« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/04/03

بسم الله الرحمن الرحيم

ألوهية الطغاة ومفهوم إقامة القرآن ومراتب التعاطي معه/فلسفة الجهاد وحقيقة الولاية الإلهية /التفسير الموضوعي

 

موضوع: التفسير الموضوعي/فلسفة الجهاد وحقيقة الولاية الإلهية /ألوهية الطغاة ومفهوم إقامة القرآن ومراتب التعاطي معه

 

ألوهية الطغاة ومفهوم إقامة القرآن وقنوات الوحي

فلسفة الجهاد وحقيقة التوحيد والولاية الإلهية

كنّا في بيان قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[1] .

فلسفة الجهاد وغايته: ومن اللطيف في هذا المضمار ما بيّنه الإمام الباقر (عليه السلام) في رسالته إلى خلفاء بني أمية[2] [3] ؛ إذ قرّر (عليه السلام) أنّ فلسفة الجهاد إنّما تبتني على دعوة العباد من طاعة العباد إلى طاعة الله، فالأصل في تشريع الجهاد وغايته الكبرى ورايته العظمى: إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن طاعة العباد إلى طاعة الله، ومن ولاية العباد إلى ولاية الله.

تجلّي الولاية الإلهية: وحينما يصرّح التنزيل بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[4] ، ويقرّر في موضعٍ آخر: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾[5] ، دلّ ذلك على أنّ ولاية الرسول (صلّى الله عليه وآله) — لكونه خليفة الله في خلقه — هي في حقيقتها تجلٍّ محض لولاية الله وسلطانه، بينما تكون ولاية غير الله عبارة عن تولّي العباد الذين انقطعت رابطتهم عن مقام الولاية الإلهية.

الجهاد ومواجهة الطغيان السياسي: إنّ فلسفة الجهاد — كما قرّرها الإمام الباقر (عليه السلام) — تتقوّم بإخراج المكلّفين من عبادة العباد إلى عبادة الله، مع أنّ الجهاد في واقعه الخارجي حركة عسكرية وسياسية تروم الإطاحة بعروش الأنظمة الطاغية. وقد أسند الشيخ الكليني (قدّس سرّه) في كتاب الجهاد بسند معتبر كالصحيح العلائي[6] عبارة الإمام الباقر (عليه السلام) في مكاتبته لبني أمية، حيث أكّد (عليه السلام) أنّ إحدى الغايات العظمى المقرّرة للجهاد هي تحرير العباد من طاعة العباد وعبادتهم وولايتهم إلى طاعة الله وعبادته وولايته؛ ومقتضى ذلك أنّ الانقياد السياسي للطواغيت ومتابعتهم في ولايتهم يُعدّان نمطاً من أنماط عبادة الطاغوت.

مفهوم الطاغوت في البيان القرآني: وقد وظّف القرآن الكريم مفهوم الانقياد السياسي في قوله عزّ من قائل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾[7] ؛ حيث أُطلق لفظ «الطاغوت» في الاستعمال القرآني على رأس الطغيان السياسي، وهذا الطغيان السياسي يُعدّ في ميزان القرآن ضرباً من دعوى الألوهية والربوبية؛ إذ إنّ لسان الوحي في الكتاب العزيز وسنة النبي والأئمة (عليهم السلام) يجعل تولّي الطاغوت والانقياد له عبادةً وتأليهاً واقعياً له.

الموازنة بين الغلوّ وتولّي الطواغيت: ومع أنّ الغلوّ والتأليه كلاهما انحراف باطل، إلا أنّ الانقياد للطاغوت وطاعته السياسية أشدّ كفراً وشركاً في ميزان التوحيد؛ فالتحسس من الغلوّ وإن كان مسلكاً حقاً متى ما انضبط بموازين الشريعة، إلا أنّه ينبغي في المقابل إبداء التحسس نفسه وبدرجة أشدّ تجاه عبادة العباد وتولّي سلطان الطاغوت.

والشاهد في التنزيل: ما أسلفناه في آية الكرسي من تقارن نفي الآلهة الباطلة بنفي الطواغيت من البشر، إذ لم يُستعمل لفظ «الطاغوت» في لسان القرآن الكريم إلا مراداً به الحكّام المستبدون من بني الإنسان؛ كقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[8] ، وما نطق به التنزيل في شأن عاد وثمود وفرعون: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾[9] .

مفهوم الربوبية السياسية وخطر الأوثان البشرية

إنَّ التبرؤ من الطاغوت هو كفرٌ به، وتولّي الطاغوت يعتبره القرآن الكريم عبادةً له تجب مجانبتها والكفر بها؛ ففي منطق القرآن الكريم ومنطق الثقلين تُعدّ الحاكمية للطاغوت نوعاً من ادعاء الربوبية والتأليه، وما يستعمله القرآن من لغة عقائدية في طواغيت البشر لا يُقصد به بالضرورة اعتقادهم بأنهم خالقو الأكوان، فحتى نمرود حين قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾[10] لم يكن يدّعي إيجاد أصل الخلق، وإنّما أراد أنّ مصير الناس وحياتهم بيده من موقع سلطانه السياسي، فيقتل من يشاء ويستبقي من يشاء، فيعدم ويقصي، وهذه في حدّ ذاتها ربوبية سياسية.

ولذلك كان تحسّس القرآن الكريم من هذه الربوبية والألوهية السياسية والطغيان السياسي أعظم حتى من تحسّسه تجاه عبادة الأوثان، ولأجل هذا قال تعالى في آية الكرسي: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾[11] ، فترجمت الآية معنى “لا إله إلا الله” بنفي ولاية الطواغيت وإسقاط ألوهيتهم، وقد ورد في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الأوثان البشرية أشدّ وثنيةً وشركاً وكفراً من أوثان الأحجار، نظراً لكون الانقياد للحاكم الطاغي خضوعاً واستسلاماً كلياً، وهذا المفهوم مستفاد بالدقة من بيانات القرآن الكريم نفسه.

تحريف المفاهيم ومراحل التعاطي مع القرآن وإقامته

وقد سعى الأمويون والعباسيون إلى قلب مفاهيم القرآن، مع أنّ تحريف المفاهيم أعظم خطراً من تحريف الألفاظ؛ فالغاية من الألفاظ هي تحصيل المعاني، فإذا طُمست المعاني ومُسخت فُرّغ القرآن من محتواه، وكان تحسّس أهل البيت (صلوات الله عليهم) تجاه المعاني أشدّ من تحسّسهم تجاه مجرّد الألفاظ، وهو ما يصدّقه الحديث الشريف: «وَكَانَ مِنْ نَبْذِهِمُ الْكِتَابَ أَنْ أَقَامُوا حُرُوفَهُ وَحَرَّفُوا حُدُودَهُ»[12] ، أي ضيّعوا حدود معانيه؛ فبينما تُقام المسابقات لنغمات الألفاظ وأصواتها، يقع البون الشاسع في فهم المعاني، ثمّ تأتي بعد فهم المعاني مرتبة إقامتها والعمل بها.

وقد ورد الحثّ على إقامة الكتب في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾[13] ، وإقامة الكتاب تقابل إقعاده وتجميد أحكامه ونبذه وراء الظهر واتخاذه مهجوراً، والوحي المنزّل لا ينحصر في الكتب السماوية وحدها، بل يعمّ السنن والبيان الصادر عن المعصومين (عليهم السلام)، فالواجب هو إقامة هذا الوحي امتثالاً للأمر الإلهي.

وكذلك جاء في النظم القرآني الجمع بين القيام والشهادة في قوله سبحانه: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾[14] ، وفي موضع آخر: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾[15] ، فالقيام يكون لله خالصاً لا انتصاراً للنفس ولا طلباً للرئاسة، وتارةً يقترن الإخلاص لله بالقيام وتارةً بالشهادة.

والشهادة هنا: تتضمن المراقبة والمحاسبة، فينبغي أن تكون المساءلة والمحاسبة متجهةً لله تعالى، منزّهةً عن الأهواء والأنانيات الشخصية.

