« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/03/30

بسم الله الرحمن الرحيم

الفرق في حجية الحكمة والجدال الاحتجاجي/مراتب الدعوة: الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالأحسن /التفسير الموضوعي

 

موضوع: التفسير الموضوعي/مراتب الدعوة: الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالأحسن /الفرق في حجية الحكمة والجدال الاحتجاجي

 

حجية الحكمة والمضمون والفرق بين مراتب الدعوة والجدال

أساليب الدعوة وسنن الأنبياء في الاحتجاج والهداية

كنّا في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [1] ؛ حيث تُبيّن هذه الآيةُ الكريمةُ أنَّ الاحتجاجَ والجدالَ بالتي هي أحسنُ يُعدّ من سُنَن الأنبياء وسيرتِهم، كما في قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[2] .

والتقييدُ بالحَسَنة: يَدلّ على أنَّ أسلوبَ الوعظِ قد يكون حَسَناً وقد يكون سيّئاً مع كونه وعظاً؛ واللطيفُ في وصفِ سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) في إحدى زياراته الشريفة أنّه: «…وَدَعَوْتَ إِلَى سَبِيلِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ»[3] ، فأضافَ صفةَ “الجميلةِ” زيادةً على الحَسَنة، وذلك للدلالة على الجاذبيّةِ والجمال؛ فالموعظةُ تتنوّعُ إلى حَسَنةٍ وغيرِ حَسَنة، والحَسَنةُ تنقسم إلى جميلةٍ جذّابة وغيرِ جميلة.

وقد صنّف الشيخُ الطبرسيّ (رحمه الله) في بابِ الاحتجاج كتاباً قيّماً[4] ، ويُعدّ تأليفُه لهذا السِّفْرِ التفاتةً علميّةً رائعة، كما يُمكن الاستدراكُ عليه بما عقده العلامةُ المجلسيّ في «بحار الأنوار» من أبوابٍ واسعةٍ في احتجاجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) [5] ؛ حيث استدركَ عليه رواياتٍ كثيرة، وهذا البابُ وثيقُ الصِّلَة ببابِ الحوار.

وقد مارسَ آباءُ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأجدادُه، وكذلك آباءُ أمير المؤمنين (عليه السلام)، الهدايةَ بأسلوبٍ خفيٍّ ورمزيّ، كما مرّ بنا مراراً في سيرة عبد الله، وأبي طالب، وعبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف، إلى آخر السلسلة الطاهرة؛ حيث أدَّوا أدواراً عظيمةً في هداية البشر دون أن يُفصِحوا عن هويّتِهم الاصطفائيّة، فكان الناسُ يعرفونهم بهويّتِهم البشريّة دون هويّتِهم الغيبيّة الملكوتيّة الاصطفائيّة، ومع ذلك نهضوا بمسؤوليّاتِهم؛ لأنَّ هذه الأدوارَ لا تتوقّفُ بالضرورةِ على معرفةِ الطرفِ الآخر بالهويّةِ الاصطفائيّة أو الغيبيّةِ للقائم بالهداية.

والنكتةُ هنا: في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾، حيث قال «بِالْحِكْمَةِ» ولم يقل “بالحكيم”، والفرقُ بينهما أنَّ الحكمةَ يُنظَرُ إليها بذاتِها بغضِّ النظر عن شخصِ الحكيم؛ ومن هنا ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَخُذِ الحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ»[6] ، فلو وجدَها عند منافقٍ أو كافرٍ لأخذَها؛ وذلك لأنَّ الحكمةَ تكمنُ حُجّيّتُها في ذاتِها لا فيمن يحملُها أو يُؤدّيها.

وقد ورد في «إرشاد القلوب» للديلميّ حديثٌ قدسيٌّ ونبويٌّ ومرويٌّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يُبيّن أنَّ الله تعالى يُعطي الحكمةَ حتى للكافر وتكون حُجّةً عليه[7] [8] ، وهو يُطابقُ معنى الحديث: «الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ أَيْنَمَا وَجَدَهَا أَخَذَهَا»؛ ومؤدّاه أنَّ المحتوى هو المعتَبَرُ بصرفِ النظر عن حاملِه، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾[9] ، فالجائي بالخبر وإن كان فاسقاً لم يُهمَل خبرُه بالكلّيّة، بل طُلِبَ التثبّتُ والتبَيُّنُ من المتنِ والمحتوى؛ ومن ثمَّ تَدلّ آيةُ النبأ على مبنى الشيخ المفيد[10] [11] ومتقدّمي الإماميّة من أنَّ المدارَ في الحُجّيّةِ على المتن والقرائن الحافّة به لا على مجرّد وثاقةِ الطريق وسلسلةِ السند.

وكذلك تَدلّ آيةُ النَّفْرِ: في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[12] دلالةً مؤكَّدةً على أنَّ الاعتمادَ على المتنِ لا على خصوصِ الطريق؛ إذ لم تشترط الآيةُ الكريمةُ خروجَ العدولِ خاصّةً بل أطلقتِ النَّفْرَ، كما جاء في خطبة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في مسجدِ الخَيْف بحجّة الوداع: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ…»[13] ، ثمّ أمر قائلاً: «…يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ…»[14] ، وهو أمرٌ موجَّهٌ إلى الأمّةِ بأسرِها وليس خاصّاً بالعدول؛ لأنَّ المدارَ قائمٌ على المحتوى والمتنِ لا على شخصِ الراوي والطريق.

إنَّ هذا الإشكال مصادرةٌ على المطلوب؛ ففي الحديث القدسي: «يَا أَحْمَدُ، إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاعَ بَطْنُهُ وَحَفِظَ لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الْحِكْمَةَ، وَإِنْ كَانَ كَافِراً تَكُونُ حِكْمَتُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَوَبَالاً»[15] ، وهناك مصادر أخرى ورواياتٌ بألسنةٍ متعددة تؤكّد هذا المعنى.

وهنا نكتةٌ لطيفة: في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾[16] ، حيث جاء الأمر بالدعوة بالحكمة لا بالحكيم، ومقتضى ذلك عدم النظر إلى الأشخاص وذواتهم؛ وهذا أمرٌ بالغ الأهمية حتى في الفقه السياسي، فهل المقصود حكومة الدين أم حكومة المتدين؟ وهل هي حكومة الفقه أم حكومة الفقيه؟ فلو فُرِض وجود تحسّسٍ من الفقيه أو المتدين أو الإسلاميين، فالكلام ليس في الحاكم وشخصه، بل الكلام في الإسلام ذاته: هل يحكم أم لا؟ وقد بيّنت الآية الكريمة أنَّ الدعوة تكون بتوسّط الحكمة، والحكمة ينطوي في ذاتها البرهان، أو تكون مطابقةً للمحكمات؛ وسُمِّيت حكمةً لاشتمالها على الإحكام، وفوق كلّ حكمةٍ حكمة، وفوق كلّ إحكامٍ إحكام.

وهذا يوضح الفرق الدقيق: الذي يجب الالتفات إليه بين حكومة الفقه وحكومة الفقيه، وحكومة الدين وحكومة المتدين؛ فالبعض لا يميّز بينهما، فإذا كان عنده تحسّسٌ من الفقيه تحسّس من الفقه، وهذا خلطٌ بيّن، وإذا كان عنده تحسّسٌ من العلماء تحسّس من العلم، مع أنَّ العلماء شيءٌ والعلم شيءٌ آخر.

والقاعدة هنا: أنَّ الحكمة -كما ورد في الأثر-: «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ»[17] ؛ فالحكمة تعرّف نفسها بنفسها، على حذو ما ورد في الحديث الشريف: «خَلَقَ اللهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ»[18] ، ومن ثمَّ فإنَّ الحكمة لا تعتمد في الوصول والإيصال والحجية على عدالة حاملها أو موصلها، ومآل ذلك أنَّ الهداية والرشاد لا يتوقفان على معرفة شخص الموصل لا نفياً ولا إثباتاً.

ومثال ذلك: ما جرى في قصة ابني آدم، فالإراءة لم تعتمد على حجية الغراب؛ إذ ليس الغراب نبيّاً ولا إماماً ولا ملَكاً، ولكن لله جنوداً في التنبيه، وكذلك كان دور الهدهد مع سليمان (عليه السلام) دور إرشادٍ وتنبيهٍ وإيقاظٍ وإحداثٍ للتصور، كما كان دور الغراب في قوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾[19] ؛ أي مجرد إعطاء صورةٍ وتصور.

والحاصل: أنَّ قابيل عندما رأى ذلك التصور لم يلتفت إلى شخص المرسل أو دور الوسيط، وإنما أدرك النتيجة بوجدانه وعقله، وقال كما حكى القرآن الكريم: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾[20] ، فكان ذلك توبيخاً لنفسه وصحوةً في ضميره، مستقبحاً تركه لجسد أخيه بالعراء بعد قتله.

قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [21] ؛ والمقصود من هذا المطلب أن إيصال الغراب لما أراد الله (عز وجل) إيصاله لا يعتمد على حجية الغراب في نفسه، ولا يعتمد على معرفة قابيل لمصدر الإرسال وجهة الصدور، بل يعتمد على نفس الحكمة القائمة في ذاتها؛ فإن قوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ حُكْمٌ عقلي تحكم به الفطرة الإنسانية، وهذا الحكم الفطري قد غفل عنه قابيل لولا أن الله (سبحانه) أوقظه له، وأرشده ونبّهه إليه بتوسط فعل الغراب.

والقاعدة هنا: أن التنبيه والإشارة والإيماء والرمزية تكمن حجيتها في المحتوى والمضمون، لا في قناة الإيصال ولا في شخص المُوصِل، ولا تتوقف على معرفة المرسِل؛ بل هي حجية ذاتية في صميم المضمون، والدائرة المركزية للعلوم الدينية تبتني على هذا الأصل، أي الاعتماد على الحُكم القائم في واقع المضمون.

وكذلك الأمر في باب الرؤيا؛ إذ عقد القرآن الكريم سورةً كاملةً باسم نبي الله يوسف (عليه السلام)، وكان من محاورها الرئيسة في مطلعها قول يوسف (عليه السلام): ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾[22] ، ورؤيا الأنبياء وحيٌ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾[23] ، غير أن السورة لم تقتصر على رؤيا الأنبياء، بل أوردت رؤيا صاحبي السجن، وذكرت رؤيا ملك مصر؛ ورؤيا ملك مصر كانت تعتني بالشأن العام والمصير الاقتصادي للأمة: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾[24] ، وهذه الرؤيا ترتبط بمجتمع مصر وعموم المنطقة، بل يرى بعض المتضلعين في هذا الشأن أن الرؤى المذكورة في هذا السياق مرتبطة كلها بالشأن العام.

وهذه الرؤيا لم يُنزلها الله (تبارك وتعالى) ابتداءً على نبي الله يوسف (عليه السلام)، وإنما رآها ملك مصر، فهل منع ذلك النبي يوسف (على نبينا وآله وعليه السلام) من الأخذ بها وترتيب الأثر العملي عليها؟ إن المقدار الذي رآه النبي يوسف (عليه السلام) بالوحي الخاص هو قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، وأما الرؤيا الأخرى فرآها ملك مصر، ومع ذلك أنزل الله (عز وجل) وحيه وتدبيره وحكمه تِباعاً لها؛ فهل ارتبط تدبير يوسف (عليه السلام) واحتجاجه بكون الملك ذا شأن اصطفائي؟

والجواب: كلا، بل كان اعتماده على مضمون الرؤيا وواقعها وما تحمله من دلالة، ونظير ذلك ما فعله ذلك الحكيم من مستشاري ملك مصر حين ردّ اعتراض كهنة الأوثان وسدنة المعبد عندما قالوا: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾[25] ، مُبيّناً أن حكم العقل يُلزم بالاحتياط والتدبير والتخطيط والقيام بالمسؤوليات إزاء المصير والشأن العام.

وكذلك الشأن في تعبير النبي يوسف (على نبينا وآله وعليه السلام) لرؤيا صاحبي السجن في قوله: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾[26] ؛ فالحجية هنا لم تنشأ من خصوص شخص الرائي ولا من مجرد صورة المنام، وإنما استقرت الحجية في المضمون والتأويل الإلهي الحق.

والحاصل: أن هذه الآية الكريمة تفتح باباً معرفياً عظيماً: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[27] ؛ فبحسب البيان القرآني، تُعدّ الحكمة — وهي البرهان — أعظم رتبة من الجدال والاحتجاج، كما أن أسلوب الإرشاد والتنبيه أعظم أثراً في الحجية وفي الهداية حتى من الاحتجاج والجدال.

بل إنَّ الإرشاد والتنبيه أعظمُ في الحجّيّة والهداية حتّى من الاحتجاج والجدال؛ إذ لم يقل الله (عزّ وجلّ) في الحكمةِ حَسَنةً أو أحسنَ، بل قال: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [28] ، بخلاف ما قد يكتنف الجدالَ من الاستفزاز والإظهار والمصارعة والأنانية.

والوجه في ذلك: أنّ الحكمةَ أسلوبٌ ألطف؛ لكون الحكمة مرتبطةً بالعقل، في حين أنّ الموعظةَ مرتبطةٌ بالنفس، ومقامُ العقل فوق النفس، كما أنّ الموعظةَ في النفس فوق المصارعة والمجاذبة والمشادّة؛ إذ الموعظةُ تشتمل على الخطابة، أمّا المجادلةُ ففيها شائبةٌ من المماراة.

تنبيه: إنَّ باب الإرشاد والتنبيه بابٌ كبيرٌ جدّاً ومنضبطٌ بضوابط رصينة؛ ولذلك كان عندنا قرآنٌ وعندنا صاحبُ القرآن وهو الإمام (عليه السلام)، ولن يفترقا[29] .

والحاصل: أنّ هذه الشؤون مجتمعةً تؤثّر تأثيراً كبيراً حتّى في باب تراث الحديث، الذي يعتمد على المتن والتعقّل والعلم والفقه والتفقّه والاجتهاد؛ حيث تكون الحجّيّةُ بلحاظ المضمون، ويكون عرضُ المضمون على كتاب الله عرضاً فقهيّاً واجتهاديّاً وليس عرضاً رجاليّاً، انطلاقاً من كون القرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[30] ؛ فالإحكامُ يمتّ بصلةٍ وثيقةٍ إلى الحكمة، وكونها ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقتضي بالضرورة كونها هي المرجعَ والميزان.

 


[5] بحار الأنوار - ط مؤسسةالوفاء، العلامة المجلسي، ج9، وج10، أبواب احتجاجات النبي والأئمة (عليهم السلام). — المحقق.
[13] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص403. باب ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالنصيحة لأئمة المسلمين، ح1.
[14] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص403. باب ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالنصيحة لأئمة المسلمين، ح2.
[18] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص110. باب “الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل”، ح4.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo