47/12/03
فضل وبركة معارف آية الشهادة/الابعاد الغيبية في النبوة والإمامة /ولاية الله و ولاية الطاغوت
الموضوع: ولاية الله و ولاية الطاغوت/الابعاد الغيبية في النبوة والإمامة / فضل وبركة معارف آية الشهادة
كان الكلام على إشكال في آية الكرسي، وقد مر بنا أن من بحوث هذا العام في آية الكرسي عدة جواهر خطيرة في الاعتقادات. وكما مر، فإنَّ آية الكرسي تنبه على ما في منظومة القرآن ومنظومة بيانات أهل البيت عليهم السلام، أي الثقلين، لأنها تتفرّد بذلك، وهي منبه كما مر بنا في هذا البحث. إنَّ الغوص أكثر فأكثر في تدقيق وتحقيق قوالب المعارف يزيد الإنسان نظماً في التفكير وفي المعرفة.
فائدة: هذه نكتة عجيبة ومهمة جداً؛ فنظم الزيادة في أبواب المعرفة، وترابطها بعضها ببعض، يزيده نظماً لا همجيةً وتدافعاً وتناقضاً، بل على العكس. وهذه نكتة منهجية في المعارف، فكثرة التدقيق في قوالب المعارف يزيد منظومة المعارف نظماً. فمن الأمور أيضاً، وهذه نكتة في نفسها مستقلة ومهمة جداً، أنه كلما غصت في المعارف، تترتب عندك قواعدها وأبوابها وترابطها وتناسقها وتناسبها أكثر فأكثر نظماً.
هيمنة آيات الكرسي والملك والشهادة
آيةٌ لها هيمنة أشد من سورة هي آية الكرسي، بحسب بيان أهل البيت عليهم السلام في هذه المسألة. وآية الملك لها هيمنة أشد من مجموع سورة. فالعقد الفريد، والمركز النابض، هو آية الملك، وآية الشهادة.
أما آية الشهادة فهي قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[1] ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[2] .
وفي بيانات الثقلين، قد أُلِّف كتابٌ كاملٌ فقط في هذه الآيات. وهي ربما ثلاث آيات، فآية الشهادة هي ثلاث آيات. وهذه من بركات التدقيق في هذه الآية الشريفة. ولاحظوا أن هذه الآية الشريفة مستحب أن يؤتى بها في صلاة الإمام الصادق (عليه السلام) مئة مرة في ركعتين.
وسؤال: ما هي صلاة الإمام الصادق (عليه السلام)؟
الجواب: هي ركعتان، في كل ركعة بعد سورة الحمد تُقرأ آية الشهادة مئة مرة، وهي موجودة في كتب الأدعية كـ«مفاتيح الجنان»[3] وغيرها، وكتب الحديث كـ«التهذيب»[4] وغيره. فمن داوم عليها رأى أثرها. ولم يوضع في بيانات أهل البيت جعلها رديفاً لسورة الحمد عبثاً، هي وآية الكرسي وآية الملك. وعندما يقال “صلاة الإمام الصادق (عليه السلام)”، فليس المعنى أن تهدي ثوابها للإمام الصادق (عليه السلام) فحسب، بل معناه الصلاة التي شرّعها الإمام الصادق (عليه السلام). وهكذا هي صلوات الأربعة عشر معصوماً عليهم السلام، بالإضافة إلى صلاة جعفر الطيار (عليه السلام)، فقد شُرِّعت باسم ذلك المعصوم أو نُسبت إليه. وعلى كل حال، هي صلاة عظيمة، وهذه الآية عظيمة.
وهكذا آية الكرسي، هي آية في مصاف سورة الحمد، فسورة الحمد مهمة، وهي أم الكتاب. وقد جُعل تالي تلوها آية الكرسي، وتالي تلوها آية الملك، وتالي تلوها آية الشهادة. وهذه الآيات الثلاث، مع سورة الحمد، لها أمومة وهيمنة على سور القرآن. وسوف نرى منهجية في قواعد علم التفسير يبينها أهل البيت عليهم السلام، ويغفل عنها المفسرون. أو كما في رواية، أنها نزلت من أعالي العرش، ولها هيمنة.
تنبيه: هي قاعدة من قواعد علم التفسير، يغفل عنها أصحاب علوم التفسير أو قواعد التفسير، بسبب ابتعادهم عن روايات أهل البيت عليهم السلام. فإنَّ بيانات أهل البيت عليهم السلام هي علوم ومعلومات، وليس المهم هو السند فقط، بل المروي هو الأهم. وكم من قواعد تفسيرية نبّه عليها أهل البيت عليهم السلام وغفل عنها المتأخرون.
وعلى أي حال، فمن الجواهر اللطيفة في آيات الكرسي –أو آية الكرسي كما شئت فعبّر– وهذا لا يختص بآية الكرسي، وإنما هو في منظومة السور والآيات، فآية الكرسي موحٍ ومنبه على هذه الحقيقة القرآنية في السور القرآنية، لأنها تتفرّد.
والسؤال: ما هي هذه الجوهرة الأخرى؟ الجواب: إنها مهمة جداً، وهذه الجوهرة الأخرى هي أن آية الكرسي تقول بأن دور الإمام ليس دوراً اجتماعياً سياسياً فقط، بل للإمام دور غيبي أيضاً، كما أن له دوراً حسياً. فآية الكرسي تنبه على هذا المطلب عندما تقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [5] ، وفي الآية التي تليها: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [6] ، وهذا تكامل للروح.[7] وليس هذا فقط في دار الدنيا، بل في البرزخ، وفي القيامة، فحتى في الآخرة الأبدية للإمام دور.
والنتيجة: أن الإمامة قيادة ليست أرضية فقط، بل هي سماوية وأخروية وجنانية وعوالمية. وهذه نكتة مهمة جداً، تؤكد عليها آيات الكرسي، وتنبه على ما في منظومة الآيات والسور. إنَّ الإمامة كمفهوم لا يمكن أن يقتصر تعريفها على أنها “مفترض الطاعة في دار الدنيا”، فهذا تعريف ناقص وقاصر جداً للإمامة الإلهية. فـ”ولي الحساب” من مقامات الإمامة، و”قسيم الجنة والنار” من مقاماته.
والإشكال: لماذا يعرّف النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الوصف: “قسيم الجنة والنار”؟[8]
والجواب: أن هذا ليس بحثاً أرضياً، ولا بحثاً اجتماعياً سياسياً، بل هو دور ما ورائي يمتد إلى عوالم القيامة وما بعدها. ولماذا يؤكد سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم قائلاً: “سادات الجنة”؟ ما علاقتنا بسادة الجنة ونحن نريد دوراً أرضياً حسياً اجتماعياً فقط؟ هذا خطأ في تعريف أهل البيت عليهم السلام، فلا يجوز الاقتصار على الدور الأرضي.
والشاهد فيه: هذه الرواية المتواترة عند الفريقين: “سادات أهل الجنة من بني هاشم”، أو “نحن سادة أهل الجنة”، وذكر منهم سبعة، والمقصود ليس سبعة عدداً، بل سبعة صنفاً. فقد ذُكر أصحاب الكساء الخمسة، وحمزة وجعفر، وهما من الدائرة الثانية الاصطفائية. فلماذا يذكر سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم أدوار أهل البيت في الجنة؟ وإذا أراد أن يعرّف فاطمة (عليها السلام)، قال في حديث متواتر عند الفريقين: “سيدة نساء أهل الجنة”.[9]
وهذا يعني أنها مهيمنة على مريم، وعلى حواء، وعلى سارة، وعلى غيرهن. وأهل الجنة من هن؟ إنَّ الحور العين خدم للمؤمنات. فسيدة نساء أهل الجنة تسود أكبر أمة متكاملة وتهيمن عليها، فهي قدوة لهن وإمام. فما معنى “السيدة”؟ أي التي يؤتم بها. فهل للنساء إمام يؤتم به كما للرجال؟ طبعاً، فالقدوة تقتضي قدوة فائقة. وهناك جوانب نسوية كالعفة والطهارة والحياء، فمن هي القدوة فيها؟ هل لنساء أهل الجنة، ونساء الأولين والآخرين، إمام يؤتم به؟ نعم، فاطمة (عليها السلام) إمام لمريم وقدوة لها، فالسيدة تعني القدوة. ويُستفاد من مجموع الأدلة أن الله يحدّث مريم بمقامات فاطمة، فتتربى مريم وتترعرع على الوحي الإلهي لتكون مريم. ويربي الوحي الإلهي حواء وسارة وآسية زوجة فرعون، يربي الله عز وجل هؤلاء النسوة القدوة، فيحدثهن عن فاطمة، فهي تربيهن.
ففاطمة (عليها السلام) قدوة، على غرار ما ورد في مضمون رواية يخاطب فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) ابنه الإمام الحسين (عليه السلام)، بأن الحسين كان أسوة للأنبياء السابقين. وذلك لأن الله كان يحدث الأنبياء كيف يصبرون، فيلهمهم بصبر الحسين (عليه السلام)، فيزدادون ثباتاً، كما في قصة زكريا وإبراهيم وغيرهما.[10] وكما ابتلى الله إبراهيم في معرفة الأربعة عشر معصوماً من أهل بيته عليهم السلام. فإذا كان الله يحدث وحياً الأنبياء والنساء العظيمات كحواء وسارة وآسية بمن تكون قدوة لهن، فإنهن يترعرعن ويتربين على ذلك.
فالحاصل: أن معنى “قدوة سيدة نساء الجنة” أنها خُلقت لتكون سيدة راعية مربية قدوة وإماماً لهن، فيتكاملن بها. فهي ليست سيدة لعموم النساء فقط، بل سيدة لسادات النساء.
وهذا كمثل إمامة الأئمة، فهي ليست إمامة لعموم الناس، بل إمامة للأئمة، ولبقية الأئمة. وقد مر بنا مراراً بمناسبة الغدير، أن إمامة الأئمة تختلف في تعريفها عن إمامة إبراهيم (عليه السلام). فإمام الأئمة هو قدوة للقيادات، وليس قدوة لعموم الناس فقط، وهو ركن الأولياء، وعصمة للأصفياء، فالاقتداء به يعصم الأنبياء من الزلل. فمقام الإمامة للأئمة يختلف، فهو ليس للناس فقط، بل هو مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [11] ،ولكن على نحو أرفع: إني جاعلك للأنبياء إماماً –عدا سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم–، إني جاعلك للأصفياء إماماً، إني جاعلك للملائكة المقربين إماماً. فالإمامة طبقات، والنبوة طبقات، والرسالة طبقات.
إنَّ مقام فاطمة (عليها السلام) كسيدة نساء أهل الجنة له أبعاد كثيرة في الوحي لم يتعرض لها المتكلمون في علم الكلام، ونقص التعريف هذا يولد شبهات للمعترضين، وينتهي إلى فكر “حسبنا كتاب الله”[12] الذي يستغني عن النبي وأهل بيته. فإذا كان النبي يؤكد في حديث متواتر أنها قدوة وإمام، وهي التي قال الله عز وجل فيمن هي دونها مرتبةً، أي مريم (عليها السلام): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [13] ، فإنَّ فاطمة (عليها السلام) فوقها سيدة وقدوة لها، تقتدي بها.
أدلة قرآنية على رفعة مقام السيدة فاطمة
والقرآن الكريم نفسه، وليس فقط الحديث المتواتر، يذكر لفاطمة (عليها السلام) مقامات لم يذكرها لمريم (عليها السلام). فولايتها على أموال الأرض ذكرها القرآن لها ولم يذكرها لمريم أبدًا. والعلم بالقرآن ذكره القرآن لفاطمة (عليها السلام) في منظومة آيات، كآية التطهير[14] وآية المودة[15] وغيرها، ولم يذكر مثلها لمريم. فمريم (عليها السلام) مع أنها مصطفاة، إلا أن القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله) وسلم جعلا لها إماماً وقدوة تقتدي بها.
قدوة لسارة، وقدوة لهاجر، ولحواء، ولآسية؛ مع أنَّ مريم وآسية قد جعلهما الله عز وجل إماماً وقدوة للذين آمنوا، وهذا يعني أنَّ قدوتهما تمتد حتى للذكور في الصبر والمشاق. وهذا منطق قرآني، وهو أنَّ المرأة المصطفاة تكون قدوة وإماماً، فالإمام هنا بمعنى القدوة. وقد نص القرآن الكريم على قدوة الاصطفاء هذه للرجال والنساء معاً، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [16] ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾[17]
فإنَّ عفة مريم وقدرتها على كبح الشهوة ليست قدوة للنساء فقط، بل حتى للذكور؛ إذ إنَّها قدوة في ذلك، فكيف بالرجال؟ وقد ذُكرت إمامة المرأة الاصطفائية في القرآن الكريم في سورة التحريم، فكيف بفاطمة (عليها السلام) التي وردت حجيتها وقدوتها في سور وآيات عديدة؟
ويذكر ابن أبي الحديد[18] في شرحه لنهج البلاغة، عند ذكره للمحاججة التي جرت بين فاطمة (عليها السلام) وأبي بكر في قضية فدك، نقلاً يعترف فيه أبو بكر بأنَّ ما يقوله قد تلقاه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمحضر من المسلمين، وهو قوله لفاطمة: “أنتِ يا فاطمة سيدة أمة أبيك”.[19] ورغم أنَّ هذه العبارة لم تُنقل إلا بطرق قليلة، إلا أنَّ القرآن يدل على أنَّ فاطمة (عليها السلام) ليست سيدة النساء فحسب، بل سيدة الأمة.
وهذا النص النبوي المتواتر يفيد هذا المعنى، حيث وردت روايات متواترة بالمعنى تفيد سيادة أهل البيت عليهم السلام على أهل الجنة.[20] وقد ذُكرت فاطمة (عليها السلام) ضمن سادات الجنة بوصفها قيادة. فهذا الحديث المتواتر عند الفريقين يذكر فاطمة (عليها السلام) ضمن سادات أهل الجنة. وفي تعبير موجز لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، ذُكرت فاطمة (عليها السلام)، فهي إذن قيادة وإمامة لكل أهل الجنة، ومنهم الأنبياء والأوصياء وغيرهم.
ولذلك ورد في الروايات أنَّه ما تكاملت نبوة نبي من الأنبياء إلا بالإقرار بفضل فاطمة (عليها السلام) ومحبتها.[21] فالموضوع في القرآن له أبعاد أخرى في معرفة المصطفين، لا تقتصر على البعد الأرضي السياسي والاجتماعي، فإنَّ حصر التعريف بهذا البعد يُعد خطأً في تعريف أهل البيت عليهم السلام. بل هناك أبعاد غيبية في الجنة، وفي القيامة، وفي البرزخ، وفي العوالم السابقة، وكلها لها دور، وهذا ما قصّر فيه وأغفله كثير من علماء الكلام.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.