في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل وحتّى في باب الجهاد، يجب أن يكون العمل خالصاً لله تعالى لا للنفس ولا لمآربها؛ فإنْ نهى الإنسان عن المنكر وأمر بالمعروف ليتجبّر على الآخرين ويتسلّط عليهم، فليس هذا في حقيقته أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، بل هو أمرٌ بالمنكر ونهيٌ عن المعروف. ومقتضى ذلك أنّ النقد متى ما كان لله سبحانه فإنّه يثمر، أمّا إذا كان نابعاً من تجبّر النفس وتكبّرها فلا قيمة له؛ فالإخلاص لله هو الملاك الذي يُطهّر الأعمال ويُنقّيها جميعاً.

وقد ورد في التنزيل العزيز الحثّ على أن يكون المؤمنون ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ ، وفي موضعٍ آخر: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [16] . والوحيُ الإلهيّ — سواءٌ في ذلك التوراة والإنجيل والقرآن — شأنُه أن يُقام ويُفعّل لا أن يُقعَد ويُجمّد، وهو نظيرُ ما ورد في الحديث الشريف عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»[17] . وكما جاء في سورة الحديد في قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾[18] ، فالغايةُ المتوخّاة هي إقامة القسط وتفعيل الوحي وإقامة التوراة والإنجيل، على حدّ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾[19] ، وقد تكرّر هذا المعنى في السورة نفسها في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾[20] . وكذلك فإنّ الخطاب متوجّهٌ بالدرجة الأولى إلى أهل القرآن ليُقيموا القرآن، بحيث لا يقتصرون على مجرّد تلاوته أو تدبّر معانيه، بل يتعدّى ذلك إلى التذكّر به وإقامته والتمسّك به بقوّة بعد فهمه واستيعابه.

وهناك مرحلةٌ أخرى: يُنوّه بها القرآن الكريم وهي مدارسة الكتاب، كما في قوله جلّ وعلا: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾[21] ؛ وتأسيساً على ذلك تتكامل مراحل التعاطي مع القرآن الكريم وما أُنزل على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من الوحي وسنّة المعصومين (عليهم السلام) على النحو التالي:

    • التلاوة.

    • التدبّر.

    • التذكّر.

    • المدارسة.

    • الإقامة.

التمايز القرآني بين إيتاء الكتاب والحكمة والنبوة

وفي هذا السياق يشير القرآن الكريم في الآية التاسعة والسبعين من سورة آل عمران: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾[22] ، إلى المغايرة والممايزة بين إيتاء الكتاب وإيتاء الحكم والنبوّة، وهي لفتةٌ قرآنيّة دقيقة تتكرّر في مواضع متعدّدة من الذكر الحكيم لتبين أنّ إيتاء الكتاب يمثّل مرتبةً وقناةً وحيانيّة تختلف في سنخها ورتبتها عن النبوّة.

ويتجلّى هذا التمايز: في مواضع عدّة؛ منها قوله تعالى على لسان عيسى (عليه السلام): ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾[23] ، وفي شأن آل إبراهيم (عليهم السلام): ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾[24] ، حيث يُثبت العطفُ في النظم القرآنيّ التغايرَ الحقيقيّ بين هذه المراتب. وكذلك ما جاء في سورة الرعد: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾[25] ، إذ لم يُعبّر عن «عِلْم الكتاب» بالنبوّة، بل هو قناةٌ وحيانيّة خاصّة ومغايرة لسنخ النبوّة.

وشاهدُ ذلك: ما ورد في شأن عُزير (عليه السلام) الذي لم يُوصف بالنبوّة في جملة من الأخبار المأثورة[26] ، مع أنّ الله سبحانه آتاه التوراة ليعيد إملاءها على بني إسرائيل بعدما أُحرقت وفُقدت؛ ومثله أيضاً إيتاء الحكمة المصرّح به في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾[27] ؛ ومحصّل ذلك كلّه أنّ إيتاء الكتاب والحكمة في منطق القرآن ليس ملازماً للنبوّة بالضرورة، بل هو اصطفاءٌ وحيانيّ أعمّ منها.

