48/04/01
حقيقة التقيّة وعدم تجميد الجهاد، وقواعد التعبير القرآني بين اللسان التشريعي والتكويني/سنن الأنبياء والأئمة في مواجهة الفساد /التفسير الموضوعي
موضوع: التفسير الموضوعي/سنن الأنبياء والأئمة في مواجهة الفساد /حقيقة التقيّة وعدم تجميد الجهاد، وقواعد التعبير القرآني بين اللسان التشريعي والتكويني
سنن الأنبياء والأئمة في مواجهة الفساد وقواعد التعبير القرآني
سنّة الأنبياء في مقارعة الطواغيت وحقيقة التقيّة
قَد مَرَّ بنا أَنَّ القرآن الكريم يستعرض سُنَّة الأنبياء؛ فما مِن نبيٍّ — فضلًا عن أُولي العَزْم — إِلَّا وهو في مجابهةٍ للفساد الاجتماعيّ، أَو مقارعةٍ للطواغيت والفراعنة، فكان الأنبياء دائمًا في مواجهةٍ مستمرّة. وهذه المواجهة نالَهم منها التهديدُ بالقتل والإبادة والمخاطر الجمّة؛ وسلسلةُ القصص القرآنيّ التي يستعرضها الكتابُ العزيز عن الأنبياء تَتَضمّن بأَسرِها عدمَ التطبيع مع الفساد، وعدمَ الذوبان فيه أَو الاستسلام له، بل قوامُها الثباتُ في مناهضته، والاستقامةُ والإصرارُ بتدبيرٍ حكيم.
وقد بيّنّا في بحوثٍ أُخرى أَنَّ البعض يُفسِّر التقيّة بتفسيرٍ مقلوبٍ وممسوخ؛ في حين أَنَّ التقيّة في حقيقتها عبارةٌ عن دهاءٍ أمنيّ وتستُّرٍ ذكيّ لممارسةِ مُطلَق المسؤوليّات والوظائف الإلهيّة من دون إعاقةٍ مِن قِبَل العدوّ، وتفسيرُ التقيّة بالجمود وتجميد الوظائف وتَرْكِ المسؤوليّة إِنَّما هو فَهْمٌ قاصرٌ وخاطئٌ لها؛ ولذا فإِنَّ القصص التي ساقَها القرآن الكريم في سُوَرٍ عديدة عن سيرة الأنبياء (على نبيّنا وآله وعليهم السلام) كانت برُمَّتِها سيرةَ مخاطرَ وزلازلَ وتهديداتٍ بالقتل والتهجير والإبعاد.
والشاهد على ذلك: ما جرى لكليم الله موسى (عليه السلام)، حيث قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾[1] ، فهاجر عبر البراري خائفًا يترقّب، ثُمَّ لَمَّا رَجَع لم يُعْفِهِ ذلك من المسؤوليّة، بل خُوطِب بالأمر الإلهيّ الصريح: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ [2] ، فلم يَسقُط عنه التكليفُ بمواجهة الطغيان. وكذلك لَمَّا فرغ النبيُّ موسى (عليه السلام) من شأن فرعون وهلاكه، أُمِر بمواجهة العمالقة، كما في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[3] ، فكان مسيرُه متواصلًا من جهادٍ إِلى جهاد، وفي حقول الإصلاح الداخليّ والخارجيّ على حَدٍّ سواء، حتّى قال مناجيًا رَبَّه: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾[4] .
عدم تجميد الجهاد والدفاع في عصر الغيبة
وتأسيسًا على هذا الأصل: يتفرّع البحثُ الذي أَثَرناه مِرارًا في مسألة الجهاد بوصفه ركنًا من أَركان فروع الدين، ومفادُه: هل يمكن أَن يُجَمَّد الجهادُ في عصر الغيبة الكبرى؟
والجواب: كَلَّا، فإِنَّه لا يُجَمَّد أبدًا؛ إِذ ورد في الأَثر: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ»[5] ، فهل يُعقَل أَن يُغلَق هذا البابُ الإلهيّ في عصر الغيبة الكبرى؟! وحتّى على مبنى مَن يَشترط في الجهاد الابتدائيّ حضورَ المعصوم (عليه السلام) وبَسْطَ يده، فإِنَّه إِذا لم يكن الإمامُ مبسوطَ اليد ولا نائبُه، فهل يَسقُط أصلُ الدفاع؟ لم يقُل أَحدٌ مِن الفقهاء بسقوطه، بل تصل النوبةُ حينئذٍ إِلى كُلِّ مؤمنٍ ومكلَّف ليقوم بواجبه دفاعًا عن بَيْضةِ الدّين[6] .
