48/03/26
سنن الأنبياء والأئمة في مواجهة الطغاة ومقارعة الاستبداد/آیات محاجّة الأنبیاء مع الطغاة /التفسير الموضوعي
موضوع: التفسير الموضوعي/آیات محاجّة الأنبیاء مع الطغاة /سنن الأنبياء والأئمة في مواجهة الطغاة ومقارعة الاستبداد
وحدة المنهج النبوي في مباينة الطغاة ومواجهتهم
بعد آية الكرسي يتعرّض القرآن الكريم إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾[1] ، فالقرآن الكريم يركّز على أنّ هناك مواجهةً — سواء كانت باردةً أم ناعمةً أم ساخنةً — بين النبي إبراهيم (على نبينا وآله وعليه السلام) وطاغوت عصره والقوى العظمى آنذاك. كما ركّز القرآن الكريم على مواجهة النبي موسى (عليه السلام) مع فرعون؛ إذ يخاطب اللهُ عزّ وجلّ موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[2] ، فقالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾[3] ؛ لكونه جبّاراً ذا دولةٍ عظمى، ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾[4] ؛ حيث يزجّ اللهُ عزّ وجلّ بنبيّين كموسى وهارون لمواجهة أعتى الطغاة في زمانهما، وصولاً إلى مرحلة التهديد بالقتل وارتكاب المجازر.
فقد قُتِل النبي زكريا والنبي يحيى (عليهما السلام)، وتوجد لدينا رواياتٌ عديدة تذكر: «مَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا وَصِيٍّ إِلَّا شَهِيدٌ»[5] ، أو: «مَا مِنَّا إِلَّا مَسْمُومٌ أَوْ مَقْتُولٌ»[6] ، وهذه العبارة تدلّ بوضوحٍ على أنّ الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) في حالة مواجهةٍ دائمة، ودأبهم مستمرّ في مسير الإصلاح الذي تحفّه المخاطر دائماً. وفي منطق القرآن فإنّ سنن الأنبياء جميعاً مطابقةٌ لسنة سيد الشهداء (عليه السلام)؛ فكيف تُعدّ سنة سيد الشهداء سنةً استثنائيةً في الدين لا يُقتدى بها؟! بل إنّ سنن الأنبياء قاطبةً كانت جاريةً على هذا النحو.
السيرة النبوية والمواجهة الأمنية والجهادية
والشاهد على ذلك: ما جرى لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)؛ فهل كان في علاقةٍ وديةٍ مع قريش في العهد المكي، أم كانت هناك مساجلاتٌ ومواجهاتٌ أمنية خطيرة تُحدق به؟ إنّ خطورة الأمور في العهد المكي لا تقلّ شأناً عن العهد المدني، ومع ذلك كابد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كابد. ولا ينبغي أن يُظَنّ أنّ دوره في العهد المكي كان دوراً فكرياً وثقافياً محضاً؛ فإنّ هذا تصوّرٌ غير واقعي، إذ لو لم تكن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إدارةٌ أمنية وعسكرية — ولو كانت خفيةً وباردةً — لاستُؤصِل وجود الدعوة في مكة المكرمة؛ فقد كانت هناك حربٌ باردة وخطيرة، وربما ساخنة في بعض الأحيان، بين بني هاشم وأبي طالب (عليه السلام) من جهة، والجانب القرشي من جهةٍ أخرى، ولم تكن الأجواء لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكة أجواءً ورديةً قطّ.
وقد خاض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانين معركةً في عشر سنوات، بل قيل إنّ الرقم الدقيق يصل إلى ستٍّ وتسعين معركة؛ ففي غضون عشر سنوات يخوض سيد الرسل ستّاً وتسعين معركة، فأنى كان يتسنّى لأمير المؤمنين (عليه السلام) هدوءٌ وهو ينتقل من حربٍ إلى حرب؟! وكلّ هذه الحروب خاضها أمير المؤمنين مع رسول الله (صلوات الله عليهما وآلهما) إلا غزوة تبوك، مع أنّ هناك رواياتٍ تفيد بمشاركته فيها بطيِّ الأرض، ووقعت فيها أحداثٌ طَمَسَ القومُ ذكرها؛ لكونها من بطولاته ومناقبه (عليه السلام).
والسؤال هنا: هل قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً إنّه مَلّ الحرب؟ وهل كانت حروبه عدوانية؟
والجواب: كلا؛ بل كانت كلّها بمنطق الحقوق حروباً دفاعية، وإن سُمّيت في الاصطلاح الفقهي بـ«الجهاد الابتدائي» أو «جهاد الدعوة»[7] ؛ فإنّ واقعها حمايةٌ للمظلومين والمستضعفين حتى من الكفار.
والحاصل: أين تقع سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذا الميزان؟ وهل يُعقل بحالٍ أن تكون سنةً خاصةً لا يُقتدى بها؟!
حقيقة صلح الإمام الحسن ونفي الاستسلام والتطبيع
وهي عَيْنُ سنّة الإمام الحسين (عليه السلام)، فكيف يُتوهَّم أنّ سنّته (عليه السلام) ممّا لا يُقتدى به؟! ثمّ هَلُمّ جَرّاً إلى موقف الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)؛ فكيف يُفسَّر موقفه؟ وهل يُظَنّ أنّه (عليه السلام) سلَّم مقاليدَ الدولة والسلطة والقوة لمعاوية؟!
إنّ هذه قراءةٌ خاطئةٌ لصلح الإمام الحسن (عليه السلام) استمرّت منذ ألف عام؛ فالإمام الحسن (عليه السلام) إنّما عَقَد صلحاً بين دولتين وأبقى على دولته، ولم يرفع يده عنها، بل قاسم معاويةَ على السلطة، وهناك شواهد قطعيّة دامغة تُثبت ذلك. وقد بقيت الحرب الناعمة قائمةً بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية، كما بقيت الحرب الباردة، وبقيت المواجهة الإعلاميّة؛ فأين مفترق السنّة بين الإمام الحسن والشهيد الحسين (عليهما السلام)؟! وهل يُعقل أن يُقتدى بالإمام الحسن (عليه السلام) ويُهجر الاقتداء بالإمام الحسين (عليه السلام)؟! كَلّا، بل هما إمامان يُؤتمّ بهما في حالتي القيام والقعود جميعاً، كما ورد في النصّ الشريف: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»[8] ؛ فما وجه هذا التّنكُّر لسنّة سيّد الشهداء (عليه السلام)؟!
ثمّ إنّه قد صُوِّر الإمام الحسن (عليه السلام) كأنّه أسير، ولكن كيف يكون أسيراً مَن سَلّم المقاليد لمعاوية بموجب معاهدة؟! أفهذا صلحٌ أم أَسْرٌ؟! فإنّ تفسير الصلح بالاستسلام والأسر منافٍ لواقعه، إذ إنّ الإمام الحسن (عليه السلام) إنّما صالَح لئلّا يُؤسر، بينما يتصوّر البعض أنّه سَلّم قوّته كلّها حتّى تمخّضت الغلبة لمعاوية؛ ومقتضى هذا التصوّر صيرورةُ الإمام (عليه السلام) أسيراً، وحينئذٍ فكيف يصحّ تسميته صلحاً؟!
والواقع: أنّ ما يُروَّج له من تصوير الإمام الحسن (عليه السلام) وكأنّه خاضعٌ للإقامة الجبريّة والمراقبة، كأيّ سجينٍ يُفرض عليه الحصار في بلدةٍ معيّنة ومسلوبِ القدرة والإرادة؛ هو قراءةٌ استقرّت منذ عشرة قرون، وهي مجافيةٌ لحقيقة الصلح. فالصلح منطقاً وواقعاً لا ينعقد إلا بين قوّتين نِدّيّتَين، وهاتان القوّتان تبقيان قائمتين بعد الصلح، وغايتُه أن تنقلب الحرب الساخنة بينهما إلى حربٍ باردة، وحربٍ ناعمة، ومواجهةٍ إعلاميّة ونفسيّة؛ فكيف يُتخيّل أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) لم يكن في موقع المواجهة لظلم بني أميّة؟!
والحاصل: أنّ تصوير الصلح بهذا النحو مسخٌ لحقيقة موقف الإمام الحسن (عليه السلام)، وجنايةٌ على التاريخ وعلى مقامه الشريف. فهل كان من الإمام (عليه السلام) تطبيعٌ فكريٌّ مع معاوية؟! حاشا وكَلّا، وهل كان منه تطبيعٌ إعلاميٌّ أو وُدّيٌّ معه؟! كَلّا البتّة؛ وإنّما أعلن الإمام الحسن (عليه السلام) وقفاً لإطلاق النار مشروطاً ببنود، وإذا كانت تلك الشروط لصالحه فمع مَن كانت القوّة إذن؟! فكيف يُقرأ الصلح على أنّه تجريدٌ لنفسه من القدرة، ونزولٌ عن الدولة والقوّة؟! إنّ هذه لَعَمْرُ الحقّ قراءةٌ فاسدةٌ جدّاً.
والنتيجة: أنّ سنن الأنبياء (عليهم السلام) قاطبةً قائمةٌ على مباينة الطغاة ومواجهتهم؛ وتلك المواجهة تتلوّن تارةً بصبغةٍ ساخنة، وأخرى بصبغةٍ باردة أو ناعمة أو إعلاميّة أو نفسيّة، ولكن لم يكن بين الأنبياء والأولياء وبين الطواغيت أدنى تطبيعٍ نفسيٍّ، ولا قلبيٍّ، ولا فكريٍّ على الإطلاق؛ وإلا فما الوجه في استشهاد الإمام السجاد (عليه السلام) مسموماً؟! ولماذا قُتل الإمام الباقر (عليه السلام) والإمام الكاظم (عليه السلام) واغتيل سائر الأئمة الأطهار؟!
التدبير الخفي والنشاط غير المعلن في سيرة المعصومين
لو كان الإمام الكاظم (عليه السلام) مطبّعاً مع بني العباس ومسالماً لهم، فلماذا لاقى كلّ هذه السجون الطويلة والمتتابعة؟ ولماذا لم تكن له علاقات ودّيّة مع هارون؟ وما منشأ هذا الخوف العظيم والهلع الذي كان ينتاب بني العباس وسلطتهم وهم يمثّلون دولةً عظمى آنذاك؟ فهل كان الإمام الكاظم (عليه السلام) مجرّد فرد عاديّ، أم كان يمثّل في حقيقته قوّةً جهاديةً ومحوراً استراتيجياً يُشكّل خطراً حقيقياً على الوجود العباسي؟ وإلا فما هو السرّ في هذا السجن المطبق والتضييق الشديد في العلن؟
والحاصل: أنَّ سيرة الأئمة (عليهم السلام) لم تكن مقتصرةً على البعد الظاهر، فأمّا في الخفاء، فقد وردت رواية مسندة في «الكافي» الشريف تدلّ دلالةً قاطعةً على تشجيع الإمام الكاظم (عليه السلام) لثورة صاحب فخ الحسين بن علي ومباركته لها وتوجيهه إيّاه[9] .
فكيف يصحّ القول بأنّ سائر الأئمة (عليهم السلام) لم يكن لهم نشاطٌ سياسيٌّ ولا جهاديّ؟ وإذا كان نهج الإمام الحسين (عليه السلام) وسنّته استثناءً لا يُقتدى به، فكيف يوجّه الإمام الكاظم (عليه السلام) قائدَ ثورة فخّ ليمارس دوراً شبيهاً ومطابقاً لدور الإمام الحسين (عليه السلام) في عاشوراء؟ وكيف جعل الأئمة (عليهم السلام) جميعاً للإمام الحسين (عليه السلام) رمزيّةً وقدوةً تفوق أيّ رمزيّة أخرى في تاريخ المواجهة؟ وكيف يصحّ لنا أن نقرأ نهج الأئمة (عليهم السلام) من خلال الظاهر المعلَن فقط، ونهمل دراسة نهجهم الخفيّ وتدابيرهم السريّة غير المعلنة؟
والشاهد: إنَّ هذا المورد ليس هو المورد الوحيد الذي نعتمد عليه في إثبات السيرة الخفيّة والسريّة للأئمة المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ ورد في النصّ الشريف في الزيارة الجامعة الكبيرة: «…مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ، وَشَاهِدِكُمْ وَغَائِبِكُمْ، وَأَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ…»[10] ، كما تظافرت الروايات الدالّة على أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) كبقيّة آبائه وأبنائه الطاهرين (عليهم السلام) كانت له إدارةٌ وتدابير خفيّة لا يطّلع عليها حتى كبار الشيعة وخاصّتهم، فضلاً عن أجهزة الدولة العباسية أو الأموية من قبلهم.
ومثال ذلك: ما رُوي من أنّ قوماً استقدمهم هارون العباسي من بلاد جورجيا أو تفليس، وأغدق عليهم الأموال الجزيلة دهراً طويلاً، ودبّر معهم خطةً لاغتيال الإمام الكاظم (عليه السلام) في محبسه للتخلّص منه، بحيث تُلقى تبعة الاغتيال عليهم دون أن تتحمّل السلطة العباسية مسؤوليّته المباشرة، فلمّا دخلوا على الإمام الكاظم (عليه السلام) ورأوا هيبته ونوره خرّوا له سُجّداً وقبّلوا قدميه، وكانوا في حالة سُكْرٍ من الخمر التي أجرعهم إيّاها هارون، فلمّا وبّخهم هارون وسألهم عن سبب إحجامهم عن قتل موسى بن جعفر (عليه السلام)، أجابوه: «إنّ هذا وليّ نعمتنا، يتردّد علينا في كلّ عام، ويقضي حوائجنا ويحلّ مشكلاتنا». فهذه التدابير الإدارية والخفيّة كان يقوم بها الإمام الكاظم (عليه السلام) دون علم أقرب حواريّيه وأصحابه.
وهناك شاهدٌ آخر: في حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) يُبرهن على تلك السيرة الخفيّة، وهو ما جرى مع صاحبه عليّ بن سُويد السائيّ[11] أثناء حبس الإمام، حيث خرج به بطيّ الأرض[12] ليلتقي بأولياء الله تعالى.
والنتيجة: إنَّ هذا التدبير كلّه ينسجم تماماً مع الرؤية القرآنية وسنن الأنبياء، كما في قصّة العبد الصالح الخضر (عليه السلام) الذي كان يمثّل نظام التدبير والعمل الخفيّ وراء ستار الظاهر؛ وإذا كان هذا شأن نبيّ أو عبد صالح كالمبيّن في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾[13] ، فكيف بمقام الحجّة والإمام المعصوم المفترض الطاعة؟ وليست قصّة سورة الكهف درباً من الخيال، بل هي تؤسّس لقاعدةٍ واضحة مفادها: أنّ حصر سيرة أهل البيت (عليهم السلام) في أبعادها الظاهرة والمعلَنة وإلغاء الجانب الخفيّ منها هو مسلكٌ باطلٌ وقراءةٌ مجتزأة، وما ورد في «الكافي» الشريف يُثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ توجيهَ الإمام الكاظم (عليه السلام) لثورة فخ ورعايته لها.
التوجيه السياسي للأئمة: ثورة فخ ونشاط السيد عبد العظيم
ثَمَّ دلائلُ وشواهدُ تاريخية تدل على أنّ أوّلَ دولةٍ شيعيةٍ زيدية قامت في شمالِ إيران بعد دولة المختار الثقفي إنّما كانت بتوسّط السيد عبد العظيم الحسني[14] ، إذ كان هو المحرّضَ للسادة العلويين على إقامة تلك الدولة، وبلغ من خوف الدولة العباسية وتوجّسها من تدبيره هذا حتّى قيل إنّه دُفن وهو حيّ، في حين كان مرتبطاً بالإمام علي الهادي (عليه السلام) بوصفه الوكيلَ المعتمدَ لديه؛ فكان هذا التدبيرُ السياسي يجري في الخفاء، والإمام الهادي (عليه السلام) وإن بدت صورته الظاهرة قابعاً في معسكر سامراء وتحت الإقامة الجبرية، إلا أنّ الواقع المعاش كان يُدار بتوجيهه وتدبيره.
والشاهد على ذلك: أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) حثّ الشيعة بعد وفاة السيد عبد العظيم الحسني ووجّههم إلى زيارة مرقده[15] [16] ، مع كونه ذا نشاطٍ سياسي وعسكري وأمني مشهود، ومقتضى ذلك أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) كان يُشجّع هذا النهجَ ويُمضيه؛ فالأئمة (عليهم السلام) نهجُهم واحدٌ وواقعُهم واحد، وإن ظُنَّ في الظاهر والمُعلَن تفرّقُ مسالكهم، إذ نهج الإمام الحسين (عليه السلام) هو النهجُ الأصيل الحاكم على سيرة جميع الأئمة، وتلك شواهدُ وإشاراتٌ بينة لا يسوغ التغاضي عنها في قراءة سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
والحاصل: أنّ نهج الإمام الحسين (عليه السلام) ليس استثناءً ولا شذوذاً عن نهج بقية الأئمة، بل إنّ دعوى اختلاف منهج سائر الأئمة عن منهج الإمام الحسين (عليه السلام) مقولةٌ باطلةٌ أصلاً وتفصيلاً من وجوهٍ شتّى، والترويجُ لها باطلٌ لما يؤول إليه من هدم أصل إمامة الأئمة (عليهم السلام)، فالأمر يقتضي الالتفاتَ التام؛ فإنّ سنّتَهم جميعاً مطابقةٌ لكتاب الله العزيز، ولم يقع منهم تطبيعٌ للعلاقات مع طواغيت عصورهم قطّ، لا تطبيعاً فكرياً ولا نفسياً، وهو ما يقطع بانتفائه التام من سيرة الأنبياء والأوصياء والأئمة (عليهم السلام).
الرؤية القرآنية لحقيقة الإمامة ومقارعة الفساد
والدليل القرآني: أنّ القرآن الكريم يُركّز تركيزاً بيّناً على حتمية هذه المواجهة، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾[17] ، ويحكي عن فرعون دعواه الألوهية في قبال دعوة النبي موسى (عليه السلام)، وحقيقةُ ألوهية فرعون المدّعاة تتمثّل في الهيمنة والحاكمية السياسية الاستبدادية المطلقة، كما في قوله تعالى حكايةً عنه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[18] ، حيث صيّر طاعتَه حاكمةً فوق كلّ طاعة، وتلك هي الحقيقة الواقعية للألوهية عنده وليست مجرّد ممارساتٍ وطقوس عبادية.
ومثال ذلك: أنّ النبي إبراهيم (عليه السلام) حين حطّم الأصنام لم يكن صنيعه ناشئاً عن تهوّرٍ أو اندفاع، بل صدّر القرآن الكريم خبره مبيّناً أصل موقفه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾[19] ؛ فكانت مواجهته لطغاة عصره منبثقةً عن عين الرشد والحكمة والقيادة وحسن التدبير، ولأجل هذا الرشد قال الله تعالى له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[20] ، فكانت سيرته كلّها قائمةً على خطّ المواجهة والجهاد رغم عدم بسط يده في رئاسة دولةٍ ظاهرية؛ فما هي حقيقة هذه الإمامة التي جعلها الله له حينئذٍ سوى الإمامة والقدوة في مقارعة الفساد والطغيان؟
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾[21] ، ومع ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [22] ؛ فمقتضى الثورة ضدّ الظالمين والفساد الفكريّ والعقائديّ يسمّيه القرآن الكريم إمامةً يُقتدى بها، فكيف يُدّعى أنّه لا يُقتدى بها؟! والقرآن يصرّح بأنّه إمامٌ للناس يُتأسّى به، وكذلك قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»[23] ؛ فالنبيّ إبراهيم (عليه السلام) حطّم الأصنام: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾[24] .
﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾[25] ، فهل يُعدّ هذا الفتى متهوّراً بمفرده في مواجهة كيانٍ نمروديّ عظيم ولا يُقتدى به؟! ﴿قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾[26] ، فقد أحدث إبراهيم (عليه السلام) ثورةً فكريّة ونفسيّة وصحوةً ويقظة في نفوسهم، ثمّ ﴿نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[27] .
والحاصل: أنّ تحطيم الأصنام إنّما جاء لصناعة شوكةٍ وصحوةٍ بشريّة، وهذا فعل نبيّ حكيم وليس تهوّراً، ولأجل ذلك سمّاه القرآن إماماً، وأصل سيرة الأنبياء جميعاً قائمٌ على هذا المنهج، كنبيّ الله شعيب ولوط (عليهما السلام) في مواجهة الفساد الاجتماعيّ والسياسيّ، وكذلك النبيّ موسى (عليه السلام) حين طلب من قومه دخول الأرض المقدّسة: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾[28] ، إلى قوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[29] ؛ فبعد الخلاص من فرعون انتقل (عليه السلام) لمواجهة طغيانٍ آخر. وتلك هي سيرة الأنبياء كافّةً ومنهم عيسى (عليه السلام)؛ فهذه السنن ينبغي ألّا تكون مجرّد لقلقة لسان، بل نظاماً فكريّاً وعقائديّاً يُفهم ويُعاش.