يقول القرآن الكريم: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[28] ، وقال في موضعٍ آخر: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾[29] ، فإتيان الحكمة يُعَدّ قناةً وحيانيةً مباينةً لغيرها، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾[30] ؛ إذ نصّت الآية على إيتاء ثلاثة أُمورٍ متغايرة: الكتاب، والحُكْم، والنبوّة، ومثله قوله سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾[31] .

وقد يُقال: إنّ عطف هذه العناوين بعضها على بعضٍ من قبيل عطف العامّ على الخاصّ أو الخاصّ على العامّ.

والجواب: أنّ الواقع والتأمّل في السياقات القرآنية يقضيان بوجود تغايرٍ وتمييزٍ حقيقيّ بين هذه المراتب.

وخلافاً لما يزعمه المتكلّمون من العامّة في علم الكلام، فإنّ قنوات الوحي والمواهب اللدنيّة الاصطفائية تتعدّد؛ وذلك لأنّ هناك مواهب لدنيّة ليست اصطفائية، كالذي أُوتي آيات الله فانسلخ منها — وهو بلعم بن باعوراء[32] — إذ توجد مواهب لدنيّة غير اصطفائية اكتسابية، وهناك مواهب لدنيّة اصطفائية؛ والمواهب اللدنيّة الاصطفائية قنواتٌ وحيانية لا يلزم أن تكون نبوّةً بالضرورة، مثل إيتاء العلم للذين أُوتوا العلم، وإيتاء الرحمة في قوله تعالى في شأن الخضر (عليه السلام): ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾[33] ، وكذلك الإمامة إيتاءٌ، والمُلْك إيتاءٌ؛ فالإيتاء والمواهب والهبة والاصطفاء اللدنيّ من الله تعالى أنواعٌ متعدّدة.

وهذا المعنى الدقيق لم يستوعبه علماء الكلام عند أهل السنّة، بينما نجد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بياناً واضحاً بأنّ هناك قنواتِ وحيٍ أُخرى غير النبوّة؛ فإتيان الكتاب في منطق القرآن ليس نبوّةً بالضرورة بل هو وحيٌ واصطفاء، والنبوّة شيءٌ آخر؛ فهناك وحيٌ نبويّ وهناك وحيٌ غير نبويّ.

ولو تتبّعتم موارد الإيتاء غير المقترن بالنبوّة في القرآن الكريم لوجدتموها تنقسم إلى خمسةٍ أو ستّةٍ أو سبعةِ أقسام، ومنها قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾[34] ، فالرشد إيتاءٌ، وإتيان الكتاب شيءٌ آخر؛ وإتيان الكتاب في منطق القرآن ليس بالضرورة نبوّةً، بل هو اصطفاءٌ ووحيٌ اصطفائيّ، كما في عُزير (عليه السلام) [35] الذي أُوتي التوراة بعد نبيّ الله موسى (عليه السلام) حين أُحرقت وأُتلفت في الأرض وفقدها أتباع النبيّ موسى (عليه السلام).

فائدة معترضة: ونرجع بعد هذا إلى أصل المبحث؛ وهو أنّ «إقامة القرآن» غير «تلاوة القرآن»؛ فالتلاوة ممهّدة، والتدبّر ممهّد، والتذكّر ممهّد، ومدارسة القرآن ممهّدة، ثمّ نصل بعد ذلك إلى إقامة القرآن، وإقامة القرآن مرتبةٌ أُخرى تباين ما تقدّمها.

 


[6] يُطلق «الصحيح الإعلائي» أو «العلائي» في اصطلاح الدراية على ما اتصل سنده بالعدول الإماميين الضابطين من أعلى مراتب الوثاقة وأجلّهم كأصحاب الإجماع، لعلوّ رتبته في الصحة ووثاقة رجاله. — المحقق.
[32] سورة الاعراف، الآیة 175. «أشار القرآن الكريم إلى قصّته في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.»
[35] عُزير: من كبار علماء وأحبار بني إسرائيل، ومشهور الروايات أنه أُوتي التوراة وأملاها حفظاً على قومه بعد إحراق بختنصّر لنسخها وهلاكه، دون أن يكون نبيّاً مرسلاً على أصحّ الأقوال. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo