مفروغاً منه في الرتبة السابقة، بل قال عزّ وجلّ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾[7] ؛ فالقرآن الكريم يطرح النبوّة في سياق فضّ النزاع الاجتماعيّ والقضائيّ، ومقتضى ذلك أنّ الإيمان ينتفي حتّى يتحقّق الانقياد التامّ لحاكميّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) السياسيّة والقضائيّة والتشريعيّة.

فإن قيل: ما وجه ربط حقيقة الإيمان ببسط الحاكميّة السياسيّة والانقياد لها؟

قلنا: إنّ المتتبّع لمصنَّفات المتكلّمين والفقهاء لا يظفر فيها ببيانٍ شافٍ لهذه الرابطة، بينما تُقرّر بيانات أهل البيت (عليهم السلام) تلازماً وثيقاً بينهما؛ فقضيّة الحاكميّة السياسيّة والاجتماعيّة قضيّةٌ مصيريّة بالغة الخطورة في لسان القرآن الكريم ومفاد الوحي المنزَل.

والشاهد فيه: تأكيد الآية الكريمة على نفي أصل الإيمان بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ﴾[8] ، لا حتّى يصدّقوك في مقام الإنباء والإخبار.

التحليل التفسيري لآية التحكيم (النساء: 65) والفوارق السياقية

ومدار البحث يقع في جهتين:

    • الأولى: بيان معنى مفردة التحكيم في قوله: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾.

    • الثانية: تحرير الفرق بين مفاد هذه الآية، وبين قوله تعالى في موضعٍ آخر: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[9] ؛ فإنّ المضمون فيهما متباينٌ بالدقّة، والتحليل المفصّل لمفردات الآيات الشريفة والروايات كلمةً بكلمة من الأهمّيّة بمكان.

وبيان الفرق بين الآيتين:

    • سياق الآية الأولى: ورد قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ﴾ في سورة النساء، وهي سورةٌ مدنيّة، في حين وردت الآية الأخرى في سورة الأحزاب.

    • ترتّب الوظائف المكلّف بها: إنّ الفرق بين السياقين دقيقٌ جدّاً؛ إذ إنّ قوله تعالى: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ يُقرّر وظيفةً إلزاميّة واجبةً على الأمّة سابقةً على صدور حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ تعقبها الوظيفة الثانية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ [10] ، وهو مفادٌ يغاير أيضاً ما ورد في سورة الأحزاب؛ ثمّ تتلوهما الوظيفة الثالثة المتمثّلة في قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ومقام التسليم هنا هو الذي يتّحد مفهوماً ومصداقاً مع قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [11] .

وظائف الأمة تجاه الحاكمية النبوية والامتداد المهدوي

تذكر هذه الآية الكريمة أربع وظائف ملقاةً على عاتق الأمة، إن قاموا بها تحقّق إيمانهم وإلا فلا إيمان لهم، وهي وظائف ترتبط بالسلطة ونظام الحكم ارتباطاً وثيقاً.

معنى التحكيم: فما معنى قوله تعالى: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾؟ إنَّ التحكيم هنا يفيد بذل القوة والعون والمدد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لكي يؤسس حكومةً ويسوس الأمة، مقتضاه بسط يده الشريفة، وجعل السلطة القضائية والسياسية إليه بحيث يتقاضون عنده وينقادون لأمره، فيمنحونه السلطة وبسط اليد والتمكين في الأرض.

عموم دلالة التشاجر: وقوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [12] ليس محصوراً في دائرة النزاعات الفردية والخصومات الشخصية، بل إنَّ النزاع في النظام السياسي وإقامة صرح المجتمع أمنياً وسياسياً وعسكرياً، وكيفية مجابهة الأعداء ودرء كيدهم، لهو أشدُّ خطراً وأعظمُ أثراً من النزاع الفردي، وكلُّ ذلك داخلٌ في حيز ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ في شتى المجالات التي تتباين فيها أنظار المكلفين وتتضارب فيها الآراء.

المسؤولية المهدوية: وتأسيساً على ذلك، فإنَّ الذي يبتعد عن حاكمية النبي (صلى الله عليه وآله) — بمعنى التمكين لحاكميته وحاكمية خليفته صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) — يغفل عن كون قضية الظهور الشريف من الوظائف والمسؤوليات الكبرى الملقاة على عاتقنا؛ إذ مفاد الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حتى يحكّموا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه)، فإن لم نُمكّنه ونُحكّمه في شؤوننا لم نكن مؤمنين، لكونه القائم مقامه والممثل لحاكمية رسول الله (صلى الله عليه وآله).

مشروع الحكومة العالمية: وتكمن صعوبة هذا التكليف في كون مشروعه (عجل الله فرجه) يتمثل في بسط الحكومة الإلهية العالمية في أرجاء الأرض قاطبة، وهو عين مشروع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[13] [14] [15] ، فهذه الحكومة العالمية التي أوكل النبي (صلى الله عليه وآله) مسؤولية إقامتها ونشرها إلى الإمام الثاني عشر (عليه السلام) إنما هي مسؤوليةٌ كبرى تقع على كاهل البشرية والأمة جمعاء، بل هي دخيلةٌ في قوام الإيمان وأصله، بحيث إذا تقاعسنا عن السعي لتحكيم حكومة النبي المهدوية في المعمورة سلب عنا كمال الإيمان وحقيقته.

دلالة القسم الإلهي: يقسم الله تبارك وتعالى قسماً مغلظاً بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [16] ؛ وبناءً على ذلك فإنَّ المتقاعسين والمتقاعسات، والقاعدين والقاعدات، والميئسين والميئسات، والمثبطين والمثبطات، والمحبطين والمحبطات، والمرجفين والمرجفات، والفارين والهاربين والجبناء الذين يقعدون عن السعي لتحكيم هذه الحكومة النبوية المهدوية العالمية، خارجون عن مقتضى هذا الإيمان بنص دلالة الآية الكريمة.

حقيقة الرضا القلبي: وقد دلت الروايات الشريفة على أنه بعد قيام الدولة واستقرار حكومة العدل الإلهي قد تنجم اعتراضاتٌ وتمرداتٌ في بعض الأوساط والنفوس[17] ، فتأتي الآية المباركة: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ؛ لتبيّن أنه لا يجتزأ بمجرد الإذعان الظاهري والسكوت اللساني، بل يجب أن تنتفي من بواطنهم وسرائرهم أدنى مشقةٍ أو حرجٍ أو ضيقٍ تجاه ما قضيته وأبرمته.

شمول الآية للشأن العام: ومقتضى قوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ استيعابُ كلِّ شأنٍ أمنيٍّ أو عسكريٍّ أو سياسيٍّ عام، على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[18] ، ومثله قوله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾[19] ، وقوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[20] ، فهذا السياق كلُّه واردٌ في تدبير الشأن العام ونظام الأمة لا في الخصومات الفردية، وإنَّ من أسباب المنعة والقوة التوحدَ والاعتصامَ بالأصول المشتركة المتفق عليها.

وجوب الطاعة المطلقة: ويتأكد هذا المعنى بما ورد في الأمر الصريح بطاعة القيادة الإلهية في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في مواضع متعددة من سورتي النساء[21] [22] والأنفال[23] [24] [25] ؛ فالآية الكريمة جعلت شرط تحقق الإيمان منوطاً بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾[26] .

تطبيق تاريخي: ومن أعظم وأخطر ما شجر بين هذه الأمة وأفضى إلى تفرق كلمتها ما وقع في السقيفة[27] ؛ حيث كان الفرض والواجب المتعين عليهم أن يحكّموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما رسمه لهم من نظام الإمامة والخلافة لا أن يُحكّموا أهواءهم وسقائفهم، وأن لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ولا ضيقاً مما قضاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبرمه في غدير خم[28] من ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لكنهم نبذوا ذلك العهد وراء ظهورهم وجعلوه نسياً منسياً.

قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ فإنَّ من أخطر الأمور التي شجرت في تاريخ البشرية والأمّة ما وقع في السقيفة؛ إذ كانت شجرةَ نزاعٍ سياسيٍّ، وأمنيٍّ، ومصيريٍّ، والشاهد في الآية الكريمة اشتراطُ التحكيم والتسليم لأصل تحقّق الإيمان.

تأصيل الرابطة بين الحاكمية والإيمان عبر مسألة «أركان الفروع»

فإن قيل: ما الوجه في إقحام البُعد الحاكمي السياسي، والقضائي، والتشريعي في أصل الإيمان، حتى جاء النفيُ مطلقاً في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟

والجواب: إنَّ هذا البحث ناظرٌ إلى الولاية السياسية في بُعدها العقائدي الركني، فلا يُظَنَّنَّ أنها مسألةٌ سياسيةٌ محضة أو من الفروع المجرّدة.

وتقريب ذلك: ما هو معهودٌ عند أعلام الفقه والعقائد والتفسير تحت عنوان «أركان الفروع»[29] ، وهو ما يُجلّي الصلة الوثيقة بين العقائد والفروع؛ ومثال ذلك: الصلاة، فإنَّ لها أبعاداً متعددة:

    • بُعدٌ ركنيٌّ عقائدي: لكونها عمودَ الدين بضرورة المسلمين، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله): «الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ»[30] [31] ؛ فلا يُتصوّر أن تكون عموداً للدين ومقوّماً له ثمّ تُعَدَّ من الفروع الصرفة، بل إنَّ أصل وجوبها والاعتقاد بفرضيّتها ركنٌ عقدي.

    • بُعدٌ عمليٌّ فرعي: وهو الأداء الخارجي وأجزاؤها وشرائطها؛ فالشيءُ الواحد تجتمع فيه جهاتٌ متعددة، بُعدٌ عقائدي وبُعدٌ في الفروع، وهذا أمرٌ غير ممتنع.

والشاهد الروائي: ما استفاضت وتواترت به الروايات الشريفة من أنَّ أركان الدين ودعائمه أو «أثافي الإسلام» — أي أسسه وقواعده — خمسٌ أو ستٌّ أو سبع، ومنها الولاية؛ وهذه الطائفة وردت بألسنةٍ شتّى ولكن مؤدّاها واحد، وهو إثبات الأركان والأعمدة والأسس والأثافي للدين[32] [33] ؛ وهذه الأبواب وإن تعلقت بالعمل والعبادة إلا أنَّ أصل وجوبها أمرٌ عقديٌّ ركنيّ من أصول الدين يجب التسليم والانقياد له؛ ومن هنا كان أوّل ما يصدّر به الفقهاء مباحث الصلاة هو أنَّ وجوبها من ضروريات الدين وأركانه، وأنَّ منكر وجوبها خارجٌ عن المِلّة، فكانت الصلاة ذات بُعدٍ عقائدي وبُعدٍ فرعي.

ومثالٌ آخر: الحج، فإنَّ أصل وجوبه من أركان الدين، وأداء مناسكه من الفروع، ولذا عُدَّ من «أركان الفروع»؛ لكونه ركناً في حيثية الوجوب وفرعاً في حيثية الامتثال، وهذا المطلب مبسوطٌ في مظانّه عند الأكابر.

والحاصل: إذا اتّضح هذا المطلب سَهُل إدراك أنَّ الواجبات السياسية، والعسكرية، والأمنية، والاقتصادية في النظام العام تنطوي على جهتين: فبعض حيثياتها من الفروع، وبعضها الآخر من صميم العقائد؛ كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [34] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 256]؛ فإنَّ الكفر بالطاغوت بالبراءة منه، وعدم تطبيع القلب والفكر على موالاة الطواغيت ومسيرتهم وسلطانهم، وإن كان من الوظائف السياسية المندرجة عملاً في الفروع، إلا أنَّ له بُعداً عقائدياً وثيقاً يمسّ أصل الإيمان.

انعكاس الموقف السياسي والنظام العام على سلامة الاعتقاد

ولماذا أخذها الله عزّ وجلّ في أعظم كلمة عقائدية في الدين، وهي التهليل: «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ»؟ فحيث لم يقتصر سبحانه على ذكر التهليل في آية الكرسي، قال تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [35] ، ومقتضى ذلك أنّ هذا النظام يشتمل على وظائف سياسية وعسكرية وأمنية ذات بُعد عقائدي وثيق؛ فإن لم يلتزم بها المكلَّف فإنّ أصل عقيدته وإيمانه يعتريهما خلل، وإذا التزم بالتطبيع مع العدو فكراً وقلباً زالت عقيدته وانتفى إيمانه.

والحاصل: إنّ القرآن الكريم قد يُبيّن العقيدة بلغة القانون، وقد يُبيّن القانون السياسي والاجتماعي بلغة عقائدية، كما قد يعكس الأمر فيُبيّن الفساد القانوني والسياسي والاقتصادي بلغة عقائدية؛ نظراً إلى أنّ هذا الشأن العام في أبعاده العقائدية أو السياسية أو الاقتصادية ذو وجهين متلازمين.

ومثال ذلك: أنّ انحراف أخلاقيات قوم لوط انجرّ بهم إلى خلل عقائدي صريح، بحيث عُوجلوا بعذاب دار الدنيا؛ وهذا العذاب والنقمة التي أحلّها الله بهم إنّما هو عذاب أخروي تجلّى في النشأة الدنيوية، فقُطع عنهم السبيل حتى إلى الرجعة التي قد يتأتّى فيها التدارك والتوبة؛ إذ إنّ الذين عذّبهم الله عزّ وجلّ بعذاب الاستئصال الدنيوي ليس لهم دَوْر ثانٍ للامتحان في الرجعة[36] ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾[37] ، فليس لهم دَوْر ثانٍ بل ينتظرهم الحساب في القيامة؛ ففرعون وقوم لوط وقوم صالح لا يرجعون في الرجعة، ولا تُتاح لهم فرصة أخرى.

والنتيجة: إنّه لا يسوغ لنا استسهال الفروع التي تتصل بالشأن العام في النظام السياسي والاجتماعي؛ لكونها ذات بُعد عقائدي أصيل، فإذا كان وجوب الحج — وهو وجوب ناظر إلى العمل الفردي للإنسان — يُعدّ من الأركان، فكيف بالأمور ذات الطابع العام التي تقوم عليها مصلحة الدين والمجتمع؟ وتأسيساً على ذلك، فإنّ التقصير في أداء الوظائف السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية في الشأن العام، والتنصل من المسؤولية فيها، يُعدّ ثلمةً ونقصاً في الولاية والإيمان.

كما أنّ عدم الطهارة الفكرية عند النظر في النظام السياسي، أو النظام الاقتصادي، أو العسكري، أو الأمني، أو في شأن الحاكمية وسنّ القوانين العامة — إذا لم يُطهَّر بجعل الحاكمية الخالصة لله لا للعباد — مفسدٌ لإيمان الإنسان وغير متمم له.

والشاهد فيه: ما أبلغه من بيان للإمام الباقر (عليه السلام) في كتاب «الكافي» في باب الجهاد، في رسالته إلى بعض خلفاء بني أمية، حيث أوضح أنّ الغاية العظمى من تشريع الجهاد تكمن في: «… الدُّعَاءُ إِلَىٰ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ طَاعَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَىٰ عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَىٰ وَلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وَلَايَةِ الْعِبَادِ»[38] ؛ فالمرء إذا تخلّق قلبه بالخضوع لولاية العباد وحاكميتهم بدلاً من ولاية الله وحاكميته، أورثه ذلك خللاً عقدياً كبيراً، وصار مصداقاً لنفي الإيمان الوارد في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [39] ، حين يُحكّمون البشر والقوانين الدولية الوضعية بدلاً من التحاكم إلى شرع الله ورسوله.

 


[15] سورة فتح، الآیة 28. بختام: ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
[17] الکافی- ط دار الحدیث، الشيخ الكليني، ج4، ص166. «انظر ما روي في لزوم التسليم التام لأمر المعصوم ونفي الحرج القلبي» ح2878.
[27] الإحتجاج - ط نشر مرتضی، الطبرسي، أبو منصور، ج1، ص73. وما بعدها. «يراجع تفصيل ما جرى في السقيفة وتداعياته».
[28] الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، العلامة الأميني، ج1، ص10. وما بعدها. «يراجع في توثيق واقعة غدير خم ونصوصها» .
[29] يُراد بـ«أركان الفروع» الواجبات العملية التي يُعدّ أصل وجوبها والاعتقاد بفرضيّتها ركناً عقدياً وضرورةً من ضروريات الدين، في حين يقع امتثالها الخارجي وتفاصيل أحكامها في دائرة الفروع الفقهية. — المحقق.
[32] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج2، ص18. «، باب “دعائم الإسلام”، ح1 و 4».
[38] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص3. كتاب الجهاد، باب “فضل الجهاد”، ح4.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo