48/03/27
سنن الأنبياء والأئمة في مواجهة الطغاة ومقارعة الاستبداد/لغة القرآن القانونیة والفقهیة فی بیان العقائد /التفسير الموضوعي
موضوع: التفسير الموضوعي/لغة القرآن القانونیة والفقهیة فی بیان العقائد /سنن الأنبياء والأئمة في مواجهة الطغاة ومقارعة الاستبداد
بيان العقائد الوحيانية باللغة الفقهية والقانونية
سنة الأنبياء في مواجهة الطغيان وأساليب هداية الطغاة
يقول الله عزّ وجلّ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي انظر بعين العبرة والبصيرة إلى تلك المحاجّة والمشادّة التي جرت بين نبي الله إبراهيم (عليه السلام) وأكبر طاغوتٍ جبّار، وكذلك ما كان من شأن موسى (عليه السلام) مع فرعون، وهذه هي سنّة الأنبياء كافّة؛ ففي حين يستعمل النبي أسلوب المداراة واللّين، فإنه لا يُهادن ولا يُطبّع مع الطاغوت بحال. وقد جمع الله تبارك وتعالى بين هاتين التوصيتين في خطابه لموسى (عليه السلام)؛ فقال لنبيه: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[1] ، فوصفه بـ«الطغيان» ولم يصفه بالحكمة أو العقل، ثم قال له ولأخيه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[2] ، وفي موضعٍ آخر: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾[3] ، فالغرض والغاية إنّما هما الإرشاد والهداية، من غير أن يذوب نبي الله موسى (عليه السلام) في انحراف فرعون؛ لا فكريّاً ولا تخطيطيّاً ولا إداريّاً.
وحين أوصى الله تعالى نبيّه موسى وأخاه هارون (عليهما السلام) باللّين لم يكن ذلك مداهنةً ولا تنازلاً عن المبادئ، بل قال له: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾[4] .
والشاهد فيه: أن القرآن الكريم يشرح في موارد عديدة مضمون مطالبات موسى (عليه السلام) من فرعون وجوهرها؛ كقوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[5] ، وهي مطالباتٌ صريحة وواضحة لا تُمثّل اصطفافاً مع فرعون ولا اندماجاً في مشروعه، على الرغم ممّا كان يملكه فرعون من سطوة الدولة وأسباب القوّة؛ إذ لم يثبت قطّ في التاريخ الإلهي أن نبيّاً من الأنبياء أو وصيّاً من الأوصياء قد ذوّب نفسه أو أتباعه في مشاريع الطواغيت ومخططاتهم، بل كانت سيرة الأنبياء (عليهم السلام) قاطبةً قائمةً على المجاذبة والمناكفة والمواجهة مع الطغاة بآلياتٍ متعدّدة وأساليب متنوّعة؛ منها الناعمة، ومنها الباردة، ومنها الساخنة.
وفي قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [6] ، نجد أن الطغيان والاستكبار إنّما نشأ بسبب التمكين وبسطة اليد، وهو بابٌ من أبواب الابتلاء والامتحان؛
والقاعدة هنا: ما بيّنه القرآن الكريم من ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾[7] ، ومن هذا المنطلق بعينه يوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) [8] ببرنامجٍ روحيٍّ رصين يقيه مزالق الطغيان والتجبّر؛ فإنّ الإنسان متى حاز السلطة وتوسّعت صلاحياته تسلّل إليه داء التجبّر والاستعلاء، وعلاجه الحاسم يكمن في تلك الآليات والضوابط التي قرّرها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضمن منظومة التربية الروحية والأخلاقية للحاكم.
تنبيه: إنّ قول الطاغوت المحكيّ في التنزيل: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [9] ليس بالضرورة أن يكون وارداً بلغةٍ كلامية أو اصطلاحاتٍ لاهوتية محضة، بل يمكن التعبير عنه باللغة السياسية المعاصرة؛ كأن تدّعي قوّةٌ عظمى أو دولةٌ مهيمنة أنّها هي وحدها التي ترسم أمن البشر وتملك مفاتيح السلم والاستقرار في العالم.
وهذه نكتةٌ مهمّة جدّاً: في فهم الأسلوب القرآني؛ فإنّ قول فرعون على سبيل المثال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾[10] لم يصدر بالضرورة بلغةٍ عقائدية كهنوتية، بل قد يُطلقه الطاغية بلسانٍ سياسيٍّ وقانوني، مؤدّاه أنّه هو المشرّع الأوحد والمدبّر المطلق لشؤون المجتمع، وأنّه يُنزل العقوبة الصارمة بكلّ من يحتكم إلى قانونٍ سواه، أو ينسب الشرعية والتقنين إلى السماء أو إلى دينٍ أو منظومةٍ قيمية مغايرة لإرادته وسلطانه.
إنّ جبابرة الطغاة في الأمم والحضارات السابقة لم يطرحوا دعاويهم بلغةٍ عقائدية أو لغة مِلَلٍ ونِحَلٍ وطقوسٍ بالضرورة، وإنما ورد في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) بيانٌ بديع، حيث يُبيّنون أنّ المراد بالربوبية كثيرًا ما يكون بلغاتٍ أخرى؛ كبلغة القانون، أو لغة السياسة والحكم، أو لغة العسكر؛ فإذا قال طاغيةٌ: «إنّ محور التقنين لسعادة البشر أنا أشرّعه لا غيري»، فهذه ربوبيةٌ، وإذا قال: «إنّ إدارة البشر نحو الكمال والنمو والسلام والأمن أنا أديرها لا غيري، ودع عنك الإنجيل والتوراة والقرآن وما شاكل ذلك»، فهذه ربوبيةٌ. ولذلك قرّرنا في بحث العلمانية أنّ العلمانية دينٌ بطريقتها الخاصة؛ ومقتضى كونها دينًا أنّ لها أيديولوجيةً معيّنة وتشريعاتٍ معيّنة، وتعدّ كلّ ما عدا مدرستها باطلًا وخطأً يُعاقَب عليه البشر؛ فالعلمانيون اليوم يعاقبون أيّ توجّهٍ ديني أو أيّ سعيٍ لإقامة دولةٍ دينية.
فمعنى الألوهية والربوبية المذكورة في الآيات والروايات عن جبابرة البشر ليس بالضرورة أن يكون بلغةٍ كلامية لاهوتية، أو لغةٍ كهنوتية، أو لغة مِلَلٍ ونِحَل، بل قد تكون بلغةٍ سياسية، أو عسكرية، أو أمنية، أو تقنينية، وهذا ما أكّد عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وتلك هي عظمتهم في تفسير هذه الحقائق وعمقها؛ فالأئمة (عليهم السلام) حين فسروا قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾[11] ، بيّنوا أنّ أولئك الأتباع ما ركعوا للأحبار والرهبان ولا سجدوا لهم بلغةٍ عقائدية طقوسية، وإنما: «أَمَا وَاللَّهِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ دَعَوْهُمْ مَا أَجَابُوهُمْ، وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَامًا، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالًا، فَعَبَدُوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ»[12] ، فصار ذلك الانقياد في التشريع اتخاذًا لهم أربابًا وأندادًا لله تعالى. والناس يظنون أنّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾[13] يقتصر بالضرورة على خلق دينٍ جديد أو عقيدةٍ جديدة بلغةٍ لاهوتية أو كهنوتية، في حين قد يتحقق ذلك بلغةٍ سياسية تقنينية؛ كأن يدّعي أحدٌ أنّ مصدر التشريع وشرعيته وصلاحيته بيده هو لا غيره، فهذه بحدّ ذاتها دعوى ربوبيةٍ واستنداد.
والشاهد على ذلك: أنّ الوحي لا يُبيّن عقائد دين الإسلام أو عقائد الإيمان بلغةٍ كلامية أو بنواميس وطقوسٍ عبادية فحسب، بل يُبيّن القرآن أدقّ المعارف وأصعبها بلغةٍ قانونية تارةً، مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[14] ، وقوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾[15] ، والتجارة لغةٌ قانونية معاملية، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾[16] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾[17] . فاللغة القانونية لبيان العقائد والمعارف في القرآن الكريم والأحاديث النبوية وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) كثيرةٌ جدًا، حيث تُعرَض أعمق الحقائق العقائدية بلغةٍ فقهية قانونية وبلغاتٍ شتى.
ومثال ذلك: ما جاء في الوصية التي عهد بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أواخر أيامه، حيث بعث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليرقى منبره ويُبلّغ وصيته للأمة، فكانت ثلاث جمل: «أَلَا مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَلَا مَنْ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَلَا مَنْ ظَلَمَ أَجِيرًا أُجْرَتَهُ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ»[18] [19] ؛ وهذا ظاهرٌ في لغةٍ قانونية تُعنى بفقه الفروع، ولذا تعجّب المسلمون في تلك اللحظات الحرجة من حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين وجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المنبر ليُبلّغ الناس بهذه الوصايا الفرعية، في وقتٍ كانت الأمة فيه في حيرةٍ وقلقٍ إزاء مصيرها ومسارها العام، وتوهّموا عدم التناسب بين خطورة الموقف ومضمون تلك الوصايا الظاهرة في الفروع.
يُروى أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصابه تحسّنٌ من مرضه الشديد (مرض الوفاة)، فنهض (صلى الله عليه وآله) وأتى بنفسه إلى المسجد وصعد المنبر، فسأله الناس: ما هذا الذي أبلغنا عنك أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟ ونحن نريد وصايا تعنى بالمصير العام للأمّة ومسارها في دينها ودنياها، بينما يتعرّض الكلامُ الذي نقله عنك لقضايا من الفقه الفرعيّ الفرديّ!
فانظر كيف فسّر الرسول (صلى الله عليه وآله) ذلك: حيث قال: «أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أَجِيرًا أُجْرَتَهُ، فَإِنِّي وَأَنْتَ أَجِيرَا هَذِهِ الْأُمَّةِ»[20] ، وقال (صلى الله عليه وآله): «أَنَا وَأَنْتَ أَبَوَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ عَقَّنَا فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، والثالثة: «أَنَا وَأَنْتَ مَوْلَيَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَعَلَى مَنْ أَبَقَ عَنَّا لَعْنَةُ اللَّهِ»[21] ؛ فلاحظ كيف استعمل الرسولُ (صلى الله عليه وآله) القواعدَ الفقهيّة القانونيّة الخاصّة بالفروع وطبّقها على الأصول والمسائل العقائديّة.
الوراثة الاصطفائية وتطبيقاتها في القرآن والحديث
وهذه اللغة استعملها الوحيُ في موارد عديدة؛ كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾[22] ، فالمرادُ هنا ليس وراثةً فقهيّةً قانونيّةً فرعيّةً محضة، بل المرادُ وراثةٌ عقائديّة؛ أي إنَّ اصطفاء داود ومقامه قد انتقل إلى سليمان (عليهما السلام). فلماذا يستعمل القرآن لغةَ الإرث — وهي لغةٌ فقهيّة — للاستدلال والبرهان على أمرٍ عقائديّ؟
ومثالُ ذلك أيضاً: مسألةُ فدك؛ حيث إنَّ فدكاً كانت نِحلةً وإرثاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة الزهراء (عليها السلام)، وكانت في ذلك الوقت بمثابة مخزون الثروة للدولة الإسلاميّة؛ إذ كانت تشتمل على سبع قرى ذات إنتاجٍ زراعيٍّ وفيرٍ جدّاً. فهل كان إعطاءُ الله ورسوله فدكاً لفاطمة مجرّد تصرّفٍ قانونيٍّ فرعيٍّ بحت بوصفه وراثةً فقهيّةً عن النبي، أم إنَّ المراد من قِبَل الله ورسوله وفاطمة هو الوراثةُ الاصطفائيّة؟
والشاهدُ عليه: أنَّ هذا المعنى واردٌ في باب الخمس وباب الفيء عن الأئمّة (عليهم السلام) في قولهم: «وَمَا كَانَ لِأَبِي مِنْ غَيْرِ الْإِمَامَةِ فَهُوَ لِي وَلِإِخْوَتِي»[23] ؛ ومقتضى ذلك أنَّ ما كان للأب من مقام الإمامة اصطفاءً فهو للمعصوم خاصّةً دون سائر إخوته؛ إذ لا يشارك غيرُ المعصوم المعصومَ في شؤون الإمامة والولاية. فالإمامُ الصادق (عليه السلام) يبيّن بذلك أنَّ الوراثة على سنخين وقسمين، ومع ذلك عبّر عن كلا القسمين بلغةٍ فقهيّةٍ مشتركة وهي «الوراثة».
والحاصل: أنَّ هذه نكتةٌ بالغة الأهميّة؛ ومؤدّاها أنَّ لسان الوحي يستعمل لغة فقه الفروع في إثبات مسائل الأصول لا في الفروع وحدها، ويقيمها مقامَ البرهان أيضاً. ومن الضروريّ الالتفاتُ إلى أنَّ دراسة الملل والنحل والمسائل الكلاميّة في القرآن الكريم وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام) لا تنحصر لغتها في الإطار الكلاميّ الصرف، بل قد تُصاغ بلغةٍ فرعيّةٍ قانونيّة والمرادُ الجوهريّ منها هو العقائد، فتُوظَّف اللغة الفقهيّة الفرعيّة في بيان الحقائق العقائديّة الكبرى.
ومن شواهد ذلك: ما جاء في قول السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لسيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في أيّام احتضاره، حيث أتت بالحسن والحسين (عليهما السلام) فقالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَانِ ابْنَاكَ فَوَرِّثْهُمَا»، فقال (صلى الله عليه وآله): «أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَيْبَتِي وَسُؤْدُدِي»— وهي وراثةٌ تكوينيّة اصطفائيّة ومواهب لدنيّة — «وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُرْأَتِي وَجُودِي [وفي رواية: شَجَاعَتِي وَجُودِي]» [24] [25] .
فانظر إلى هذا الحوار: هل يدور منطقُ الوراثة فيه بين فاطمة والنبيّ (صلى الله عليه وآله) حول وراثةٍ ماليّةٍ فقهيّة، أم حول وراثةٍ عقائديّة اصطفائيّة تكوينيّة؟ وحيث إنَّ دور الإمام الحسن (عليه السلام) ومقتضيات إمامته تقتضي الهيبةَ والسؤدد لتدبير شؤون الصلح وحفظ الأمّة، بينما تتوقّف وظائفُ الإمام الحسين (عليه السلام) ومسؤوليّاته في إمامته ونهضته على الشجاعة والكرامة والجود.
وهذا البحث يفسِّر لنا سيرة الإمام الحسن وسيرة الإمام الحسين (عليهما السلام).
ومن الشواهد على ذلك: أنّ من الموارد التي استدلّ بها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والأئمّة المعصومون (عليهم السلام) وعلماء الإماميّة على ضرورة الإمامة الإلهيّة هو الاستدلال بباب الوصيّة في الفقه؛ فإنّ فلسفة تشريع الوصيّة فقهيّاً قائمةٌ على ألّا تذهب جهود الإنسان سُدًى، وألّا يتشتّت أو يتيه مَن يعولهم ويرعاهم في حياته، فيُبقي لهم برنامج رعايةٍ وتدبيرٍ بواسطة الوصيّة، فحيث كان هذا هو الأمر الذي يحثّ عليه التشريع الفقهي في الشؤون الفرديّة، فكيف بالبُعد السياسي وإدارة الأُمّة؟! إذ لا يمكن أن تُترك الأُمّة هملاً وسُدًى. والنتيجة: أنّه لا محالة من أنّ الله ورسوله قد عيّنا وصيّاً بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لئلّا تؤول الأُمور إلى الفوضى والضياع؛ فثَمّة إذن وصيّةٌ اصطفائيّةٌ عقائديّةٌ توازي الوصيّة الفقهيّة الفرعيّة وتسمو عليها.
نكتةٌ مهمّة: وهي أنّ الباحث في المعارف الإلهيّة يستطيع أن يستدلّ ويبرهن على القضايا العقائديّة بلغةٍ قانونيّةٍ فقهيّةٍ فرعيّة، وليس هذا من باب المغالطة في شيء، وإنّما تتصاعد جذور الماهيّات الفقهيّة لتصبح ماهيّاتٍ عقائديّةً ملكوتيّةً اصطفائيّة، فتنشأ لغةٌ مشتركةٌ بين فقه الفروع وعلم العقائد، بحيث يمكن التعبير عن مسائل العقيدة وتبسيطها وحلّها بلغةٍ فقهيّة.
ولأجل ذلك: مارس علماؤنا الإماميّة (رضوان الله عليهم) الاستدلال في علم الكلام وفي إثبات حجّيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بأدلّةٍ فقهيّةٍ وقانونيّةٍ عديدة، وليس ذلك خلطاً بين علم الفقه وعلم العقائد، بل هو استدلالٌ برهانيٌّ متين.
ومثال ذلك في القرآن الكريم: أنّ فرعون عندما قال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي﴾[26] لم يستعمل بالضرورة لغةً عقائديّةً بمصطلحاتها التجريديّة، بل لعلّه استعمل لغة القانون والسياسة ولكن بمضمونٍ عقائديّ؛ فحين يرى أنّ زمام الصلاحيّات السياسيّة والتشريعيّة كافّةً بيده فهذه دعوى للربوبيّة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾[27] الشامل للحكم التشريعيّ والتنفيذيّ والقضائيّ، فكلّ مَن يدّعي أنّه الحاكم المطلق في مقام التشريع ولا حاكم فوقه، فإنّ دعواه هذه تستبطن ادّعاء الألوهيّة وإن صاغها بلغةٍ قانونيّة.
والحاصل: أنّ اللغة الفقهيّة ليست هي وحدها التي تُبيّن المضامين العقائديّة، بل قد تُستخدم اللغة الأخلاقيّة ولغات سائر العلوم الأُخرى لبيان تلك الحقائق العقائديّة وتجليتها.