48/04/02
عالمية الخطاب الديني والمشروع المهدوي وصلاحه الإنساني المشترك/سنن التغيير التكوينية والإصلاح الفكري /التفسير الموضوعي
موضوع: التفسير الموضوعي/سنن التغيير التكوينية والإصلاح الفكري /عالمية الخطاب الديني والمشروع المهدوي وصلاحه الإنساني المشترك
عالمية الخطاب الديني وسنن التغيير في المشروع المهدوي
أسبقية الإصلاح الفكري وسنن التغيير التكوينية
كنّا في بيان هذه الآية الكريمة التي تستعرض مواجهة نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) لجبابرة عصره وفراعنته ونماردته، وتتضمّن هذه الآية بُعداً آخر مفاده: أنَّ الإصلاح يبدأ من المنطلق الفكريّ والعقائديّ والتنظيريّ؛ ومن ثَمَّ وُصفت المسائل العقائديّة بأنّها أصول الدين، بينما أُطلق على الأحكام الفقهيّة فروع الدين؛ بياناً لتقدّم العقائد وأولويّتها وأهمّيّتها على الفروع، وإن كان الدين يمثّل في واقعه منظومةً واحدةً لا بدّ من التسليم بها والالتزام بجميع أجزائها صغيرها وكبيرها.
والحاصل: أنّه عند المقايسة بين مسائل الاعتقاد والمعرفة والفكر من جهة، والقوانين العمليّة من جهةٍ أخرى، نجد أنَّ المسائل العقائديّة والفكريّة يُعبَّر عنها دائماً بأصول الدين وأساسه، في حين يُعبَّر عن القوانين العمليّة بالفروع؛ ومقتضى ذلك أنَّ الإصلاح لا بدّ وأن ينطلق ابتداءً من الفكر.
والشاهد عليه: ما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[1] ؛ فإنَّ هذه الآية الكريمة في مفادها المطابقيّ الأوّليّ واردةٌ في مقام البيان التكوينيّ لا التشريعيّ، وإن كان يُستفاد منها التشريع. والبيانات التكوينيّة في القرآن الكريم تتّسم بكونها مطلقةً غير قابلةٍ للتخصيص أو التقييد؛ حيث يُدلي القرآن الكريم في موارد عديدة ببياناتٍ وسنن وظواهر تكوينيّة في أفعال الله (عزّ وجلّ)، وهي -مع كونها من أفعال الله التكوينيّة- منوطةٌ بفعل العباد، ففعلُ الله التكوينيّ في التغيير -سواءٌ كان من السيّئ إلى الحَسَن أو من الحَسَن إلى السيّئ- مرتبطٌ بأفعالهم.
ومثال ذلك: ما نجده في قوله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[2] ؛ حيث تبيّن الآية أنَّ التغيير من الحَسَن إلى السيّئ إنّما يقع بسبب أفعال العباد، وكذلك التغيير العكسيّ من السيّئ إلى الحَسَن منوطٌ أيضاً بأفعالهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[3] .
والنتيجة: أنَّ ثمّة آياتٍ متعدّدة في سورٍ مختلفة وبأساليب وألفاظ متنوّعة، تتضمّن بياناتٍ تكوينيّة تؤكّد أنَّ أفعال العباد هي السبب في وصولهم إمّا إلى السعادة الدنيويّة أو إلى الشقاء الدنيويّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾[4] . وهي آياتٌ تدلّ على أنَّ البُعد التكوينيّ للبشر في دار الدنيا منوطٌ بأفعالهم سلباً وإيجاباً، وهذه ظاهرةٌ تكوينيّة وفعلٌ تكوينيّ يبيّنه الله (عزّ وجلّ).
ربط السنن التكوينية بالمسؤولية التشريعية في عصر الظهور
إنَّ الآيات القرآنيَّة الكثيرة التي تشير إلى مثل قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[5] تُؤصِّل لقاعدةٍ مفادها أنَّ الطابع والواقع التكوينيّ للبشر منوطٌ بأفعالهم، وهو ما ينسجم مع بيانات أمير المؤمنين وأئمّة أهل البيت كالباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) في نحو: «كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى عَلَيْكُمْ»[6] ، و«لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[7] ؛ فالنظام الاجتماعيّ والسياسيّ والتكوينيّ مرهونٌ كلّه بأفعال البشر.
وهذا البيان التكويني: له مفادٌ تشريعيّ في غاية الأهميَّة؛ إذ إنَّ الله سبحانه عندما يُبيِّن سنّته التكوينيَّة التي لا تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً، فإنَّما يُبيِّنها ليحثّ البشريَّة ويُحرِّضها على إصلاح وتغيير أفعالها الجماعيَّة والمجتمعيَّة من السيّئ إلى الحَسَن، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [8] ؛ حيث جاء بيان الظاهرة التكوينيَّة وسيلةً للتحريض والبعث التشريعيّ نحو التقوى والإصلاح.
والنتيجة: إذا كان هذا العموم التكوينيّ غير قابلٍ للتخصيص، فإنَّ التشريع المنبثق منه غير قابلٍ للتخصيص أو التعطيل أو التجميد حتّى في عصر الغيبة الكبرى؛ ومن ثَمَّ فإنَّ فَرَج البشريَّة والمؤمنين والمسلمين مرهونٌ بفعل الناس وسعيهم لا محالة، لا سيّما وأنَّ الظهور الشريف هو أعظم تغييرٍ وأعظم سبيلٍ لسعادة البشر على الإطلاق.
ومن هذا المنطلق: فإنَّ الظهور يُمثِّل مسؤوليَّةً تقع على عاتق الأمَّة بنسبة مئة بالمئة، وليس معنى ذلك التفويض بل هو من باب «الأمر بين أمرين»[9] ؛ فلا يصحّ القول بأنَّ الظهور مجرّد قضاءٍ وقَدَرٍ لا شأن للناس بالإعداد له، أو أنَّ تأخيره واقعٌ من جهة الله سبحانه، بل التأخير ناشئٌ من عدم تحقّق التقوى والتغيير الإيجابيّ المطلوب من قِبل البشر، فالظهور مسؤوليَّةٌ ملقاةٌ على عاتق البشريَّة جمعاء، وليس فقط المسلمين والمؤمنين.
تنبيه: إنَّ لغير المسلمين نصيباً من هذا الفَرَج والبركات؛ إذ يُفرِّج الله بالإمام الثاني عشر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عن جميع مستضعفي الأرض، ومِن المبادئ العظيمة لدولة الظهور تحرير جميع المحرومين وإغاثة كافّة المستضعفين في العالم؛ وإن كان للمؤمنين والمسلمين النصيب الأوفر من ذلك متى ما ثبتوا على إيمانهم، إلّا أنَّ جوهر الظهور وطابعه العامّ قائمٌ على كونه فَرَجاً شاملاً للإنسانيَّة جمعاء.
والشاهد عليه: ما يُؤكّده منطق القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾[10] ؛ حيث لم يُقيّد المستضعفين بوصف الإسلام أو الإيمان، إذ تقع على عاتق الدِّين والإمام (عليه السلام) ونوّابه مسؤوليَّة إنقاذ كلّ مستضعَفٍ ومحرومٍ والدفاع عن كلّ مظلوم، وهو مبدأٌ مهدويّ أصيلٌ يتجلّى في حقيقة الظهور وبناء دولته العالميَّة.
عالمية المشروع المهدوي والخطاب الإنساني المشترك
وإذا تبيّن ذلك، فإنَّ مقتضى قوله تعالى في هذه الآيات وتأسيس هذه القاعدة الكليّة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[11] ، أنَّها شاملةٌ لعموم البشر من غير المسلمين أيضاً؛ إذ لا يغيّر الله ما بهم من سوءٍ أو ضيقٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.
ومقتضى ذلك: أنَّ قضيّة الظهور ومشروعه الإلهيّ يسهم فيه المسلم وغير المسلم، والمؤمن وغير المؤمن، فهي مسؤوليّةٌ مشتركةٌ تتعلّق بصالحٍ جامعٍ بين جميع الأمم والشعوب على اختلاف مللهم ونحلهم؛ فحبَّذا لو قُدِّم هذا الطرح المهدويّ بهذه اللّغة الإنسانيّة الشاملة، فإنَّه كفيلٌ بجذب سائر الشعوب واستقطابها حتّى مع عدم اعتناقهم للإسلام؛ إذ يلزم التركيز على أنَّ الظهور يمثّل فرجاً للبشريّة جمعاء، وأنَّه عنصرٌ وصالحٌ إنسانيّ مشترك لا يختصّ بأتباع أهل البيت (عليهم السلام) وحدهم، فلا ينحصر مشروع الظهور في دائرتهم الضيّقة ولا يتقوقع فيهم، بل ينبسط ليشمل سائر المسلمين وعامّة البشر في أرجاء المعمورة كافّة.
والشاهد على ذلك: ما نشهده في عصرنا الراهن من تعظيم بعض الدول والشعوب البوذيّة للإمام الحسين (عليه السلام)؛ نظراً لما بثّه (عليه السلام) في نفوس أتباعه من الجرأة والإقدام والشجاعة في مجابهة طاغوت العصر ونمروده، في حين تعجز كبرى الدول عن حيازة هذه الشجاعة، وذلك بعدما تلمّسوا بركات التمسّك بنهج الحسين (عليه السلام).
ومن الشواهد أيضاً: صدور أربعة تقارير شبه رسميّة عن الدولة الصينيّة في غضون ستّة أو سبعة أشهر تشيد بنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، لا انطلاقاً من إيمانهم بإمامته أو بكونه سبط النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بل بالنظر إليه بوصفه فكراً ومنهاجاً لتحرّر البشريّة؛ حيث صرّحوا بأنَّ مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) هي التي قلبت موازين القوى في العالم، وأنَّه ليس مجرّد ثائرٍ تاريخيّ فحسب، بل قائدٌ حيّ لا يزال يقود الإنسانيّة ويغيّر أنظمتها، وذلك استناداً إلى منهجه النضاليّ بمعزلٍ عن الأبعاد الغيبيّة، وكذلك الحال في مشروع الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فهو مشروعٌ تحرّريّ نضاليّ وكفاحيّ في وجه أعتى طواغيت العالم ومستكبريه.
ومثال ذلك كذلك: ما أقرّ به الروس في عام (2006م) إبّان انتصار أتباع أهل البيت (عليهم السلام)؛ فبعد عقودٍ متطاولةٍ من الهزائم والانكسارات، كانت راية أهل البيت (عليهم السلام) هي الراية الوحيدة التي حقّقت النصر المبين. وحيث إنَّهم ينظرون إلى الوقائع بميزان الأسباب والمسبّبات المادّيّة، فقد صرّحوا بأنَّ السبب الجوهريّ في تحقيق هذا الانتصار يكمن في عقيدة الحسين (عليه السلام)؛ وعلى إثر ذلك اعتمدت الأكاديميّات العسكريّة الروسيّة تدريس هذه العقيدة الحسينيّة بوصفها عقيدةً عسكريّةً نضاليّةً تحرّريّة.
والحاصل: أنَّ بركات مبادئ أهل البيت (عليهم السلام) والقرآن الكريم ورسالة الإسلام لا تنحصر في المسلمين ولا في المؤمنين، بل تعمّ سائر أرجاء البشريّة التي تلمس هذه البركات في مختلف البيئات والميادين؛ ومن ثَمَّ كان من الضروريّ ألا يُحصر الخطاب المرتبط بمدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) في الدائرة الإسلاميّة أو الإيمانيّة الخاصّة، لأنَّ نور الوحي والثقلين قائمٌ بذاته ويفرض حقيقته على الوجدان. وكذلك الشأن في سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين والسيّدة الزهراء (عليهما السلام)؛ إذ نجد اليوم شرائح واسعةً من غير المسلمين والمؤمنين يعظّمون هذه المبادئ السامية المتجسّدة في أصحاب الكساء (عليهم السلام) [12] ، لما يجدونه من أنَّ ارتباطهم الفكريّ والروحيّ بهم يورثهم السعادة والبركة في هذه الحياة الدنيا.
ولا يقتصر هذا التعظيم على المسلمين، بل نجد من غيرهم مَن يصرّح قائلاً: بقينا على نصرانيتنا، ولكننا مأخوذون بهذا النموذج العظيم، وإنّ ارتباطنا الفكريّ والنفسيّ والروحيّ بهؤلاء الأطهار -وإن لم نعتنق الإسلام- يُكسبنا بركاتٍ، ويورثنا حياةً طيّبةً وسعادةً في دار الدنيا. ومثلُ هذا الاحتفاء بسيّد الشهداء (عليه السلام) قائمٌ منذ قرونٍ متطاولة في الهند لدى أتباع الديانات الأخرى؛ إذ ينظرون إلى الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه عنواناً جامعاً للسعادة الإنسانية، بمعزلٍ عن اعتناقهم للإسلام، وهو احتفاءٌ ممتدٌّ عبر مئات السنين، وتشير بعض الدراسات التاريخية إلى امتداده المتّصل من واقعة الطفّ إلى عصرنا الراهن.
والنكتة المهمّة هنا: أنّ في الخطاب الدينيّ والقرآنيّ والنبويّ، وكذا في الخطاب الحسينيّ والمهدويّ والعلويّ، خصوصيةً بالغة الأهمية، وهي ضرورة عدم حصره في الدائرة الخاصّة بالمسلمين أو المؤمنين؛ لأنّ المبادئ التي أودعها الوحي عند الثقلين تستهدف الصالح الإنسانيّ المشترك، وهو معنىً خليقٌ بالالتفات والتدبّر.
والشاهد على ذلك: أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) صدع في يوم عاشوراء بمبادئ فطرية تحكم تفاصيل الدين وتهيمن عليها؛ بحيث لو كفر الطرف المقابل بالشرائع الوضعية أو الدينية، فإنّ هذه المبادئ تعلو فوق الجميع ولا يسوغ تجاوزها بحال، ومثاله قوله (عليه السلام): «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ، وَكُنْتُمْ لَا تَخَافُونَ المَعَادَ، فَكُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُمْ»[13] ؛ فالمبدأ الفطريّ الذي استند إليه الإمام هو عينُ جوهر الدين؛ لكون الدين منطبقاً على قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[14] . ونظيرُ ذلك إنشاؤه (عليه السلام) يوم الطفّ:
«المَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ العَارِ وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ»[15] ؛ إذ يُعدّ تقديم الموت على ارتكاب العار أصلاً في صون الكرامة الإنسانية التي تلتقي عندها البشرية جمعاء.
والحاصل: أنّه بات من الضروريّ بثّ مبادئ الوحي -سواء أكانت صادرةً عن القرآن الكريم، أم عن سيّد الأنبياء، أم أمير المؤمنين، أم الصدّيقة الزهراء، أم سيّدَيْ شباب أهل الجنة (عليهم جميعاً صلوات الله)- وتصديرها في الخطابين الحسينيّ والمهدويّ ببعدها الإنسانيّ الفطريّ المشترك بين بني البشر؛ لأنّ أيّ تحوّلٍ إيجابيّ يلتئم مع الفطرة وأصول الدين تعمّ بركاته العالمين، كما يرشد إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾[16] ؛ ممّا يدلّ دلالةً واضحة على أنّ نصرة المستضعفين تقع في صلب المسؤولية الدينية، وهو طرحٌ إنسانيّ رحب يتجاوز كلّ انغلاقٍ دينيّ أو مذهبيّ، حيث تمتدّ آثار الدين والولاء بالبركة حتى لمن لم ينتظم في سلكهما. وتأسيساً على ذلك، نجد النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد أجار غير المسلمين وحماهم انطلاقاً من مقتضى إنسانيتهم، وعقدت معه بطونٌ وقبائل شتّى معاهداتٍ وأحلافاً، وجرى على هذا السنن أمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر الأئمة الهداة (عليهم السلام)؛ حيث أفادت البشرية قاطبةً من معارفهم وحِكَمهم.
وقد بلغنا عن بعض أهل التجارة أنّ الصينيين يُعنون بحِكَم أمير المؤمنين (عليه السلام) ويستثمرونها في تنظيم شؤون معيشتهم وترتيب أجهزتهم ومؤسساتهم، دون أن ينطلقوا في ذلك من الإقرار بإمامته أو الدخول في ربقة الإسلام. وهذه البركات القرآنية والنبوية والولائية يؤصّل لها الذكر الحكيم ليغدو الخطاب الإنسانيّ جسراً ممتداً يصلنا بكافة الملل والنحل، ومن شواهده إرساء قواعد العدالة الاقتصادية المنصوص عليها في قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾[17] .
إنَّ العدالة لم تُحصر في دائرة المؤمنين أو المسلمين فحسب، بل اتَّسعت لتشمل عامَّة أرجاء البشر؛
والشاهد على ذلك: أنَّ نبيَّ الله يوسف (عليه السلام) أنقذ شعب مصر آنذاك، بل وشعوب المنطقة بأسرها، على الرّغم من أنَّهم لم يكونوا يدينون بما يعتنقه، فكانت حمايتهم ورعايتهم تمثِّل بُعداً إنسانيّاً مشتركاً لدى الأنبياء (عليهم السلام).
تنبيه: إنَّ التركيز على هذا البُعد الإنسانيِّ في الخطاب الدينيِّ لا يعني بحالٍ من الأحوال الانفساخ من الدِّين، ولا التملّص من ثوابته وأحكامه، بل هو نظير الخطاب المشترك مع سائر مذاهب المسلمين دونما مساسٍ بحقيقة الإيمان أو تنازلٍ عنها؛ إذ إنَّ هذا البُعد المشترك الذي يفهمه الجميع يُمكِّن من جعل قضيَّة الظهور مصيراً إنسانيّاً جامعاً تتعاون وتتعاضد البشريَّة من أجله.
والنتيجة: أنَّ العدالة المرجوَّة في دولة الظهور المباركة —التي «يَمْلَأُ [اللهُ بِهَا] الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»[18] — تؤكِّد الروايات الشريفة أنَّها تتحقَّق بإسلام الأنظمة وإرساء عدالتها، وهو ما يُجسِّد جانب العدل الإنسانيِّ في الدِّين، ممَّا يجعله بحثاً فكريّاً وتنظيريّاً يتطلَّب مزيداً من العناية والتركيز.