والحاصل: أَنَّ الدفاع والدعوة إِلى حماية الثغور في الروايات لم تكن لأَجل تثبيت سُلطان بني العبّاس، وإِنَّما كانت لأَجل صيانة الإسلام ومَنع اندراس دين محمّد (صلى الله عليه وآله). فالإمام (عليه السلام) يُبيِّن أَنَّ فلسفة الدفاع عن البلدان ليست دفاعًا عن الدولة العبّاسيّة وحُكّامها الجائرين، تمامًا كما أَنَّ فقهاء الشيعة الإماميّة حينما أَفتَوا بالجهاد والمقاومة في فلسطين أَو في ليبيا أَو غيرهما من بلاد المسلمين، لم تكن فتواهم تأييدًا لرايةٍ معيّنة أَو دعمًا لنظامٍ بعينه، وإِنَّما أَفتَوا ذَوْدًا عن حياض الدين ولمَنْع اندراس معالم الإسلام. فهذا العِبءُ إِنَّما هو مسؤوليّةُ الإسلام والأُمّة بأَسرها، وليس عِبءَ فئةٍ خاصّة أَو مكوِّنٍ أَو شعبٍ معيّنٍ بالدرجة الأُولى.
مواقف الأئمة وتطابق سيرتهم مع سنن الأنبياء
تُعَدّ هذه الظاهرة محوراً من أمهات مُحْكَمات القرآن الكريم؛ فالقرآن يستعرض لنا دوماً سنن الأنبياء من أولي العزم وغيرهم، ومفاد هذه السنن أنَّ الأنبياء والرسل دعاةٌ لإصلاح النظام السياسي والاجتماعي والأخلاقي، ويواجهون الفساد والانحراف مهما كلَّفهم الأمر، بتدبيرٍ حكيم ودهاءٍ أمنيّ، فلا يتوانون في هذا المسير، وليسوا قابعين في الصوامع منعزلين عن واقع أممهم.
ومثال ذلك: نبيّ الله عيسى (عليه السلام) الذي أراد النصارى تصويره بصورة العابد الزاهد المنقطع الذي لا شأن له بالسياسة، قاصرين دوره على الرياضة الروحية وبثّ المواعظ الأخلاقية في المجتمع دون أن يخوض في الشأن السياسي أو الجهادي، وهذا بهتانٌ وزورٌ عليه؛ وإلا فلماذا سعت السلطة الحاكمة في عصره إلى تصفيته واغتياله حتى قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾[7] ، وقال عزّ من قائل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾[8] ؟ فلو كان (عليه السلام) قابعاً في صومعته تاركاً الأمور على عواهنها لما تعرّض لمثل تلك الملاحقة ومحاولات القتل، وإنما أوذي ولاحقته أجهزة السلطة لمقارعته الفساد واستنهاضه للحق.
وهكذا الحال: مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فالذي يروّج لتصوير الإمام الباقر أو الصادق أو الكاظم أو الرضا (عليهم السلام) بأنهم كانوا بمنأى عن السياسة والشأن العام فهو واهمٌ ومخطئ؛ إذ لو صحَّ ذلك الانعزال، فلماذا طوردوا ولاقوا صنوف التضييق وقُتلوا وسُمّوا، مع أنهم في الظاهر لم يرفعوا راية المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تتخذها السلطة ذريعةً لبطشها؟
والشاهد التاريخي على ذلك: ما رُوي عن المنصور العباسي في بيان مكمن خطورتهم، بما مضمونه أنَّ أشدّ ما يخشاه على عرشه وسلطانه ليس الحركات العسكرية الصادرة من بني الحسن، وإنما الخوف الحقيقي والرعب الواقعي على ملكه هو من الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)؛ لعلم الخليفة العباسي بأنَّ تأثير الإمام الصادق (عليه السلام) وبناءه للقواعد الشعبية وامتداده الفكري والجماهيري أعمقُ أثراً وأشدُّ خطورةً على بقاء الدولة العباسية من الثورات العسكرية المحدودة.
وحيث إنَّ: السلطة الحاكمة تمتلك أجهزة الرصد والقوة، فقد كانت تستشعر بدقة أين يكمن مركز الثقل والقدرة المناهضة لها؛ ولهذا نُقل في كتاب «مهج الدعوات» للسيد ابن طاووس[9] أنَّ المنصور استدعى الإمام الصادق (عليه السلام) بالإشخاص الأمني والعسكري تسع مرات من المدينة المنورة إلى العراق — وإن كان المشهور في التواريخ الاقتصار على مرتين أو ثلاث —، فتكرار هذا الاستقدام القسري تسع مرات يكشف عن حجم الهاجس الأمني لدى السلطة. فلماذا لم توجّه السلطة العباسية هذا التضييق والاعتقال لشخصيات كمالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل، وركّزت استهدافها على الأئمة (عليهم السلام)؟ ليس ذلك إلا لأنَّ مركز القيادة والرفض للظلم يتمثّل في أهل البيت (عليهم السلام)، حتى عبَّر المنصور بأنَّ لبني فاطمة شأناً عظيماً وخطراً داهماً على ملكه.
والحاصل: أنَّ هذه الشواهد متضافرةٌ في كتب الحديث والسِّيَر، وتكشف بوضوح عن السرّ الحقيقي وراء قولهم (عليهم السلام): «مَا مِنَّا إِلَّا مَسْمُومٌ أَوْ مَقْتُولٌ»[10] [11] ؛ حتى إنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) لمّا أشخصه المأمون العباسي من المدينة إلى خراسان، قُيِّدت حركته ومكث مدةً مسجوناً في مرو، كما يظهر من الروايات المنقولة في كتب الفقه والحديث — ومنها ما أُثبت في وسائل الشيعة في أبواب المواقيت — التي تنصّ على لقاء بعض أصحابه به في حبس مرو؛ فما أُقصي من أُقصي من أئمة الهدى، ولا شُرِّد من شُرِّد، ولا قُتل من قُتل، إلا لقيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناهضة الاستبداد والانحراف، وعدم انعزالهم عن مصير الأمة ورعاية شؤونها.
فلو كانوا قابعين ونائين بأنفسهم عن مصير النظام السياسيّ ومصير الأمّة، لما أصابهم ما أصابهم من التنكيل والملاحقة؛ فهذه السنّة يقرّرها القرآن الكريم في مسيرة الأنبياء والرّسل (عليهم السلام). وحيث إنّ القرآن يعرض سنن الأنبياء — ولا سيّما أولي العزم منهم — فليس غرضه أن نطالعها مطالعةً تاريخيّةً محضةً نزكّي بها معلوماتنا، بل لأنّ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾[12] ، فتكون عبرةً لنا في مقام التأسيس، ولمعرفة سنن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ومطابقتها لسنن الأنبياء؛ تأسّياً بمقتضى لزوم الإيمان بجميع الأنبياء وعهودهم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾[13] ، إذ لا تفريق بين هذه السنن الإلهيّة.
أصالة سنن الهداية وعدم شمول النسخ لأركانها
والقاعدة هنا: أنّ خطاب الله (عزّ وجلّ) للرّسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله): ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[14] ليس معناه اقتداء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بذوات الأنبياء كشخوص؛ فإنّ مقامه (صلّى الله عليه وآله) أرفع من أن يكون تابعاً لأحد، بل هو متبوع، وإنّما الاقتداء متعلّقٌ بهدي الله الموحى إليهم، كما أنّ الاتباع ليس لشخص إبراهيم (عليه السلام)، وإنّما هو لملّته؛ لكون الملّة من الدين وأجزائه، فهي دين الله لا دين شخص إبراهيم. والتحقيق يقتضي التدقيق في هذه العناوين؛ إذ بيّن سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) أنّ أركان الدين التي نهض بها الأنبياء لا يدخلها النسخ، فالهداية قائمةٌ غير منسوخة، وإنّما يطرأ النسخ على تفاصيل بعيدة في الفروع والشرائع؛ وإلّا فلو كان كلّ ما قرّره الأنبياء عُرضةً للنسخ لما كان لندب القرآن إلى تدبّر قصصهم وجه.
ومن شواهد ذلك: استعراض القرآن الكريم للمحاججة السياسيّة والعقائديّة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾[15] ؛ إذ ينبّه الوحي على لزوم النظر والتدبّر؛ فبالرغم من كون الملك الظاهريّ بيد الطاغوت، وكان النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في ظاهر الحال أعزل، إلّا أنّه لم يذب في سلطان نمرود ولم يستكن له، ولم تقتصر مواجهته على نمرود فحسب، بل جابه ملوك مصر والشام بأنماطٍ وأساليب متعدّدة.
وممّا ورد في هذا المضمار: ما جاء في شأن مسجد السهلة من كونه قاعدةً أمنيّةً وعسكريّةً لانطلاق النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في محاربة القوى العظمى المعبَّر عنها في الروايات بـ«العمالقة» — والمراد بهم أولو البأس والسطوة الجائرة — كما رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في فضل مسجد السهلة: «…فِيهِ بَيْتُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْعَمَالِقَةِ…»[16] ؛ ومقتضى ذلك أنّ لأرض الكوفة والعراق شأناً أصيلاً في بسط العدل وإنجاز الوعد الإلهيّ، ولهذا فإنّ النبيّ عيسى (عليه السلام) عند نزوله سينزل لمقارعة الطواغيت ومجابهة الاستكبار.
والحاصل: أنّ الأنبياء لا يرفعون أيديهم عن تحمّل المسؤوليّات الاجتماعيّة والسياسيّة مهما عظمت التحدّيات؛ فهذا نبيّ الله نوح (عليه السلام) قد لبث في قومه يدعوهم ويواجه انحرافهم ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾[17] ، فلم يفتر عن المواجهة، ولم يجزع، ولم يكلّ أو يملّ، ولم يستكن لواقع الفساد، بل استدام الإصرار منه على إصلاح الوضع العامّ في شتّى أبعاده وميادينه.
قواعد منهجية في التعبير القرآني والسنن التكوينية
تنبيهٌ منهجيّ: لقد مرّ بنا بيان قاعدةٍ تفسيريّةٍ وثيقة الصلة بمنهج فهم القرآن، ويجدر التذكير بها وبسطها؛ ومؤدّاها أنّ القرآن الكريم يعبّر عن الانحراف والفساد السياسيّ، أو القانونيّ، أو الاقتصاديّ، باللغة العقائديّة والانحراف العقديّ.
إنَّ المعروفَ أنَّ القرآنَ الكريم يستخدم اللغةَ الفقهية القانونية لبيان العقائد، أمّا أنه يستخدم اللغةَ العقائدية في بيان القوانين السياسية أو الاجتماعية أو الحقوقية والقضائية، فهذه نكتةٌ منهجيةٌ جداً في التفسير؛ وقد مرَّ بنا مراراً شرحُ ما في بيانات الوحي من ذلك، كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾[18] ، حيث يتبيّن كيف يُستدَلّ على التوحيد الأفعالي والتوحيد الذاتي بالبرهان والمثال الفقهي؛ وهذا أمرٌ معهودٌ في القرآن؛ أن يستخدم البراهينَ واللغةَ الفقهية القانونية لبيان دقائق التوحيد وغوامضه.
وكذلك العكس موجودٌ؛ إذ يستخدم القرآنُ اللغةَ العقائدية لبيان الانحراف السياسي، أو الانحراف الحقوقي والاجتماعي والأخلاقي، وهذا عكسُ القاعدة الأولى، ويُبيّنه أهلُ البيت (عليهم السلام) في مواطن متعدّدة من الآيات والسور؛ فالأصلُ في بيان العقائد بلغةٍ قانونيةٍ فقهية أو لغةٍ أخلاقيةٍ أمرٌ قائم ومتحقّق.
وهناك قاعدةٌ ثالثة: مرتبطةٌ بهاتين القاعدتين، وهي أنّ هناك موارد عديدة يُبيّن القرآنُ الكريم فيها الأمرَ التشريعي بلغةٍ تكوينية، مثل قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾[19] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[20] ، وهذا يشمل حتى عصر الظهور، وهو أعظمُ تغييرٍ ستشهده البشرية؛ إذ يندرج تحت هذه السنّة الإلهية، فأكبرُ تغييرٍ سيُحدثه الله في الأرض وفي المجتمعات البشرية بظهور صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) مشروطٌ بأن يقوم الناس بالتغيير ونصرة دين الله؛ وتلك القوانين التكوينية ليست حكماً تشريعياً يقبل النسخ أو التخصيص، بل هي سننٌ تكوينيةٌ آبيةٌ عن التخصيص.
ومن شواهد ذلك: ما بيّنه الأئمةُ الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) من أنّ عزّة المؤمنين والمسلمين مسبَّبةٌ تكويناً عن القوة العسكرية، وأنّ النأي والانعزال عن القضايا السياسية والعسكرية يُورث الهوان، كما ورد عنهم (عليهم السلام): «فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءِ»[21] [22] ؛ وهذه الروايات مبثوثةٌ في كتاب الكافي وكتاب تهذيب الأحكام في أبواب الجهاد، حيث يُبيّن الأئمةُ (عليهم السلام) الحكمَ التشريعي بلغة السنن التكوينية.
وكذلك الأمر في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما بيّنها أميرُ المؤمنين، وفاطمةُ الزهراء في الخطبة الفدكية[23] ، والحسن، والحسين، والسجاد، والباقر، والصادق (عليهم السلام)؛ ففي أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتب الحديث يُبيّن الأئمةُ (عليهم السلام) هذه المعادلة: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ»[24] ، فهذا تشريعٌ صيغ بلسان التكوين وسنن الله التي لا تقبل التبديل والتحويل: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾[25] ، وهو تشريعٌ آبٍ عن التخصيص في كل زمانٍ ومكان.
فهو تشريعٌ تكوينيٌّ بلسانٍ آبٍ عن التخصيص[26] ، جارٍ حتّى في عصر الغيبة الكبرى[27] ، وفي أيّ مكان. وتلك قاعدةٌ أخرى من هذه القواعد سنخوض فيها غداً بمزيدٍ من التحقيق والبيان إن شاء الله تعالى، بوصفها منهجاً تفسيريّاً.