48/03/25
تفسير محاجة إبراهيم لنمرود وسنن العبودية ومواجهة الطغيان/آیات ربوبیته تعالی /التفسير الموضوعي
موضوع: التفسير الموضوعي/آیات ربوبیته تعالی /تفسير محاجة إبراهيم لنمرود وسنن العبودية ومواجهة الطغيان
التلازم بين المقام الملكوتي واشتداد العبودية
وصل بنا الكلام إلى الآيات اللاحقة لآية الكرسي في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾[1] ، وهو بمثابة التعليل لغطرسة نمرود، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾[2] ، وهي طبيعة تكوينية في الإنسان.
تساؤل: ومن ثَمَّ يتساءل أهل المعنى: ما السر في كون سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) أشدّ الخلق عبادةً وعبوديةً وخضوعاً وانقياداً لله تعالى؟ ولماذا كلما ارتقى المخلوق في ملكوت الله أُلزم بخضوعٍ أشدّ لله؟
والشاهد على ذلك: ما ورد في أصناف الملائكة من أن «مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لَا يَتَزَايَلُونَ»[3] ، فكلما ترقى المخلوق في الملكوت كان مقامه أعظم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾[4] ؛ إذ إنّ مقام «العندية» أعظم من السماوات، وهو مقام ملكوتي أعلى يتطلب خضوعاً أشدّ.
والسر في ذلك: يتجلى فيما خاطب الله به إبليس حينما استكبر: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾[5] ، فمقتضى جوار الله تعالى عبودية تشتد كلما صار الجوار أقرب.
والسر الآخر: هو أن العوالم اللاحقة—كالبرزخ والرجعة والقيامة والجنة—تكون العبودية والخضوع فيها أشدّ فأشدّ؛ فإنّ جوار الله تعالى يستلزم عبوديةً وخضوعاً وتواضعاً تامّاً، وتلك هي بطاقة الإقامة في جواره، وفي الرجعة يشتد ذلك. وتأسيساً على هذا، فإنّ الشريعة وإن كانت تنتهي بنفخ الصور وبداية القيامة، إلا أن الدين بمفهومه العام لا ينتهي، بل يشتد ظهوراً وتأكداً.
وحيث إنّ العوالم الملكوتية كلما ترقى فيها المخلوق كانت العبودية والانقياد المطلوبان منه أشدّ، كما قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [6] ؛ فهم لا يستكبرون ولا يستحسرون—أي لا ينقطعون ولا يكلّون عن العبادة—ويسبحون ويسجدون؛
والنتيجة: أنّ الدين لا يُخفّف في الآخرة بل يشتد، خلافاً لما ذهب إليه جمع من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمفسرين القائلين بانقطاع التكليف وانحصار الآخرة في الجزاء[7] ؛ لقيام الأدلة على استمرار الدين واشتداده.
وهذا الأمر هو السر في كون رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعبد الخلق لله تعالى، بحيث لا يوجد نبيٌّ ولا وصيٌّ ولا ملَكٌ مقرّبٌ أعبدَ ولا أخضعَ منه؛ ومردّ ذلك—وفق ما استفاده أهل المعنى من بيانات أهل البيت (عليهم السلام)—مرتبطٌ بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [8] ؛ فإنّ التمكين العظيم والقدرة التكوينية التي جعلها الله لسيد الرسل في ملكوته، مما لم يُمكّن به أحداً من خلقه، تقتضي أن يكون (صلى الله عليه وآله) أطوعَ وأخضعَ الخلق لله، دفعاً لطغيان الاستغناء التكويني، فكان لأجل ذلك أعبدَ الخلق وأخضعَهم لله تبارك وتعالى.
بيان ذلك: إنَّ التمكين العظيم والقدرة التكوينيّة التي جعلها الله لسيد الرسل (صلّى الله عليه وآله) تقتضي أن يكون (صلّى الله عليه وآله) أطوع الخلق وأخضعهم لله تعالى؛ وإلّا لصدق عليه مقتضى قوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [9] ، فمن ثَمَّ كان سيّد الرسل أطوع وأعبد وأخضع الخلائق لله تعالى؛ إذ مكّن الله له ما لم يُمكّنه لأحدٍ من خلقه، لا من الجنّ والإنس ولا من الملائكة المقرّبين. وهذا أحد الأسرار الكامنة في المقامات المعطاة له، كما ورد في زيارة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من بُعْد في مصادر الأدعية المعتبرة بنصه: «…وَالْمَكِينِ لَدَيْهِ، وَالْمُطَاعِ فِي مَلَكُوتِهِ…»[10] .
والسرّ في ذلك: أنّ المخلوق كلّما ارتقى وعرج في مراتب الملكوت، وجب أن يتأكّد خضوعه لله تعالى ويتضاعف؛ لأنّ قدرات المخلوق وسعته الوجوديّة تتّسع وتزداد كلّما ترقّى في العوالم؛ فإن لم تشتدّ عبوديّته وخضوعه لله تعالى، فإنّ ذلك يؤول به قهراً إلى الطغيان والاستكبار، وإذا طغى واستكبر أدركه القضاء والزجر الإلهي الصارم: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [11] . وتلك سنّة إلهيّة كليّة جارية؛ إذ إنّ جوار الله تعالى وحريم قربه يقتضي عبوديّةً قصوى وخضوعاً مطلقاً، فكلّما عرج المخلوق في مدارج الملكوت استلزم ذلك منه عبوديّةً وخضوعاً أشدّ فأشدّ.
والقاعدة هنا: أنّ هذا المعنى جارٍ وسارٍ في سائر طبقات المخلوقات؛ ومثاله قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[12] ، فهذه الطاعة من أوامر الدّين العامّة الكونيّة التي خُوطبت بها جميع المخلوقات على الإطلاق حتى الملائكة المقرّبون؛ فالترقّي في ملكوت الله يستلزم خضوعاً أعظم، وهلمّ جرّاً، حتى إنّ خضوع أهل الجنّة وعبوديّتهم أشدّ من خضوع أهل القيامة وأهل البرزخ؛ لكونهم في ملكوت الله الأعلى وحضرة قربه، والقرب من الله سبحانه إنّما يتحقّق وجداناً كلّما تعمّقت عبوديّة المخلوق واشتدّ انقياده.
أثر التمكين والسلطة في سلوك القادة وفقه الإدارة
وتفريغاً على ذلك في مقام الإدارة والسياسة: بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رحمه الله) النظام النفسي والروحي الحاكم على شخصيّة القائد؛ لكي يستقيم على جادّة العدل والحقّ، حيث رسم (عليه السلام) معالم انضباط الحاكم وخضوعه؛ نظراً إلى أنّ السلطة والقوّة والتمكين تُسكر صاحبها وتدفعه إلى الاستعلاء والجبروت، فبيّن له في عهده المذكور: «…فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِيَ الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ…»[13] ، فليس لأحدٍ كائناً من كان أن يطغى أو يستكبر، مؤكّداً ضرورة تحلّي القائد بمنظومة أخلاقيّة ونفسيّة تزيده خضوعاً واستكانةً وعبوديّةً لله تعالى كلّما اتّسعت دائرة قدرته وتعاظمت سلطته.
وإلّا فإنّ هذا القائد أو الرّئيس سيتجبّر ويكون طاغيةً كفرعون أو نمرود أو قارون، ولذلك أسّس أمير المؤمنين (عليه السّلام) نظاماً رصيناً يُعَدّ غايةً في الأهمّيّة ضمن فقه الإدارة وأصول القيادة، حيث بيّنه في عهده لمالك الأشتر[14] ، مؤكّداً أنّ قرب العبد من الله تعالى في سائر العوالم واستقراره في جوار قربه يستلزم خضوعاً وعبوديّةً أشدّ فأشدّ.
وقد نُقل عن السّيّد تقي القمّيّ[15] ، وهو من معتمدي السّيّد الخوئيّ (رحمهما الله)، أنّه قال يوم توفّي الميرزا عبد الهادي الشّيرازيّ[16] ، وهو من مراجع النّجف الأشرف: «إنّ عدّة أشخاصٍ رأوا في المنام أنّ السّيّداً يرتقي جبلاً بسرعةٍ فائقة»، وقد أوّلها أهل المعنى بأنّ هذا الجبل يمثّل جبل النّفس الأمّارة، وكان السّيّداً مروّضاً لنفسه بقوّة المجاهدة والتّقوى، فاستطاع السّيطرة عليها والارتقاء في مدارج الكمال بسرعة؛ والمقصود من ذلك كلّه أنّ الخضوع والعبوديّة لله تعالى ركنٌ أساس في كمال النّفس الإنسانيّة.
محاجة النبي إبراهيم لنمرود وتحليل علة الاستكبار
والشّاهد القرآنيّ: ما تبيّنه الآية الكريمة في بيان علّة طغيان نمرود: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾[17] ؛ فما الّذي دفعه إلى المحاججة والاستكبار؟ إنّه استشعاره لسطوة الملك والقدرة والسّلطان، في حين أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى النّبيّ موسى والنّبيّ هارون (على نبيّنا وآله وعليهما السّلام) أن يُخبرا فرعون بأنّه لو عدل في رعيّته ورفع العبوديّة والظّلم عن بني إسرائيل لمدّ الله في ملكه وسلطانه.
وهذه سنّةٌ إلهيّة: دلّت عليها النّصوص الشّريفة، كما جاء في المأثور: «فَإِنَّ المُلْكَ يَبْقَى مَعَ الكُفْرِ وَلَا يَبْقَى مَعَ الظُّلْمِ» [18] ؛ فالظّلم مقترنٌ بالعتوّ والبطر، وهذا الاستكبار يقصم أعمار الطّغاة ويزيل سلطانهم، فكلّما ازداد الحاكم جوراً وعتوّاً، عجّل الله في هلاكه وزوال دولته.
والتّعليل في الآية: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [19] يشير إلى أنّ منشأ تكبّره وعناده ولجاجه هو توهّمه الاستغناء بما أُوتي من ملكٍ وتمكين، تصديقاً لقوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾[20] .
وأمّا مسار الحجاج: الّذي وقع بينهما فكان ابتداءً في قوله تعالى حكايةً عنهما: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾[21] ؛ وقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السّلام) وتفاسيرهم [22] أنّ نمرود لَمّا ادّعى ذلك دعا برجلين من السّجن فقتل أحدهما وعفا عن الآخر محتجّاً بذلك على الإحياء والإماتة، فطالبه الخليل (عليه السّلام) بإحياء من قتله لِتَوّهِ فعجز وبُهِت، ولم يقتصر نبيّ الله على هذا الإلزام، بل انتقل إلى حجّةٍ كونيّةٍ قاهرةٍ لا مدخل فيها للمغالطة فقال: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [23] .
خصائص السرد القصصي في القرآن الكريم ودور الروايات البيانية
وهنا نكتةٌ قرآنيّة: في شأن القصص القرآنيّ، وهي أنّ القرآن الكريم في كثيرٍ من المقاطع التّأريخيّة لا يستوعب سائر التّفاصيل والجزئيّات، بخلاف الرّوايات الشّريفة الّتي تتناول تفاصيل أوسع وأشمل، والوجه في ذلك عدم وجود أيّ تنافٍ أو تضاربٍ بين السّرد القرآنيّ والسّرد الرّوائيّ؛ لأنّ القرآن الكريم ليس كتاب سردٍ تأريخيّ أو قصصيّ بحت، وإنّما يركّز دائماً على المنعطفات الجوهريّة والمحاور الهدايتيّة الكبرى، تاركاً تفاصيل الوقائع لبيان الرّوايات التّفسيريّة.
أمّا التفاصيل الأخرى المتوسّطة فلا يتعرّض لها القرآن الكريم، والوجه والحكمة في ذلك ظاهر وجليّ؛ إذ بالدقّة لا تنافي بين السرد القصصي في الروايات والسرد القرآني، ذلك أنّ السرد القصصي في القرآن لم يُبْنَ على استيعاب التفاصيل والجزئيات برمّتها، ولكن بالنسبة إلينا -ولكي تغدو الصورة عن الأحداث مبسوطةً ومشروحةً وجليّة- تدعو الحاجة إلى تفاصيل الروايات، فكأنّ القرآن الكريم يؤتينا مفاتيح لهذه المطالب، ثمّ تُفتح الأبواب بالاستعانة ببيان الروايات الشريفة.
فائدة: قيل إنّ مصاحف الصحابة -وقد كانت لكثير منهم مصاحف خاصّة- تباينت فيما بينها لكونها متضمّنةً لوحيٍ شارح لمتن القرآن الكريم؛ إمّا حديث قدسيّ يفسّر القرآن، أو حديث قدسيّ يؤول القرآن، أو حديث قدسيّ يبيّن أسباب نزول الآيات، أو لكون تلك المصاحف مشتملةً على أحاديث نبويّة مفسّرة للقرآن أو مؤوّلة أو مبيّنة لسبب نزول الآيات، وهي نكتة لطيفة تكشف عن أنّ القرآن الكريم يعتمد الإيجاز والاختزال غير المخلّ، بل الاختزال القائم على المثل السائر: «خَيْرُ الكَلَامِ مَا قَلَّ وَدَلَّ».
سنّة مواجهة الطواغيت وتجليها في النهضة الحسينية
وهنا تتجلّى المحاجّة والمناكفة بين نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) ورئيس الدولة العظمى في زمانه، ونحن حين نقرأ سيرة النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في القرآن الكريم، فإنّ قراءتها باللسان سهلة يسيرة، ولكنّ معايشة أحداثها واستحضار وقائعها تمثّل زلازل وخطوباً جسيمة؛ لأنّ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) كان يواجه أعظم دولة وأكبر طاغوت في عصره، وكان مأموراً ومطالَباً من السماء بالمحاجّة، والمحاجّة هاهنا حرب ناعمة؛ فالنبيّ إبراهيم (عليه السلام) -وهو من أولي العزم وله شأن عظيم ومقام رفيع- يناكف أعتى طواغيت زمانه، ويطالب بتغيير جذريّ وإصلاح شموليّ.
وكذلك نبيّ الله عيسى (عليه السلام)، فلأيّ علّة أرادوا قتله حتّى رفعه الله تعالى إليه؟ كما في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[24] ؛ إنّما كان ذلك لمقارعته ومواجهته للسلطات العاتية. وليس الأمر مقصوراً على إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)، بل سائر أنبياء الله ورسله كانوا في مواجهة وصراع دائم مع طواغيت أزمانهم، وقد ساق الله تبارك وتعالى لنا هذه القصص للاعتبار والاتّعاظ؛ فكون النبيّ إبراهيم (عليه السلام) أعزل اليد مجرّداً من العُدّة الظاهرية لا يعني أنّه متهوّر، وكذلك النبيّ موسى (عليه السلام) ومعه عصاه وأخوه هارون (عليه السلام) لم يكن متهوّراً، بل تلك سنّة الأنبياء كافّة في مجابهة الجبابرة والطواغيت.
والنتيجة: أنّه لا يتوهّمنّ أحد أنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت بدعاً أو استثناءً عن هذا المجرى، بل هي جريٌ على سنّة الأنبياء كافّة؛ فهو وارث إبراهيم ووارث موسى ووارث عيسى (عليهم السلام) [25] ، وإحدى السنن المتجذّرة في القرآن الكريم أنّ أولياء الله وأنبياءه يواجهون طواغيت أزمانهم في كلّ عصر ومصر.